المساء اليوم – هفتي ضرار:
تعود قضية العلاقة بين السياسة وشبكات تهريب المخدرات في إقليم غاليسيا الإسباني إلى واجهة النقاش العام، مع تجدد التصريحات بشأن التمويل السياسي المزعوم، واستمرار الجدل حول علاقات شخصيات نافذة في حزب الشعب الإسباني بأسماء ارتبطت بعالم التهريب.
ويعيد هذا الملف تسليط الضوء على ظاهرة «الناركوبوليتيكوس»، أي تداخل شبكات المخدرات مع الأوساط السياسية ومراكز النفوذ، في سياق تاريخي شهد تحولات من تهريب التبغ إلى الاتجار بالمخدرات، وسط اتهامات وشهادات صحفية بشأن محاولات التأثير في الحياة السياسية المحلية.
ومن خلال تتبع السجلات والمراجع الصحفية والتصريحات المنشورة، يبرز حزب الشعب الإسباني، المعروف اختصارا بـ«PP»، ضمن هذا الجدل، خصوصا مع عودة مزاعم بشأن تمويل حزب التحالف الشعبي، سلفه السياسي، خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب الأسئلة التي أثارتها علاقة ألبرتو نونييث فييخو بمارسيال دورادو.
فييخو ودورادو.. علاقة أثارت جدلا سياسيا واسعا
في أبريل 2013، نشرت صحيفة «إل باييس» صورا تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، تجمع ألبرتو نونييث فييخو بمارسيال دورادو خلال رحلات ترفيهية. وأثارت الصور جدلا واسعا بعدما أصبح دورادو معروفا بارتباطه بملفات تهريب المخدرات وغسل الأموال.
وكان فييخو قد شغل مناصب إدارية في غاليسيا قبل أن يتولى رئاسة الحكومة الإقليمية بين عامي 2009 و2022، ثم قيادة حزب الشعب الإسباني على المستوى الوطني سنة 2022.
وأقر فييخو بوجود علاقة شخصية سابقة مع دورادو، مؤكدا أنه قطعها بعدما علم بخلفيته الإجرامية، كما نفى تلقي أموال غير مشروعة أو تورطه في تمويل حزبه من عائدات المخدرات.
وفي يوليوز 2025، عادت العلاقة إلى دائرة الضوء بعد مقابلات صحفية تناولت الرحلات المشتركة والنفقات المرتبطة بها. وأعادت هذه التصريحات فتح النقاش بشأن طبيعة العلاقة السابقة بين الرجلين، وحدود المعلومات التي قدمها فييخو لتوضيح تفاصيلها.
ولا ينحصر البعد السياسي للملف في الصور، بل يمتد إلى ضرورة فحص الوقائع الإدارية والمالية المرتبطة بالأطراف المعنية، وربطها بتسلسل زمني واضح يميز بين العلاقات الشخصية والمعاملات التجارية والتمويل الحزبي.
أوبينيا وفراغا.. مزاعم بشأن تمويل التحالف الشعبي
تعود جذور القضية إلى مرحلة تأسيس حزب التحالف الشعبي، الذي تطور لاحقا إلى حزب الشعب الإسباني. فقد تحدث لوريانو أوبينيا، أحد أشهر تجار الحشيش المدانين في إسبانيا، عن تقديم أموال للحزب خلال مرحلة مانويل فراغا. ونقلت وسائل إعلام إسبانية، من بينها «لا فانغوارديا» و«20 مينوتوس»، تصريحات منسوبة إليه بشأن حصول الحزب على تمويل منه، مع ادعائه أن قيادة الحزب كانت على علم بمصدر الأموال.
كما تحدث أوبينيا عن لقاءات مزعومة جمعته بماريانو راخوي خلال مرحلة سابقة من مساره السياسي في غاليسيا، وأثار بذلك أسئلة إضافية حول طبيعة العلاقات التي ربطت بعض الشخصيات السياسية بأوساط التهريب.
وتبقى هذه التصريحات جزءا أساسيا من الملف الصحفي، بالنظر إلى خطورة مضمونها وارتباطها بشخصيات سياسية بارزة. ويقتضي استكمال التحقيق مقارنتها بالوثائق المالية والسجلات التاريخية لتحديد طبيعة الأموال المزعومة ومسارها والجهات التي استفادت منها.
غاليسيا.. البيئة التاريخية لصعود «الناركوبوليتيكوس»
عرفت غاليسيا تاريخا طويلا من تهريب التبغ، قبل أن تتوسع أنشطة بعض الشبكات الإجرامية نحو تجارة المخدرات. وفي هذا السياق، تناولت تحقيقات وكتب صحفية العلاقات التي نشأت بين بعض المهربين وأوساط محلية نافذة، وما رافقها من اتهامات بشأن النفوذ السياسي والتمويل غير المشروع.
ويُستخدم مصطلح «الناركوبوليتيكوس» لوصف التداخل بين عالم المخدرات والسياسة، حين تسعى شبكات الجريمة المنظمة إلى استثمار المال والعلاقات للوصول إلى دوائر القرار أو التأثير فيها.
ولا يعني هذا المفهوم أن جميع السياسيين الذين تظهر أسماؤهم في التقارير متورطون في أنشطة إجرامية، بل إنه يسلط الضوء على ضرورة مراقبة مصادر التمويل والعلاقات التي قد تنشأ بين أصحاب المصالح غير المشروعة والفاعلين السياسيين.
وفي الحالة الغاليسية، تظل شهادات بعض تجار المخدرات والتقارير المنشورة بشأن علاقاتهم بالسياسة جزءا من سجل تاريخي يستدعي التدقيق والمقارنة مع الوثائق الأصلية.
قضية ناسييرو.. محطة في تاريخ تمويل الأحزاب
شكلت قضية ناسييرو، التي تفجرت مطلع تسعينيات القرن الماضي، إحدى أبرز المحطات في الجدل الإسباني بشأن تمويل حزب الشعب. فقد كشفت تسجيلات مرتبطة بتحقيق جنائي عن محادثات أثارت شبهات حول عمولات وترتيبات مالية في محيط الحزب.
وأُغلق المسار القضائي لأسباب إجرائية، من دون صدور حكم نهائي يثبت أن الأموال موضوع تلك الشبهات كانت متأتية من تجارة المخدرات.
ومع ذلك، تبقى القضية مهمة لفهم السياق التاريخي الذي تطورت فيه النقاشات بشأن مصادر التمويل السياسي والرقابة على التبرعات والإنفاق الانتخابي في إسبانيا.
العقود والنفقات.. ضرورة تتبع مسار الأموال
تناولت تقارير صحفية إسبانية أيضا مدفوعات إدارية لشركات مرتبطة بمارسيال دورادو خلال فترات حكومية مختلفة في غاليسيا. وتكتسب هذه المعطيات أهمية عند وضعها في سياقها الزمني، ومقارنتها بالمناصب التي شغلها المسؤولون المعنيون وبالسجلات الإدارية المتاحة.
غير أن وجود معاملات بين إدارة عمومية وشركة لا يثبت تلقائيا ارتباطها بعائدات المخدرات، كما أن تحمل نفقات رحلة شخصية لا يساوي بالضرورة تمويلا لحزب سياسي. وتكمن القيمة الاستقصائية في تحديد طبيعة المعاملات ومصدر الأموال والجهات المستفيدة منها، بالاستناد إلى الوثائق.
ويظل الفصل بين هذه المستويات ضروريا لفهم الملف بعيدا عن التعميم، خصوصا عندما يتعلق الأمر باتهامات تمس شخصيات تولت مسؤوليات حكومية أو حزبية.
التمويل السياسي تحت المجهر
تتجاوز أهمية القضية حدود التنافس بين الأحزاب الإسبانية، لتطرح مسألة قدرة المؤسسات على منع الأموال المتأتية من الجريمة المنظمة من التحول إلى أداة للتأثير في القرار السياسي.
ويتطلب التحقق من مزاعم التمويل غير المشروع مراجعة حسابات الأحزاب، وتقارير الرقابة المالية، وسجلات التبرعات والتحويلات، إلى جانب فحص أي وثائق يُقال إنها تتضمن إشارات إلى مدفوعات بين شبكات التهريب وشخصيات سياسية.
كما أن أي وثائق مسربة أو دفاتر منسوبة إلى أشخاص وردت أسماؤهم في تقارير إعلامية تحتاج إلى التحقق من أصالتها ومصدرها وسياقها، ومقارنتها بمعطيات مستقلة قبل استخلاص نتائج بشأن مضمونها.
الخلاصة.. ملف مفتوح أمام البحث الاستقصائي
يكشف تاريخ الجدل حول حزب الشعب الإسباني وشبكات التهريب في غاليسيا عن مجموعة من التصريحات والوقائع الصحفية التي تستحق التوثيق، بدءا من مزاعم لوريانو أوبينيا بشأن تمويل حزب التحالف الشعبي، وصولا إلى علاقة ألبرتو نونييث فييخو السابقة بمارسيال دورادو وما أثارته من نقاش سياسي وإعلامي.
ويضع هذا الملف ظاهرة «الناركوبوليتيكوس» في صلب النقاش حول نزاهة الحياة العامة، ومصادر الأموال التي تتحرك في محيط الأحزاب، ومدى فعالية آليات الرقابة على التمويل السياسي.
ويمر كشف الحقيقة عبر تتبع السجلات، وفحص الوثائق، ومقارنة التصريحات بالوقائع، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة. وتظل الشفافية في مصادر التمويل شرطا أساسيا لحماية المؤسسات الديمقراطية من نفوذ المال غير المشروع.

