المساء اليوم:
في خطوة تعكس تنامي الأهمية الصناعية والاستراتيجية للمغرب في قطاع السيارات الكهربائية، تتجه شركة «فولكسفاغن» الألمانية، عبر فرعها المتخصص في البطاريات «PowerCo»، إلى تعزيز حضورها في المملكة من خلال شراكة مع الشركة الصينية «غوتيون هاي تك» (Gotion High-Tech)، لإنتاج مواد أساسية تدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية بمدينة القنيطرة.
ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه بتكنولوجيا بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP)، التي أصبحت تحظى باهتمام متزايد لدى شركات صناعة السيارات، بفضل تكلفتها الأقل نسبياً، وعمرها التشغيلي الجيد، واستقرارها الحراري، فضلاً عن عدم اعتمادها على معادن مثل النيكل والكوبالت.
ووفقاً للمعطيات التي أوردها موقع «هجينوس إي إليكتريكوس» الإسباني، تستهدف الشراكة إنشاء وحدة صناعية بالقنيطرة بطاقة إنتاجية تصل إلى 100 ألف طن سنوياً من المواد المخصصة لصناعة البطاريات.
وتقوم الشراكة على توزيع رأسمال المشروع بين شركة غوتيون الصينية بنسبة 51 في المائة، وفولكسفاغن الألمانية بنسبة 49 في المائة.
ومن المرتقب أن يتم توجيه جزء من الإنتاج المغربي إلى مصانع البطاريات التابعة لفولكسفاغن في أوروبا، خصوصاً مصنع ساغونتو بإسبانيا، ومصنع شوراني بسلوفاكيا، ما يعزز الارتباط الصناعي بين المغرب والمنظومة الأوروبية لصناعة السيارات الكهربائية.
وتكمن إحدى أهم نقاط القوة المغربية في امتلاك المملكة احتياطيات ضخمة من الفوسفات، الذي يشكل عنصراً أساسياً في تكنولوجيا بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم.
ويحتل المغرب مكانة عالمية متقدمة في صناعة الفوسفات ومشتقاته، يمتلك فرصة حقيقية للانتقال من تصدير المواد الأولية إلى تصنيع مواد صناعية ذات قيمة مضافة مرتفعة.
وهنا تبرز أهمية المشروع الجديد، إذ يمكن أن يشكل خطوة إضافية نحو بناء منظومة صناعية متكاملة، تجمع بين الموارد الطبيعية والتحويل الكيميائي والتصنيع التكنولوجي، وصولاً إلى إنتاج مكونات البطاريات التي تحتاجها صناعة السيارات الكهربائية.
ولا يرتبط اهتمام الشركات الألمانية والصينية بالمغرب فقط بتوفر الفوسفات، بل بمجموعة من العوامل الاقتصادية والاستراتيجية، من بينها القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية وتوفر بنية صناعية ولوجستية متطورة نسبياً ووجود قطاع سيارات قوي ومندمج في سلاسل الإنتاج العالمية.
كما أن التحولات التي تعرفها صناعة السيارات عالمياً تدفع الشركات الكبرى إلى تنويع مصادر التوريد وتقريب مواقع الإنتاج من الأسواق المستهلكة.
ويمثل هذا الاستثمار فرصة مهمة للمغرب لتعزيز موقعه في خريطة الصناعات المستقبلية، خصوصاً في ظل المنافسة الدولية على استقطاب الاستثمارات المرتبطة بالانتقال الطاقي والتنقل الكهربائي.
غير أن الرهان الحقيقي لا يتوقف عند إنتاج المواد الأولية أو الوسيطة، بل يتطلب العمل على تطوير صناعات تحويلية متقدمة، وتكوين كفاءات مغربية متخصصة، وتشجيع البحث العلمي ونقل التكنولوجيا، واستقطاب المزيد من الشركات المنتجة للخلايا والبطاريات الكاملة.
كما أن تعظيم القيمة المضافة المحلية سيظل عاملاً حاسماً لضمان استفادة الاقتصاد الوطني من هذه الاستثمارات على المدى الطويل.
وتكشف هذه الشراكة عن تقاطع المصالح الصناعية بين الصين وألمانيا والمغرب؛ فالصين تمتلك خبرة واسعة في تكنولوجيا البطاريات، وألمانيا تبحث عن تأمين سلاسل التوريد الصناعية، بينما يوفر المغرب الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والقاعدة الصناعية اللازمة لتطوير مشاريع مشتركة.
وإذا نجح المغرب في استثمار هذه الفرصة، فقد يتحول خلال السنوات المقبلة إلى أحد أهم المراكز الإقليمية لإنتاج مواد البطاريات ومكوناتها، مع إمكانية تعزيز حضوره في سلسلة القيمة العالمية للسيارات الكهربائية.
ولم يعد الرهان المغربي مقتصراً على أن يكون منصة لتجميع السيارات الموجهة إلى الأسواق الأوروبية، بل أصبح يتمثل في الانتقال إلى قلب الصناعة الجديدة، حيث تتحول الفوسفات والمعادن والموارد الطبيعية إلى مكونات استراتيجية في تكنولوجيا المستقبل.

