المساء اليوم:
دق عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، ناقوس الخطر بشأن التحديات القانونية والأخلاقية التي يفرضها التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء داخل المحاكم أو في مهنة المحاماة ومجال التعليم، محذرا من تعقيدات قانونية جديدة ترتبط بتحديد المسؤوليات الجنائية عن الأفعال التي تنفذها الآلات والأنظمة المبرمجة.
وأثار وهبي، خلال عرضه الميزانية الفرعية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، اليوم الأربعاء، تحولات لافتة في الممارسة القضائية، مشيرا إلى دخول تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مجال إعداد الدعاوى والمذكرات القانونية، مستشهدا باستعمال برنامج “شات جي بي تي” من طرف متقاضٍ لصياغة مقال افتتاحي، قبل أن يلجأ الطرف المقابل إلى البرنامج نفسه لإعداد جوابه.
ولم يقف الوزير عند هذا المثال، بل أشار إلى إمكانية توظيف هذه التطبيقات في تحليل المعطيات القانونية واقتراح الأحكام، بل وحتى مراجعتها وتصحيحها، معتبرا أن هذه الممارسات تفرض التفكير بشكل عاجل في وضع ضوابط قانونية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، تفاديا لما قد يترتب عن ترك المجال مفتوحا أمام استعمالاته دون تأطير.
وفي هذا السياق، طرح المسؤول الحكومي إشكالية تحديد المسؤولية الجنائية عندما ترتكب جريمة بواسطة آلة أو نظام ذكي، متسائلا عن الطرف الذي ينبغي تحميله تبعات الفعل الجرمي: هل هو مالك الجهاز، أم مستعمله، أم الشخص الذي صمم برنامجه، أم من تولى تشغيله، أم الجهة التي أصدرت إليه التعليمات؟ وكشف أن وزارة العدل تناقش إمكانية إدراج هذه الإشكالات ضمن مقتضيات القانون الجنائي.
واستحضر وهبي، لتوضيح حجم التعقيدات المطروحة، واقعة قال إنها شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، وتتعلق بروبوت تسبب في مقتل شخص، وهي الحادثة التي أعادت إلى الواجهة النقاش حول تحديد المسؤولية بين مصمم البرنامج والجهة التي قامت بتركيبه والشخص الذي أصدر إليه الأمر، ومدى إمكانية مساءلة جميع الأطراف المتدخلة.
كما كشف عن قضية أخرى معروضة أمام القضاء الأمريكي، تتعلق بامرأة تطالب بمتابعة شخص وتعويضها بعدما استخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صورة مفبركة تظهرها في وضعية اعتداء جنسي، قبل نشرها، وهي الواقعة التي وصفها بـ”الاغتصاب الافتراضي”، مشيرا إلى أن القضية لم يصدر بشأنها أي حكم قضائي إلى حدود الآن.
وبالموازاة مع هذه الإشكالات، تساءل وزير العدل عن مدى جاهزية المنظومة القضائية المغربية لمواكبة هذه التحولات، وعن حجم التكوين الذي يتوفر عليه القضاة للتعامل مع النزاعات المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، مبرزا أن المغرب يظل مستهلكا لهذه التقنيات دون أن يكون منتجا لها، الأمر الذي يزيد من صعوبة التحكم في تداعيات تطورها المتسارع.
ولفت وهبي إلى أن تأهيل الجسم القضائي لمواجهة هذه التحديات يتطلب موارد مالية مهمة، مستحضرا ارتفاع تكاليف التكوين المتخصص في الذكاء الاصطناعي لدى المؤسسات الأجنبية، فضلا عن المصاريف المرتبطة باستقدام الخبراء والمتخصصين لتأطير الدورات التكوينية وتقديم العروض في هذا المجال.
وشدد المسؤول الحكومي على ضرورة إخضاع استعمال هذه التقنيات لضوابط تشمل المحامين والخبراء أيضا، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تلعبه المعطيات والمذكرات والتقارير التي يقدمونها في تكوين قناعة القاضي وبناء الأحكام القضائية.
ولم يغفل وهبي التداعيات الاجتماعية والتربوية للتحولات الرقمية، محذرا من التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي ومواقع التواصل الاجتماعي على الأجيال الصاعدة، التي باتت تعيش، بحسب تعبيره، داخل عالم افتراضي يختلف كثيرا عن الواقع المعيش، وهو ما قد يخلق صعوبات عند الاحتكاك بالحياة اليومية، ويمتد تأثيره إلى منظومة التربية والتنشئة.
وعلى المستوى التشريعي، كشف وزير العدل عن وجود مجموعة من الأوراش القانونية قيد الإعداد، تشمل مراجعة القانون الجنائي ومدونة الأسرة وقانون الموثقين، إلى جانب ملف البصمة الجينية، تمهيدا لإحالتها على المؤسسة التشريعية، مؤكدا أن المرحلة المقبلة ستفرض وتيرة عمل مكثفة لاستكمال هذه الملفات.
وفي ما يتعلق بمراجعة قانون الالتزامات والعقود، أوضح وهبي أن الصيغة الحالية للأشغال تتضمن حوالي 650 فصلا، مع التوجه نحو رفع العدد إلى 1200 فصل، في إطار مواصلة مراجعة وتحيين المقتضيات القانونية المنظمة للعلاقات التعاقدية.
كما أثار الوزير إشكالية مراجعة مدونة التجارة، متسائلا حول ما إذا كان الأمر يستدعي إعادة صياغتها بشكل شامل أو الاكتفاء بتعديل عدد من فصولها ومساطرها، منتقدا في المقابل اعتماد المقاربة نفسها في تطبيق مساطر التسوية والتصفية القضائيتين على الشركات الكبرى وصغار التجار، رغم الاختلاف الكبير في طبيعة أنشطتهم وإمكاناتهم الاقتصادية.

