المساء اليوم – متابعة:
تُشير تقارير عالمية إلى أن العالم قد يشهد تفاقماً لأزمة القمح إذا استمرت الحرب في أوكرانيا، فالأسوأ في الأزمة القمح العالمية لم يأتِ بعد على ما يبدو، حسب مراقبين، وأن التدخل العسكري الروسي بأوكرانيا هدد جزءاً كبيراً من إمدادات القمح العالمية وساهم في ارتفاع الأسعار ارتفاعاً هائلاً، ولكن إذا دخل الربيع والحرب مستمرة فإن الأمر قد يسوء.
ارتفاع فاتورة شراء القمح يشكل القمح ومشتقاته بات أمرا مقلقا بالنسبة للمغرب، خصوصاً وأن المادة تُعتبر أحد المكونات الأساسية لمائدة أكل المغاربة، كما أن ضعف الإنتاج محليا بسبب الجفاف وارتفاع فاتورة الاستيراد من الخارج، يضع الحكومة أمام وضع صعب يقول الخبراء إنه قد يتفاقم في الأشهر المقبلة.
وعرفت مخزونات القمح عالمياً انخفاضاً بالفعل ووصلت الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات جراء عامين من الأوضاع العالمية السيئة على نحو متنامٍ، ثم أدَّى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تعطيل التجارة في البحر الأسود وتعريض ما يقرب من ثلث صادرات العالم للخطر، كما أثار مخاوف بشأن نقص الغذاء في الدول المعتمدة على واردات الحبوب ودفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة جديدة.
في الوقت نفسه، لم يتّضح بعد ما إذا كان المزارعون الأوكرانيون سيتسنى لهم حصاد القمح الشتوي المزروع في الخريف أو حتى زراعة محاصيل الربيع خلال الأسابيع المقبلة. وإذا لم يتمكن الفلاحون الأوكرانيون من جني المحصول الشتوي أو زراعة المحصول الربيع، فلقد تتفاقم أزمة القمح العالمية بشكل كبير.
وفي هذا الصدد، قال ويل أوسناتو، أحد كبار المحللين لدى شركة “Gro Intelligence”، وهي شركة بيانات زراعية، إن “الموانئ الروسية تعمل بصورة طبيعية، لكن لا أحد لديه استعداد أن يدفع تكاليف التأمين الباهظة مقابل حجز الشحنات من هناك”. أما المزارعون الروس فيفضلون تخزينه بدلاً من بيعه، وتسبب إحجام المزارعين الروس عن بيع محصولهم في تفاقم أزمة القمح العالمية.
ويرتبط سوق القمح في المغرب بشكل كبير بتقلبات سعره في الأسواق الدولية، إذ تستورد المملكة جزءا كبيرا من حاجياتها من القمح من الخارج. وبحسب البيانات الحكومية، فإنّ مخزون القمح المتوفر حاليا، لا يغطي سوى ما بين أربعة وخمسة أشهر من الاحتياجات، بما يمثل 1.8 مليون طن، بينما تظهر جل المؤشرات أن الفترة المقبلة ستشهد صراعا دوليا محموما للحصول على القمح.
ويعتمد المغرب في استهلاكه المحلي بشكل كبير على القمح، ما سيرفع من ثمن الحبوب وهو أمر ستستفيد منه الدول المنتجة له أساسا، بينما ستتأثر القدرة الشرائية لمواطني الدول المستوردة، ومنها المغرب، مما قد يضطر الدول المعنية إلى اتخاذ جملة من الإجراءات التي تؤثر بدورها على اقتصادها، وبالتالي على الأسواق بشكل عام، خصوصاً وأن ارتفاع ثمن الخبز يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الأخرى، ما قد يدخل تلك الدول في دورة تضخمية ويؤثر على باقي قطاعاتها الاقتصادية.
وحسب خبراء فإنه لا يمكن الحديث عن أزمة قمح في المغرب، في الفترة الحالية على الأقل، مادام البلد يتوفر على مخزون لتغطية الخمسة أشهر المقبلة، “لكنه قد يجد صعوبات مرتبطة بفترة ما بعد فصل الصيف المقبل”. وتؤكد بيانات مكتب الصرف أن ارتفاع سعر القمح، أدى إلى الزيادة في فاتورة واردات المغرب منه، إلى ما يناهز 250 مليون يورو في يناير الماضي، مقابل 84 مليون دولار في نفس الشهر من العام 2021.
وكان المغرب اعتمد سياسة تقضي بتوسيع طاقته من تخزين القمح والتي وصلت إلى خمسة ملايين طن. كما أصبح يشجع المستثمرين على بناء المزيد من مستودعات التخزين، لكن تلك الجهود لم تغير من خضوع حاجيات المغرب من الحبوب، لتقلبات السوق الدولية من جهة، وللتساقطات المطرية، من جهة ثانية.
وحسب المتحدث باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، يتوقع المغرب زيادة في الإنفاق على دعم القمح اللين بما نسبته 15% مقارنة بالعام الماضي، لكن خبراء أكدوا أن تلك النسبة مرشحة للارتفاع في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتداعياتها على السوق الاقتصادية العالمية سواء من ناحية ارتفاع الأسعار أو على صعيد توفر القمح والسياسة التجارية التي ستعتمدها الدول المنتجة له.
وتتخوف العديد من البلدان التي تعتمد على القمح المستورد، من أن يطول أمد الحرب في أوكرانيا. إذ لم يكد النزاع يبدأ حتى ازدادت وتيرة ارتفاع أسعار القمح على الصعيد الدولي، ووصلت إلى مستوى لم تعرفه منذ أكثر من 14 عاما. ويستورد المغرب سنويا من الخارج، ما بين 60 و75 مليون قنطار من الحبوب، من قمح لين وصلب وشعير وذرة.
وتشكل فرنسا المورد الأساسي للمغرب من القمح، أما القمح الأوكراني فيمثل 5 % من واردات المغرب من القمح، والروسي 11% من تلك الواردات. لكن الحكومة الأوكرانية فرضت، مؤخرا، قيودا على تصدير بعض المنتجات الزراعية، من بينها القمح.
ومن شأن تراجع الكميات من القمح التي يمكن للمغرب أن يستوردها من أوكرانيا وروسيا، أن يؤثر بشكل كبير على حاجيات المغرب منه، أضف إلى ذلك أن المنافسة ستشتد على القمح الذي تنتجه العديد من الدول، من بينها فرنسا والبرازيل والأرجنتين وبولندا وألمانيا وليتوانيا، ما سيخضع ذلك الإنتاج إلى قانون العرض والطلب وبالتالي سيرفع سعره ويقلل من فرص الحصول عليه.

