المساء اليوم – ح. اعديّل:
تعيش الدار البيضاء على إيقاع غريب من المتناقضات، بضعة أشهر بعد الانتخابات الجماعية والبرلمانية، والتي قادت إلى تغيير كلي في الخارطة السياسية والحزبية في المدينة، وهو تغيير بقدر ما كان منتظرا، إلا أنه يثير الكثير من الخيبة بين سكان أكبر مدينة في البلاد.
وفي ظرف بضعة أيام فقط، عاش البيضاويون على وقع خبرين صادمين بخصوص تدبير الميزانية العام للتسيير، الأول هو قرار العمدة، نبيلة الرميلي، فتح صفقة لاقتناء سيارات للجماعة الحضرية بقرابة ثلاثة ملايير سنتيم، والخبر الثاني هو قرار جهة الدار البيضاء دعم جمعية موسيقية بمئات الملايين كل عام، من أجل ترويج الموسيقى في الجهة ودعم الموسيقى الكلاسيكية.
وتنتمي عمدة الدار البيضاء لحزب التجمع الوطني للأحرار وهي عضوة مكتبه السياسي، بينما ينتمي رئيس الجهة إلى حزب الاستقلال، وهو أيضا عضو المكتب السياسي لحزبه، وهما معا ضمن الائتلاف الحكومي الثلاثي الذي يضم التجمع والاستقلال والأصالة والمعاصرة.
ويبدو أن حزبي التجمع والاستقلال لم يمهلا البيضاويين طويلا من أجل الفرح بمغادرة حزب العدالة والتنمية لدواليب التسيير بالمدينة، بل بدا مستعجليْن جدا من أجل أن يثبتا للبيضاويين أن الناس يمكنهم أن يتذكروا عهد “البيجيدي” ببعض الحنين، وأن القادم قد يكون أسوأ.
وبدا مثيرا أن عمدة أكبر مدينة في المغرب، نبيلة الرميلي، ومنذ الأيام الأولى لتنصيبها عمدة، بدت مستعجلة جدا فيما يخص اقتناء سيارات جديدة لها ولأعضاء مجلسها، حيث قررت في البداية الاستغناء عن سيارة العمدة السابق، عبد العزيز العماري، عن حزب العدالة والتنمية، وهي سيارة من نوع “AUDI” موديل 2016، واستبدالها بسيارة جديدة من نوع “BMW” بمواصفات حديثة جدا.
ولم يمر قرار الرميلي من دون أن يثير سخرية فاقعة بين البيضاويين، الذين اعتبروا العمدة مهووسة بالسيارات، وبسيارتها على الخصوص، التي ألحت على أن تكون بمواصفات خاصة وسوداء اللون وبمقعد خلفي متميز يتيح لها حرية الحركة.
غير أن “بي إم” السيدة العمدة لم تكن سوى البداية، خصوصا وأن باقي أعضاء الجماعة الحضرية للمدينة الكبرى بحجمها وسكانها ومشاكلها، لن يقبلوا الصمت وهم يرون رئيستهم تمتطي سيارة من هذا النوع، بينما هم يركبون سياراتهم الخاصة أو سيارات موروثة عن عهد البيجيدي، لذلك ثاروا على واقعهم “البئيس” فقررت العمدة الرميلي أن تعقد، من أجلهم، صفقة بقيمة تقارب ثلاثة ملايير ونصف مليار سنتيم من أجل أن تقتني لهم سيارات جديدة وفارهة، على الأقل لكي يتوقفوا عن التطلع إلى سيارتها بحسد.
ومن أجل تحقيق هذا الغرض العاجل والخطير بسرعة، أطلقت جماعة الدار البيضاء، طلب عروض لكراء سيارات منتخبي مجلس المدينة بميزانية تفوق مليار و 100 سنتيم في السنة، بعقد يمتد لثلاث سنوات، أي ما مجموعه ثلاثة ملايير ونصف مليار سنتيم.
ووفقا لطلب العروض الخاص بهذه الصفقة، فإن مدة عقد كراء سيارات مجلس العاصمة الاقتصادية المقدر في 270 سيارة، يمتد لثلاث سنوات وتبدأ في مارس 2022، وتخصص سبع سيارات لكل مقاطعة، والبالغ عددها 16 مقاطعة.
ومن بين أبرز الشروط المتعلقة بطلب عروض اقتناء سيارات جديدة، هو أن تكون السيارات جديدة وفي حالة تقنية جيدة وأن تتوفر على مؤثثات تقنية متطورة ذات جودة عالية. كما اشترط العقد إتاحة جميع المركبات المشمولة بهذا العقد في حالة جديدة للإدارة، مع عدم اقتطاع الأميال، مع فترة ضمان لا تتجاوز ساعتين سيارة بديلة في حالة حدوث أعطال أو أعطال أو توقف الحركة داخل المحيط الحضري الدار البيضاء.
واستغرب أعضاء داخل مجلس البيضاء، كيف لمجلس جماعي، تجاوزت ديونه حدود المغرب لتصل إلى البنك الدولي، يفكر في مثل هذه الصفقات، التي تستنزف خزينة المدينة، مؤكدين أن جماعة العاصمة الاقتصادية مدينة للبنك الدولي بمائتي مليار سنتيم، بعدما وصل إلى الخطوط الحمراء بخصوص ديونه مع صندوق التجهيز الجماعي التابع لوزارة الداخلية.
أما الصدمة الثانية للبيضاويين، فهي موافقة مجلس جهة الدار البيضاء سطات، في دورته العادية لشهر مارس الجاري، التي انعقدت مؤخرا ببنسليمان، على تخصيص 500 مليون سنتيم لإحدى الجمعيات الفنية في إطار اتفاقية تمتد على 5 سنوات بإجمالي 2.5 مليار سنتيم.
الاتفاقية المبرمة بين مجلس الجهة وجمعية أوركسترا الفيلرمونية المغربية، تنص على تخصيص دعم سنوي يبلغ 5 ملايين درهم على امتداد الفترة من 2022 إلى 2026 قابلة للتجديد، مقابل قيام الجمعية بـ”التنشيط الثقافي والموسيقي بالدار البيضاء ونشر الموسيقى الكلاسيكية بالمملكة” وفق ما نصت عليه الاتفاقية المذكورة.
ولا تتضمن الاتفاقية الموقعة من طرف رئيس الجهة عبد اللطيف معزوز، أي تفصيل لمشروع الشراكة، باستثناء تنصيصها على التزام الجمعية بتكوين أساتذة الموسيقى الكلاسيكية” وتقديمها “عرضا موسيقيا عاما كل سنة يكون مجانيا بالدار البيضاء، إضافة إلى “ثلاثة عروض عند الطلب”.
هذه الاتفاقية تركت بدورها ندوبا غائرة لدى البيضاويين لأنها جاءت مباشرة بعد فضيحة سيارات العمدة وحاشيتها، ولأنها تأتي أيضا في عز الأزمة االمتعددة الأوجه التي يعاني منها المغرب في ظل موسم الجفاف وندرة المياه وارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات، وكل هذا على بعد أيام قليلة من شهر رمضان، حيث تعتبر لقمة العيش أولوية الأولويات لدى البيضاويين، بينما العمدة ورئيس الجهة يعقدان الاتفاقيات حول اقتناء السيارات الفارهة وترويج الموسيقى الكلاسيكية. وشر البلية ما يضحك.

