محمد شرايمي
“دارت” أو ما يسمى بـ: القرعة و الجمعية والتعاونية. هي اتفاق عرفي بين مجموعة من الأفراد لجمع مبلغ يكون في الغالب شهريا يساهمون به بالتساوي ليحصل عليه كل واحد منهم بالتناوب لتلبية حاجياته.
تنهل “دارْت” من أشكال التضامن الاجتماعي التقليدي الموغل في التاريخ، إذ أن تاريخ المغرب مليء بمثل هذه المظاهر: التويزة- النوبة- الغرامة- لوزيعة. وتنهل من الواقع المعيش باختلاف وتنوع متطلباته.
فهي مستمدة من ثقافة المجتمع المغربي المفعم بالشعور الميال إلى التآخي والود لتحقيق الوفاق والتكيف مع الأشكال التضامنية العصرية .
فهي اذن شكل مستحدث لا تقليدية ولا عصرية للتكيف مع التحولات الاجتماعية، توافقية تتجنب نواهي الدين من جهة، وإكراهات فوائد المؤسسات البنكية من جهة أخرى.
انتشرت داخل المجتمع على نطاق واسع خلال العشرين سنة الماضية.
تشمل “دارت” جميع الفئات الاجتماعية، اناثا وذكورا، عزابا ومتزوجين، شبابا ومسنون، فقراء وأغنياء، عاطلون ومشتغلون.. وبعدد غير محدود من الأفراد المشاركين فيها.
يتحكم فيا مبلغ مشاركة أعضاء المجموعة وقدرتهم على تسديد المبلغ في الموعد المتفق حوله. وقد يبدأ الاشتراك ب 50 درهما أو اقل وقد يتعدى ذلك 5000 درهم.
وقد يشارك الواحد من المجموعة بحصتين، كما يمكن ان يشارك اثنان (غالبا ما يكون واحدا منهما خفيا) بحصة واحدة كأن تشارك فيها الزوجة مع النساء نيابة عن زوجها.
ارتبطت في جزء كبير منها بالمرأة وخاصة عندما خرجت للعمل وأصبحت تساهم في الاقتصاد المنزلي.
نجدها حيثما تتقوى العلاقات الاجتماعية: القرابة، الزمالة، الصداقة، أي بين الأقارب وبين نساء الحي وبين موظفي الإدارة الواحدة…
قوامها الثقة والأمانة بين أفراد المجموعة ودون خوف أوشك، إنها الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العلاقات فيما بين المشاركين.
فهي بنك الناس. يوضع المبلغ عند شخص واحد يكون محل ثقة عند غالبية أعضاء المجموعة، ويتحمل فيها مسؤولية كبيرة في تحصيلها كل شهر وتخزينها ليقدم المبلغ مجتمعا لمن تم التوافق بشأنه.
فتدبيرها يتطلب نوعا من التواصل والمسؤولية والالتزام.
فهي تخضع للتفاوض والتراضي من حيث التناوب للحصول عليها. ويحتدم النقاش عادة حول البادئ المستفيد منها الذي يحاول إقناع المجموعة بدواعي حاجته لها.
يلتجئ إليها غالبا محدودو الدخل لقضاء بعض الأغراض: التطبيب- تغطية تكاليف الزواج أو العقيقة- تجهيزات وإصلاحات منزلية، مدفوعات شراء منزل، اقتناء الأدوات المدرسية،أوقد تذهب نحو الادخار، وغيرها.
لا يجد المشاركون في “دارْت” حرجا سواء أخفوها أو جهروا بها.
فهي عملية اقتصادية واجتماعية في نفس الآن. يمثل الجانب الأول المبلغ من النقود الذي يساهم به كل مشارك، فيما يمثل الجانب الثاني الثقة التي يضعونها فيما بينهم.
ويتداخل فيها الديني والاجتماعي والاقتصادي. يعتقد في بركتها، وتجنب الربا، وتبعات جشع الأبناك نظرا لارتفاع نسبة الفائدة، وهي حافز على التوفير، تتقوى فيها العلاقات الاجتماعية من خلال زرع الثقة لجني مصلحة مبنية على التضامن ومتساوية بين المشاركين.
ف”دارْت” أسلوب ومحاولة للتفوق الاجتماعي للتخلص من قيود الديني والاقتصادي.
كما أنها تتميز بضعف المغامرة وبهامش ضئيل للخسارة.غير أن من بين صعوبات “دارت” هي: أنها قد تكون وسيلة نصب واحتيال، أو عندما يتوقف عضو من بين أعضائها عن تسديد اشتراكه لسبب من الأسباب، كفقدانه لعمله أو وفاته، وقد يتعقد ذلك عندما يتعلق الأمر بالمسؤول عنها.
وعليه، فإنه يمكن التفكير في صيغة مبتكرة لتطويرها للتقليل من صعوباتها دون المساس بالأسس التي بنيت عليها.
- أستاذ علم الاجتماع بجامعة عبد المالك السعدي – تطوان

