المساء اليوم – متابعة:
بعد فتور دام سنوات جمع الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون في الجزائر العاصمة الثلاثاء الماضي نظيره الفلسطيني محمود عبّاس برئيس حركة “حماس” إسماعيل هنيّة في لقاء “مصالحة” وصفه مؤيدو النظام الجزائري بـ”التاريخي” فيما رأت أوساط دبلوماسية عربية أنه لقاء “مصالحة للدعاية بلا معنى”.
وكان التلفزيون الجزائري قد بثّ، على هامش الاحتفالات بالذكرى الـ60 لاستقلال الجزائر، مشاهد يظهر فيها عباس وهنية وبقية المسؤولين في جلسة واحدة يتوسطهم تبون في قصر المؤتمرات غرب العاصمة الجزائر، لكن تقارير أوضحت أن عباس وهنية لم يلتقيا على انفراد وأنه لم تكن هناك خطط لذلك أصلا، وبالتالي فإن المصالحة كانت مشهداً رتبه الجزائريون وتقبله الطرفان الفلسطينيان على مضض.
مراقون يرون أن الجزائر، التي ظلت لسنوات بعيدة عن تفاصيل القضية الفلسطينية، تسعى لاستغلال الملف في إطار مصلحة ضيقة من أجل الدفع بنفوذها في المنطقة، خاصة وأنها تعيش في الفترة الأخيرة حالة من العزلة الإقليمية بسبب قطع العلاقات مع المغرب والتوتر مع إسبانيا ومد وجزر مع تونس، واصفين وساطتها بين الفرقاء الفلسطينيين بـ”الاستعراضية” هدفها الوحيد والأساس هو “التحرش” بالمغرب.
فحكومة تبون تبعث برسالة لمن تسميها “الجارة الغربية”، المملكة المغربية، مُلخصها أنها الحامي الوحيد الذي بقي للفلسطينيين في مواجهة التطبيع الآتي من الشرق والغرب، وفق مرافقين، وإن كانت وساطات حكومة تبون الأخيرة كلها قد مُنيت بالفشل، كما هو حال وساطاتها في ملف سد النهضة، وكذلك في ملف الأزمة التونسية من خلال استقبال تبون للأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي.
من أولى بوادر فشل وساطتها في ملف الفرقاء الفلسطنيين، حسب مراقبين، هو أن السلطة الفلسطينية قبلت بوجود هنية ضمن وفد محمود عباس وليس ممثلاً مستقلاً، لحضور اللقاء، فيما اكتفت حماس بتصريح مقتضب بأنه “لقاء أخوي”، فـ”حرب التمثيل” هي المعركة القديمة- الجديدة بين حركتي فتح وحماس، وطالما أثارت الكثير من الاحتجاجات وتسببت بالمزيد من الانقسام في الصف الفلسطيني.
وتطرح الجزائر الملف الفلسطيني كواحد من المفاتيح الأساسية للقمة العربية المُرتقب انعقادها مطلع نونبر القادم بالعاصمة الجزائرية، في مسعى لتكرار الإنجاز التاريخي الذي حققته في 1988، حين تم الإعلان عن قيام دولة فلسطين من الأراضي الجزائرية.
محللون يروون أن ملف المصالحة الوطنية الفلسطينية، يحتاج إلى “نقاش جزائري مصري”، خصوصا في أعقاب الخطوة التي أعلنتها الجزائر بشأن احتضانها ندوة جامعة للفصائل الفلسطينية قبل انعقاد القمة العربية، وهي خطوة وإن قوبلت بترحاب فلسطيني كبير، إلاَّ أن “أطرافا عربية نظرت إليها بعين الريبة، خاصة مصر التي تنفرد منذ فترة بملف العلاقات بين الفصائل الفلسطينية”.
فالرغبة الجزائرية بـ”اقتحام الملف الفلسطيني”، وفق متابعين، يصطدم بإنزعاج القاهرة “المالكة لحصرية الشأن الفلسطيني”، وذلك رغم تأكيد وزير الخارجية رمطان لعمامرة، مراراً، أن “الجهود الجزائرية لتوحيد الصف الفلسطيني هي مكملة للدور المصري، ولن تكون بديلا أو منافسا له”.
ويبقى الدافع الرئيسي وراء قرارات الجزائر الأخيرة، وفق دبلوماسيين عرب وغربيين، هو التطورات المُتلاحقة والمُتغيرة التي يعرفها المحيط الإقليمي والدولي في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى العزلة الإقليمية والتحدي الوجودي الذي تواجهه النخبة الحاكمة بسبب استمرار غليان الشارع الجزائري.
وبالتالي فإن حكومة تبون تستخدم كل أوراقها الاستراتيجية لفك عزلتها بتشتيت انتباه الرأي العام الجزائري وتعبئته ضد “عدو” أجنبي مشترك، كما هو الحال في صراعها مع النجاحات الدبلوماسية للمغرب، وسعياً أيضاً لبسط هيمنتها بلا منازع في شمال إفريقيا، الأمر الذي يستلزم وصولاً غير مقيد إلى المحيط الأطلسي في جنوب المغرب، ووجودًا وازنا في الجغرافيا السياسية الإفريقية والعربية.

