المساء اليوم – ح. اعديّل:
على بعد أيام قليلة من الانتخابات العامة المقررة في الثامن من شتنبر المقبل، تستقطب المدن المغربية الكبرى الاهتمام أكثر من غيرها، باعتبارها تشكل أساس رسم الخرائط الانتخابية والحكومية، بالنظر إلى أعداد المرشحين والناخبين والمقاعد المتبارى بشأنها.
المدينة المحرار
ومثل كل انتخابات عامة في البلاد، تتبوأ الدار البيضاء مركز الصدارة في أعداد الناخبين والمرشحين، على اعتبارها المدينة الأكبر ديمغرافيا والأقوى اقتصاديا، والأكثر تعقيدا سياسيا وحزبيا.
وعادة ما تعتبر الدار البيضاء محرارا سياسيا وانتخابيا لعموم المغرب، حيث أن الخارطة الانتخابية التي تفرزها هذه المدينة تعتبر مقياسا لباقي خرائط المدن المغربية، رغم الاختلافات الكثيرة في التفاصيل وفي التحالفات الحزبية والسياسية.
وتضم الدار البيضاء أكبر نسبة من اللوائح الوطنية في الانتخابات، بما يقارب 300 لائحة، فيما يفوق عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية الأربعة ملايين، وهي أصوات تعتبر خزانا انتخابيا حقيقيا تتصارع من أجله أحزاب عريقة عادة ما كانت تعتبر هذه المدينة معقلها الانتخابي والسياسي.
منافسة ثلاثية
وخلال الانتخابات السابقة قبل خمس سنوات، شهدت الدار البيضاء منافسة شرسة بين ثلاثة أحزاب كبرى، هي حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب العدالة والتنمية، وحزب الاستقلال، وهو الصراع الذي انتهى بحصول العدالة والتنمية، ذو التوجهات الدينية، على منصب عمدية المدينة ورئاسة الجهة، كما حصل على أغلبية الأصوات في باقي المدن المغربية الكبرى.
غير أن الخارطة الانتخابية الحالية ستكون مختلفة إلى حد ما. فقد تراجع كثيرا حزب الأصالة والمعاصرة مع رحيل رجاله الأقوياء، آخرهم إلياس العماري، الذي كان يعتبر العراب القوي للحزب، والذي قاده إلى الحصول على المرتبة الثانية في الانتخابات السابقة بعد العدالة والتنمية، بما يزيد عن مائة مقعد في البرلمان.
ويبدو حزب الأصالة والمعاصرة حاليا مختلفا، إلى حد ما، في عهد رئيسه الجديد، المحامي عبد اللطيف وهبي، الذي يطمح إلى الإبقاء على نقاط قوة الحزب، لكنه لا يطمح إلى الحفاظ بالكامل على قوته السابقة.
أما حزب العدالة والتنمية فمن المتوقع أن يتلقى تصويتا عقابيا مكثفا في الدار البيضاء، على غرار باقي المدن المغربية الكبرى، بعد عشر سنوات في السلطة، تعرض خلالها لوابل من الانتقادات، بفعل اتهامات بمهادنته الفساد وتمرير قرارات لا شعبية أثرت بشكل واضح على فئة عريضة من الطبقات الاجتماعية الهشة.
بدوره فإن حزب الاستقلال، في عهد زعيمه الحالي، نزار بركة، يطمح إلى أن يستعيد بعض معاقله في أكبر مدينة مغربية، وهي مهمة لا تبدو سهلة، على اعتبار أن هذا الحزب صار يركز بشكل أكبر على البوادي والمدن الصغرى، كما أن قادته غالبا ما يترشحون في مناطق تعتبر، إلى حد ما، هامشية، مثلما فعل زعيم الحزب الذي ترشح في مدينة العرائش.
الحصان الأسود
ويبدو أن اللاعب الجديد في الخارطة الانتخابية بالدار البيضاء هو حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يعتبره الكثيرون “الحصان الأسود” للانتخابات المقبلة، على اعتبار أنه الحزب الأكثر حضورا من حيث عدد المرشحين في المدينة، وفي المغرب أيضا.
كما أن حزب التجمع أصبح يعتبر بديلا قبل الأوان لقيادة الحكومة المقبلة، بقيادة زعيمه الجديد، عزيز أخنوش، الذي يثير باستمرار جدلا بين المغاربة، بين من يرى فيه سياسيا جديدا سيخوض تجربة مختلفة في حال قيادته للحكومة، وبين من يعتبره سياسيا محظوظا ولد وفي فمه ملعقتين من ذهب، ملعقة اقتصادية وملعقة سياسية.
اليسار يفقد البوصلة
ويبدو أن الخاسر الأكبر في الدار البيضاء سيكون، مرة أخرى، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي كان، على مدى عقود، يعتبر هذه المدينة قلعته الكبرى، وحصل فيها باستمرار على نتائج مبهرة.
كما أن الدار البيضاء كانت دوما حاضنة لقوى اليسار المغربي، باعتبارها مدينة عمالية حضنت أكبر وأشرس النقابات، وحضنت المدينة أيضا أبرز السياسيين والنقابيين اليساريين، الذين تواروا إلى الظل حاليا، أو فارقوا الحياة.
الدار البيضاء حاليا تبدو مختلفة كثيرا عما كانته في الماضي سياسيا ونقابيا، حيث فقد اليسار بوصلته في المدينة التي “تبلقنت” سياسيا إلى حد كبير، وأصبح من الصعب التكهن بالأحزاب الفائزة فيها خلال الانتخابات المقبلة.

