المساء اليوم – متابعة:
كان الهاجس الدبلوماسي حاضرا بقوة في توازنات التعديل الحكومي الذي شهدته الجزائر أمس الخميس، فاستدعاء الدبلوماسي المتقاعد والسياسي المعارض أحمد عطاف لشغل منصب وزير الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، خلفا لرمطان لعمامرة، الذي اختفى منذ أسابيع عن الأنظار، اعتُبر بمثابة عودة الجزائر إلى الماضي، و”أن التغيير لم يراعي التطورات النوعية التي شهدها العالم ومنطقة شمال أفريقيا والتي تفرض على البلاد أن تتغير”، وفق مراقبين.
كما أن استقدام تبون للقانوني والدبلوماسي نذير العرباوي الذي شغل منصب ممثل الجزائر لدى الجامعة العربية، ثم الأمم المتحدة، لشغل منصب مدير ديوان الرئاسة، خلفا للمدير السابق عبدالعزيز خلف الذي عين في منصب مستشار في الرئاسة برتبة وزير، تم تفسيره بأن “تبون كانت تحجب عنه معطيات معينة في الشأن الدبلوماسي، ما جعله يُعين واحدا من الدبلوماسيين المخضرمين في أقرب منصب له، ليكون عينه على مختلف الملفات والمسائل التي تهم البلاد”.
تغييرات تحمل “حنين” الرئيس الجزائري إلى الماضي وتركيزه على “قضايا الذاكرة أكثر من الاهتمام بالواقع”، وفق متابعين، “فهو يريد أن يعود بالجزائر إلى وضع الستينات والسبعينات من دون مراعاة التطورات النوعية التي شهدها العالم ومنطقة شمال أفريقيا، وهي تطورات تفرض على الجزائر أن تتغير بدل أن تعود إلى الماضي، من خلال الاستعانة برجل من الحرس القديم والعودة إلى الدبلوماسية الجزائرية القديمة، “أي قبل التراجع الواضح الذي شهدته الجزائر في علاقاتها الخارجية، وخاصة خسائرها في ملف الصحراء وبوليساريو في مقابل مكاسب كثيرة للمغرب، الذي نجح في تحقيق اختراقات نوعية في الغرب وفي أفريقيا، بمن في ذلك الذين كانوا محسوبين كأصدقاء للجزائر”.
فعطاف الذي تقاعد عن مهامه بعد الدخول في خلافات مع الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، اكتفى بالانخراط في العمل السياسي المعارض للسلطة، وكان أحد قياديي حزب طلائع الحريات الذي أسسه السياسي المخضرم السابق علي بن فليس عام 2015، كما يُعرف وزير الخارجية الحالي، بمواقفه “الراديكالية” تجاه التيارات السياسية والأيديولوجية التي كانت تطالب بالحوار والحلول السياسية للأزمة الدموية في تسعينات القرن الماضي، لاسيما الموقعين على ما يعرف بـ”ميثاق سانت إيجيديو” المبرم في روما الإيطالية عام 1995، من طرف حركات سياسية وشخصيات مستقلة جزائرية لوقف حمام الدم.
ولم يكن عطاف مطروحا بأي شكل من الأشكال للعودة إلى رئاسة الدبلوماسية الجزائرية خلفاً للعمامرة الذي غاب عن المشهد تاركا وراءه تأويلات مُتضاربة حول الأسباب والخلفيات التي عطلت التواصل بين تبون والرجل الأول في وزارة الخارجية، فقائمة المرشحين للخارجية شملت العديد من الأسماء، على غرار عمار بلاني، الذي استخلف لعمامرة، خلال الأسابيع الأخيرة بشكل غير رسمي، فضلا عن الوزير السابق والدبلوماسي الحالي صبري بوقادوم.
مصادر قالت إن اللافت في التعديل الحكومي، المُعلن عنه مساء الخميس من طرف الناطق الرسمي باسم الرئاسة سمير عقون، هو حذف شعار التعاون الدولي من وزارة الخارجية، الأمر الذي يعزز فرضية تقول بأن “مصدر الخلاف بين تبون ولعمامرة هو الغلاف المالي الذي أعلن عنه رئيس الوزراء أيمن بن عبدالرحمن، بمناسبة انعقاد قمة قادة ورؤساء الدول الأفريقية، كاستثمارات لبلاده في القارة السمراء والمقدر بمليار دولار”.
وتُضيف “الإعلان عن الخطوة من طرف الجزائر شجع مسؤولين أفارقة على تكثيف اتصالاتهم مع لعمامرة بغية الاستفادة من استثمارات الغلاف المالي، غير أن وضع الغلاف تحت وصاية الوكالة الوطنية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية، التابعة لرئاسة الجمهورية، أوقع لعمامرة في حرج تجاه نظرائه الأفارقة، لأنه لا يستطيع التصرف في مِلك مُوجه إلى مهام خارجية بعدما تفردت به الوكالة التي استحدثت عام 2020″، ما أجج الخلاف بين تبون ولعمامرة.
فيما تبقى باقي التعديلات الوزارية في إطار “غضب تبون عن عدد قليل من الوزراء”، كما هو الشأن بالنسبة إلى وزراء التجارة والداخلية والصناعة والشباب والرياضة، والذين كانوا محل غضب شعبي شديد، خاصة فيما يتعلق بندرة المواد الاستهلاكية وارتفاع الأسعار، واللغط الذي أثير حول ملف السيارات والمنشآت الرياضية المنجزة مؤخرا.

