المساء اليوم – طنجة:
في الوقت الذي تعرضت فيه أراضي كثيرة بطنجة للنهب من طرف شبكات منظمة، فإن هناك ما يشبه التواطؤ من طرف جهات كثيرة، خصوصا وأن الكثير من عمليات للنهب تمت بناء على ما يفترض “أخطاء” إدارية فادحة.
وفي منطقة بني مكادة بطنجة، وهي أكبر جماعة بالمغرب، حدثت الكثير من الخروقات الإدارية، في مجال نسخ العقود التي تتأسس عليها الرسوم العقارية وتم التحفيظ بها وتطهيرها قانونيا، حيث يتم نسخها مرة ثانية من كناش الأملاك الخاص بالعدول للترامي على أراضي غير محفظة.
ومكنت هذه العمليات المافيوزية عدة شبكات من السطو على أراضي شاسعة، وتحول هؤلاء النهايون واللصوص إلى أغنياء حرب حقيقيين، حيث جمعوا الملايير من وراء هذه العمليات، وفيها كلها كانوا يحظون بحماية غير مفهومة ويجب التحقيق حولها وفي طبيعة الجهات التي تحمي هؤلاء.
ويعتبر المشكل الحقيقي في كون المحافظة العقارية في بني مكادة لا تبحث عن أصول التملك عندما تتوصل بوثائق تحفيظ أراضي أو منازل، وهو ما يتسبب في تحول الكثير من الأراضي من أصحابها الأصليين إلى شبكات النهب، التي لا تزال تمارس هذه العمليات بكثير من الثقة في النفس.
وبهذه الطريقة تم السطو على على مساحات شاسعة من الأراضي وإقامة تجزئات عشوائية فوقها، وهو السبب الذي جعل هذه المنطقة نموذجا الفوضى العقارية في المغرب كله، حيث تتحول الشوارع الفسيحة والأزقة العريضة الموجودة في تصاميم التهيئة إلى مجرد ممرات ضيقة يختلط فيها البشر مع السيارات والعربات والحيوانات، وكل هذا في مدينة يطلق عليها اسم “طنجة الكبرى”.
ويتم طرح تساؤل وجيه، وخطير في نفس الوقت، وهو كيف لا ينتبه المحافظ لوثيقة أصل التملك الأول الذي تم التحفيظ به سابقا، لأن “عدم الانتباه” هذا هو الذي فسح المجال واسعا لمافيا العقار للاستيلاء على أراض غير محفظة محفظة وبنفس العقود، رغم الكثير من التعرضات الموجهة إلى المحافظة العقارية من طرف المتضررين.
ولنا أن نتصور كيف أن أصحاب الأرض الأصليين، وهم في الغالب بسطاء وفقراء أو مهاجرين بالخارج، يكتشفون الاستيلاء على ممتلكاتهم من طرف هذه الشبكات المافيوزية، وفي أحسن الأحوال يلجؤون إلى القضاء، فيظلون يدورون في حلقة مفرغة لسنوات طويلة قبل أن يعلنوا استسلامهم ويفوضون أمرهم إلى الله.
وأخطر ما في الأمر هو أن هذه الشبكات التي تقوم بنسخ العقود لنهب الأراضي انطلاقا من كناش الأملاك تتباهى بنفسها وقوتها، وهو ما يطرح أكثر من تساؤل حول أسرار هذه القوة والنفوذ، في الوقت الذي لا يبدو أنهم مهتمين بهذه الحملة ضد الفساد والمفسدين، والتي تشمل عددا من المدن المغربية، ومن الأكيد أنها ستصل طنجة في القريب العاجل.
وما يزيد هذا الملف إثارة هو أن الشبكات الموجودة في منطقة بني مكادة معروفة جدا ولها ارتباطات مشبوهة بعدد من الجهات والأطراف، من بينها إدارات وأحزاب سياسية وجمعيات مدنية وغير ذلك.
إن ما يجري في هذه المنطقة خطير للغاية وينبغي فتح تحقيق جدي وعاجل حوله، خصوصا وأن عددا من رؤوس هذه الشبكات لم يكونوا يملكون قوت يومهم قبل بضع سنوات، واليوم صاروا يمتلكون الملايير، مثلما هو الحال لشخص كان يبيع الصوصيص والسمك في الأسواق الأسبوعية، واليوم يتوفر على عشرات التجزئات، تقارب المائة، خصوصا في منطقة الكنبورية.
وهناك أراضي أخرى كانت موهوبة لإقامة مقابر، فاستولت عليها هذه الشبكات، أو في أقل الأحوال يتم تقسيمها إلى جزأين، عبر طريق فاصل يتم إحداثه لغرض النهب، وهو ما حدث لمقبرة “السعدية” في منطقة الكرزيانة والمرس أشناد، التي تم الاستيلاء على أكثر من نصفها من طرف هذه المافيا، ونهبوا الجزء الأكبر منها لإقامة تجزئات عشوائية، وتركوا ما يشبه الخندق لإقامة مقبرة، ويمكن لوزارة الأوقاف في طنجة أن تفتح تحقيقا عاجلا في هذا الموضوع.
وبجوار هذه المقبرة، توجد قطعة أرضية أخرى، تم وهبها من طرف محسنين للمساجد التابعة للأحباس، وخلال مرحلة “الحراك العربي” تم الإجهاز عليها بالكامل.
والمثير أنه عوض تقديم المتورطين في نهب أرض المقبرة إلى العدالة، فإنه تم تقديم المدافعين عن أرض المقبرة إلى القضاء، بينما بقي أفراد الشبكة طلقاء.
وهناك عدد من الشكايات لدى النيابة العامة، أغلبها متعلق بمعضلة أصل التملك للعقار المحفظ، مع وسائل تزويرية وتدليسية كثيرة، لكن رغم هذه الشكليات فإن هذه الشبكات الإجرامية تعتقد أن صولة القانون لن تصلها.
ولم تستثن هذه الشبكات أراضي اليهود المغاربة من النهب، مثلما حدث في منطقة “الزويتنة” المجاورة لمنطقة الكرزيانة، كما نهبت الأراضي غير الصالحة للبناء أصلا مثل الوديان والخنادق ومجاري المياه وحولتها إلى تجزئات عشوائية، وهو ما جعل هذه المناطق تتعرض لكوارث حقيقية في المواسم الممطرة.
وفي حلقات مقبلة سنعود إلى تفاصيل أكثر، حول هذه الشبكات الخطيرة التي صارت تعتقد أنها فوق القانون في مدينة اسمها طنجة، التي يهتم مسؤولوها بتنميق وتزويق منطقة الكورنيش، بينما طنجة العميقة غارقة في الفوضى والنهب والتواطؤ بمختلف الأشكال.

