المساء اليوم:
يتفق العديد من خبراء الأمراض المعدية وعلم الأوبئة على أن شتاء 2022، سيشهد طفرة في انتشار حالات كورونا بين الناس، لكنهم في المقابل، يختلفون حول مدى ما قد يستدعيه الأمر من اتخاذ إجراءات قوية من قبل الحكومات مرة أخرى.
العديد من الدول رفعت تدابير الإغلاقات خلال فصل الصيف مع توسيع عمليات التطعيم بشكل واسع، مما منح العالم قدرًا لا بأس به من التفاؤل، لكن ظهور بعض المتحورات من الفيروس مثل متحور “دلتا”، والحديث عن المتحور الجديد “مو”، يثير القلق من عودة انتشار الفيروس، مع اقتراب فصل الشتاء.
أحد الأبحاث الأميركية المنشورة في شهر مارس 2021، توقعت أننا بصدد الذهاب إلى موجة زيادة أخرى في معدل انتشار كورونا. فخبراء “معهد القياسات الصحية والتقييم” في جامعة واشنطن الأميركية لا يزالون متمسكين بهذا التوجه، على الرغم من الزيادة السريعة في اللقاحات بالولايات المتحدة وفي دول عديدة حول العالم.
واستند الخبراء في هذا الطرح بشكل جزئي على ما يرونه “موسمية فيروس كورونا” مثل فيروس الإنفلونزا الموسمية التي يزداد الإصابة بها بشكل كبير خلال الشتاء. فبينما سيستمر انخفاض حالات الإصابة والوفيات خلال الصيف، فإن معدل الإصابة سيرتفع مرة أخرى في الخريف، وقد يرتفع بشكل كبير بحلول الشتاء، على حسب تقديراتهم.
أما عن مستوى الوفيات، فإن عدد الوفيات الناجمة عن انتشار فيروس كورونا سيعتمد بشكل أساسي على عاملين: العامل الأول هو مستوى التطعيمات التي سيصل إليها العالم بحلول ذلك الوقت. والعامل الثاني هو انتشار المتحورات الجديدة مع دخول فصل الشتاء.
بالنسبة لأي دولة على حدة، فمنع عودة انتشار كورونا بشكل وبائي، يحتاج إلى تطعيم 80 – 85% من السكان بحلول نهاية العام. والأمر ذاته ينطبق على وقف انتشار العدوى بشكل وبائي في جميع أنحاء العالم، إذ سنحتاج إلى تطعيم النسبة نفسها من سكان العالم.
وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، هناك أربع دول فقط تمكنت من تخطي حاجز الـ 80% في عملية التلقيح، وهي: جبل طارق (99%) ومالطا (83%) والإمارات (80%) والبرتغال (80%). أما بالنسبة للعالم، فإنه جرى تلقيح ما نسبته 30.4% فقط من إجمالي سكان العالم بشكل كامل.
لذلك حتى في أفضل السيناريوهات لدينا، فربما نصل إلى 50% أو 60% فقط من إجمالي سكان العالم، وهو ما يجعل الوصول إلى النسبة المطلوبة قبل الشتاء أمرًا مستبعدًا. ربما تكون بعض دول أوروبا على الطريق الصحيح، لكن هناك دول أوروبية عدة لم تتجاوز فيها نسبة التلقيح 70% من السكان مثل بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا وغيرها، مما يجعل الأمور في القارة الأوروبية على المحك. الأمر ذاته ينطبق على الولايات المتحدة التي وصلت إلى 55% فقط حتى الآن.
أما في الدول العربية، فإذا استبعدنا الإمارات وقطر والبحرين وإلى حد ما السعودية (49% من السكان جرى تلقيحه)، والمغرب (45%)، فإن غالبية الدول العربية متراجعة بشدة في معدلات التطعيم بشكل يجعلها مهددة لموجة كبيرة من انتشار الفيروس. فمصر والعراق لم تلقح سوى 5% من السكان، والجزائر 10%، وسوريا لم تصل إلى 1.5%.
أضف إلى هذا أنه بسبب ضعف المناعة التي يقدمها اللقاح (لا تدوم المناعة إلا لأشهر أو أقل من عام)، من المحتمل أن يحتاج الأشخاص الذين تلقوا التطعيم بين دجنبر وفبراير 2021 إلى جرعة معززة قبل الشتاء، وهو ما اتبعته بعض الدول لكن لا تزال النسب منخفضة كثيرًا.
ويرى خبراء آخرون أن عمليات التلقيح الحالية، يمكنها أن توقف الكثير من خطورة الفيروس وانتشاره بحلول الشتاء القادم. فانخفاض عدد الحالات المصابة تدريجيًا هذا الصيف حول العالم، يؤشر إلى أن عودة انتشار الفيروس في الشتاء ربما لن تكون بقوة الشتاء الماضي نفسها.
ويتوقع البعض أنه، حتى لو شهدنا زيادة كبيرة هذا الشتاء، فلن نشهد ارتفاعًا كبيرًا في حالات دخول المستشفى أو الوفيات كما رأينا في الشتاء الماضي. وسيظل ارتداء الأقنعة والتباعد الاجتماعي هو الهدف الأساسي لأي إجراءات جديدة، لأن كلا الأمرين يعد عاملًا حاسمًا نحو خفض معدل الإصابات.
فيما تثير المتحورات التي يمكن أن تظهر نتيجة انتشار فيروس كورونا في مناطق واسعة من العالم الكثير من القلق، خصوصًا في دول العالم النامي، والتي تشهد بطئًا شديدًا في تقديم التطعيم للسكان، هو أعظم ما تخشاه الدول المتقدمة التي تلقى جزء كبير من سكانها التلقيح.
فاستمرار انتشار الفيروس في مناطق عديدة حول العالم يمكن أن يشكل المزيد من المتحورات التي ستنتقل إلى هذه الدول من جديد، خصوصًا مع تقليل إجراءات الحظر وقيود السفر بين الدول، ما يمكن أن يعيدنا إلى وضع مشابه أو أسوأ من انتشار متحور “دلتا” في الهند.

