المساء اليوم – ع. الدامون:
ربما لم يحدث لفرنسا أن وجدت نفسها يوما في مثل هذه الوضعية التي تثير الكثير من التساؤلات حول مدى قدرة رئيسها على إدارة الكثير من الأزمات الداخلية والخارجية، أبرزها هذه الأزمة، التي لم تعد صامتة، مع المغرب.
ومنذ وصول إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه الباريسي، بدا أن هذا الرجل يختلف كثيرا عن قادة فرنسا السابقين، وربما حتى اللاحقين، فعدد الإهانات التي تلقاها ماكرون داخل فرنسا وخارجها تصعب على العد، بما فيها صفعات مواطنيه.
وحتى في عدد من بلدان إفريقيا، التي تعتبرها فرنسا محميات طبيعية أكثر مما هي محميات سياسية، تلقى ماكرون الكثير من الإهانات، ولم يعد الرؤساء الأفارقة يبلعون ألسنتهم وهم يسمعون “ماما فرنسا” تتكلم، بل أصبحوا يطبقون نظرية “العين بالعين”. وكلما دق ماكرون الباب، إلا وسمع الجواب.
وفي النيجر، وقبلها بوركينا فاسو ومالي وغيرها، صارت فرنسا مجرد لص هارب في منتصف الليل، وصار الأفارقة يرفعون صور بوتين والعلم الروسي لكي يغيظوا باريس.. لقد انتهى فعلا شهر العسل الفرنسي الإفريقي، وهو كان شهر عسل من جانب واحد فقط، أي أن فرنسا فقط هي من تلتهم العسل وتلحس الجرة.. وليس في كل مرة تسلم الجرة!
في كل هذا يهمنا ما يجري حاليا بين المغرب وفرنسا من توتر قد يكون غير مسبوق، اللهم تلك الأيام البعيدة زمن الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، حين كانت العلاقات المغربية الفرنسية مثل مياه مولاي يعقوب.. لكن شتان ما بين داهية مثل ميتران وبين رئيس يهذي.
اليوم يبدو ماكرون وكأنه سياسي هاو يجرب النظريات التي قرأها في كتب الابتدائي، وهو ما يجعله يقترف الخطأ تلو الخطأ، ويضرب عصفورا واحدا بأكثر من حجر، ومن الأكيد أن الفرنسيين الذين انتخبوه لفترتين متتاليتين يتساءلون اليوم عن جدوى الديمقراطية!
التوتر بين الرباط وباريس ابتدأ قبل زلزال الحوز بزمن طويل، وأكيد أن الإعلام الفرنسي لم يرق قلبه لضحايا الزلزال فكتب ما كتب، فهذا الإعلام يرق قلبه أكثر لضحايا الصفقات التي فقدتها فرنسا لصالح الصين وروسيا وإنجلترا وإسبانيا في المغرب، مثل القطار السريع بين الدار البيضاء وأكادير والمحطة النووية المغربية والطاقة الهيدروجينية عبر المحيط وصفقات أخرى، أما الباقي فمجرد تفاصيل يعشق الإعلام الفرنسي أن يجعل منها مسمار جحا، فتسيل دموع باريس كما تسيل دموع أي تمساح بعد التهام الفريسة.. أو أسفا عليها.
لن ننزه المغرب عما اقترفه من أخطاء قبل وأثناء وبعد الزلزال، لأن هبة التضامن وسيل المساعدات لا تخفي الشمس بالغربال، وهي أننا لم نكن ندرك هول أن يعيش إخوة لنا في الوطن في كل هذه العزلة القاسية وكل هذا البؤس المخيف، حتى استفقنا ذات ليلة على زلزالين، زلزال طبيعي وزلزال نفسي.. فأما الزلزال الطبيعي فمقدور عليه، وأما الزلزال النفسي فيتطلب وقتا طويلا لشفائه عبر بناء وطن واحد لا مكان فيه لكل هذا التفاوت الطبقي الفظيع.. بل والمقرف.
عموما.. الزلزال قضية مغربية.. وعلى ماكرون أن “يعطينا التيساع” قليلا حتى نحل مشاكلنا فيما بيننا..!

