المساء اليوم - ع. الدامون لا أحد كان يتوقع أن تكون نتائج مؤتمر حزب العدالة والتنمية غير ما تمت به، ففي النهاية فإن بنكيران هو "مُول الحزب" والممسك بمفاتيحه، بل أكثر من ذلك، هو المكلف، مرة أخرى، بإعادة ترميم بنيانه بعد أن أصابه من الوهن ما لا يحتمل. صوت مؤتمرو العدالة والتنمية بأغلبية مطلقة لبنكيران وأعطوه 70 في المائة من نسبة التصويت، وهذا يعني أنه تم منحه شيكا على بياض لكي يعيد الحزب لسكة المنافسة السياسية الانتخابية التي تبدو وشيكة جدا. ومنذ تأسيس الحزب، ومع مختلف الأسماء والتسميات التي حملها إلى الآن، يبدو بنكيران أنه السوبرمان الذي يستطيع ما لايستطيعه غيره، ولم لا وهو الذي أخرج الحزب من السرية إلى العلن، ومن شرعية "الجماعة الإسلامية" إلى أسماء أكثر رحابة وأقل شبهة، ومن المشاركة الرمزية إلى الأغلبية شبه المطلقة. اليوم، يبدو الحزب وكأنه خرج من نكسة انتخابات 2016 بعزيمة أقوى، لكي يبحث له مجددا عن شمس تحت سماء السياسة المغربية المتقلبة، التي لا تحكمها صناديق الاقتراع، بقدر ما تحكمها صناديق من نوع آخر. وخلال مسيرته السياسية الطويلة، نسبيا، أبان بنكيران أنه الحكيم والمجنون في آن، وأنه "يكوي ويبخ" في الوقت نفسه، وأنه يتقن التزلف للجهات للعليا بقدر ما يتقن الصدام والتهديد المغلف، ويقول الكلام ونقيضه من دون أن تلتوي عظمة لسانه، ويلعن حركة 20 فبراير ويستعمل ورقتها في التلويح بنبوءات غامضة، أو حتى حين يطلق قهقهته المثيرة حين يقف "حماره في العقبة". مرة أخرى، سيقود بنكيران حزبه نحو "انتخابات المونديال"، التي ستنتج حكومة المونديال وسيصوت في الانتخابات شعب المونديال، فكل شيء هذه الأيام مرتبط بالمونديال، وحتى لقمة عيش المغاربة صارت مرتبطة بالمونديال، حتى لم يعد أحد يعرف هل هذا المونديال نعمة أم نقمة. وسط هذه الأجواء المونديالية سيلعب بنكيران موندياله السياسي في ملعب شبه فارغ، فلا أخنوش يستطيع مجاراته ولا إلياس العماري أو حميد شباط لا يزالان في الساحة ولا إدريس لشكر يتمتع بلياقة سياسية كافية ولا نزار بركة يبدو قادرا على تصنع بعض الخشونة ولا عبد اللطيف وهبي سيصحو من غفوته السياسية ولا ابنة الباشا قادرة على قيادة جرارها وحيدة من دون مساعدة التماسيح والعفاريت.. ولا باقي الأحزاب قادرة على خلق تشويق سياسي حقيقي. وسط هذه الساحة السياسية والحزبية شبه الفارغة، سيحاول الشيخ بنكيران العودة إلى صباه، وممارسة السياسة بمزيج من الاستعراض والتبوريدة، كما كان يفعل دائما. بقي في النهاية الإشارة إلى شيء على قدر كبير من الأهمية، وهو أن المغاربة تعبوا كثيرا في السنوات الماضية، تعبوا اقتصاديا بالأساس. أنهكتهم السنوات العجاف وظروف الكوفيد واستئساد الأسعار وغلو الفساد واستفحال مشاعر الإحباط.. وأشياء أخرى، وهذه المعاناة المكثفة شكلت مزاجا صعبا للناس، وهذا المزاج هو ما يجب على بنكيران، وغيره من الأحزاب، مواجهته في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.