مدخل إلى علوم القرآن: بنية استدراجية لإبعاد المتلقي عن الوحي

ياسين الطالبي

حين وُضعت مادة “مدخل إلى علوم القرآن” لم تُوضع كحاجز صريح بين الإنسان والوحي، بل كجسر ظنّ واضعوه أنه سيؤدي إلى فهمٍ أعمق، لكنهم نسوا، في خضم ترتيب المفاهيم، أن بعض الجسور لا تعبر إلى الله بل تعبر إلى التاريخ، وأن بعض الطرق لا توصل إلى النور بل إلى نظام الأرشفة، إذ إن هذه المادة، من حيثُ لا تقصد، تقوم بعملية معقدة هندسيًّا على مستوى البناء الداخلي لعلاقة الطالب بالوحي، إذ تعيد تنظيم مسارات التلقي عبر سلسلة من التحويلات البنيوية، تجعل من العلاقة المباشرة بين القلب والنص علاقةً غير مرغوب فيها، أو على الأقل غير مكتملة، وتستبدل البُعد العمودي العمودي بين العبد والرب ببنية أفقية تمرّ من خلال التراث، والأسانيد، والتوثيق، وتاريخ الجمع، وتاريخ الخلاف، وتفاصيل العرضة الأخيرة، وكأنّ الإنسان لا يُؤذَن له أن يسمع الله إلا إذا مرّ أولًا من نقاط التفتيش المعرفي الموروثة، وهي عملية هندسية معرفية تُعيد تشكيل خريطة الإدراك داخل المتلقي، بحيث تُلغى خطوط الاتصال المباشر، ويتم تنصيب سلسلة من المحولات والمصفِّيات والمرشِّحات التي تجعل التلقي الفردي محاطًا بسياجٍ تأويلي لا يسمح بالعبور إلا وفق النمط، أما من يحاول أن يتجاوز هذه الشبكة ليتلقى القرآن كما أُنزل، كما يعيشه المتصوفة في سكون الليل، كما كان يقرؤه الأوائل في خيامهم، كما بلغه سلمان الفارسي حين سمعه لأول مرة فاهتزَّ قلبه، فإنه يُتهم بالتسرع، أو يُطالب بإثباتٍ منهجي، أو يُعاد توجيهه نحو الحواشي، وهذا بحد ذاته يُنتج حالة من الارتباك السيكولوجي، إذ يُدرَّب الطالب على أن لا يثق بقلبه، ولا بشوقه، ولا بدمعته، ولا بذهوله، بل بما قاله المفسرون، وكأنّ الوحي ليس له، بل محفوظ لغيره، وعليه أن يستأذن في كل تأمل، وأن يستأذن في كل خشوع، وأن يطلب موافقة من السلطة التفسيرية قبل أن يُدخِل القرآن إلى قلبه، وهذا ما يولد تَشظّيًا داخليًا بين الشعور الفطري بالمعنى، وبين الصوت الخارجي الذي يُذكّره دائمًا بأن كل معنى لم يُقل من قبل، فهو مشبوه أو غير مأمون، فينشأ بذلك اغتراب معرفي، لا عن المادة، بل عن الذات، إذ لا يعود الطالب مستقرًا في علاقته بالوحي، بل دائم التردد، دائم الانسحاب، دائم الاحتياج إلى مصادقة خارجية على ما يشعر به داخليًا، وهذه حالة نفسية مركّبة تشبه ما يسميه علم النفس بـ”السلطة المعرفية القهرية”، أي أن تكون كل لحظة وعيٍ بحاجة إلى ختم خارجي لتُقبل، وكل انفعال روحي بحاجة إلى تحليل لغوي ليتأكد من شرعيته، وكل خشوع بحاجة إلى موافقة مذهب، مما يُفقد الطالب قدرته على الثقة بمصدر المعرفة الذي يسكنه، ويحوّله إلى كائن ينتظر الإذن ليؤمن، ويتردّد في كل لحظة شوق، ويُسائل قلبه كما يُسائل الباحث فرضياته، فلا يعود للقلب طمأنينة، ولا للخشية استقرار، ولا للحب موضع، وهذا يقودنا إلى التحليل الفلسفي للمادة، إذ إنها تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ”العقلانية الإجرائية للدين”، أي ذلك النمط من التعاطي مع الوحي الذي لا يعترف بشرعية المعنى إلا إذا اجتاز المنهج، ولا يقبل بصدق التأثر إلا إذا أمكن تصنيفه ضمن المدارس، ولا يسمح بالدهشة إلا إذا جاءت مقرونة بمصطلح، وهي عقلانية تُعلي من شأن التنظيم، لكنها تُهمّش المعنى، وتُقدّس النسق، لكنها تُفرغ التجربة، وتُرتّب الحفظ لكنها تُطفئ النور، لأنها تنتمي إلى نموذج فلسفي يرى في القرآن مادة للتناول المعرفي لا نداءً للتلقي الوجداني، ولهذا فهي تُعيد تشكيل القرآن ككائن قابل للتحليل لا كمُتكلِّم يستحيل تجاهله، كوثيقة تحتاج إلى قراءة، لا كصوت يخترق، كموضوع للشرح لا كفاعل في الوجود، وهو تحول خطير في فلسفة التعلّم، إذ إن المقرر التربوي حين يتحوّل إلى بنية تأطيرية تُقيّد إمكانية التجربة الفردية، فإنه لا ينقل العلم فقط، بل ينقل نسقًا شعوريًا، وموقفًا ضمنيًا من الوجود، وهذا ما يجعل هذه المادة ليست مجرد مدخل إلى علم، بل مدخلًا إلى تصور، لا للوحي فحسب، بل لله ذاته، إذ إن الطالب لا يتلقى فقط معطيات تاريخية عن القرآن، بل يُلقّن لا شعوريًا أن الله نفسه لا يمكن التحدث عنه إلا من خلال ما قيل عنه، لا من خلال ما يمكن أن يُسمَع منه، وهنا بالضبط تقع الخيانة البيداغوجية، لأن الوظيفة الأساسية لأي تعليم ديني ليست أن ينقل العلم المجرد، بل أن يفتح العين على النور، أن يُعيد تشكيل الحواس لتسمع الآية لا لتشرحها فقط، أن يجعل الطالب، في أول لحظة، يقف وجلاً أمام “إنا أنزلناه في ليلة القدر”، لا أن يسأل فورًا: ما ترتيب السورة؟ وهل نزلت في مكة أو المدينة؟ وهل القدر هنا اسم للزمان أم للقدر المعيشي؟ وهل الرواية فيها اضطراب؟ لأن هذه الأسئلة، على شرعيتها، لا يجب أن تكون هي المدخل، بل تأتي لاحقًا، بعد أن يقع الانكسار، وتبدأ الرحلة، وتُسكب أول دمعة، وتُسمَع أول مرة، لا من فم الأستاذ، بل من الله ذاته، لهذا فإن المادة، من حيث البنية البيداغوجية، تُعاني من إشكال عميق في ترتيب المقاصد، إذ تُقدّم التفصيل على الكل، وتُقدّم العلم على العيش، وتُقدّم التحليل على الحضور، وتُبرمج الطالب على ألا يُصدّق حتى يتأكد، وعلى ألا يتأثر حتى يُفهرس، وعلى ألا يعيش النص إلا إذا أُجيز له ذلك، وهذا ما يجعل العملية التعليمية في هذه المادة عملية هندسية للفصل أكثر من كونها عملية روحية للوصل، ويجعل المتخرج منها قارئًا بارعًا لتاريخ القرآن، لكنه غريب عن صوت الله فيه، حافظًا ممتازًا لأقوال العلماء، لكنه فاقدٌ للحظة الأولى التي كانت تُبكيه وهو في فراشه يقرأ الفاتحة قبل أن يعرف أنها مكية أو مدنية، أو أنها تُفتتح بالبسملة أم لا، وبهذا يتحقق أخطر انقلاب تربوي ممكن: أن يتحوّل التعليم من وسيلة إلى الله، إلى حجاب مؤدّب عنه، ومن دعوة إلى القرب، إلى منهجٍ مشروط يمنحك المعرفة لكنه لا يمنحك اللقاء، يعطيك النص ولا يعطيك الصمت أمامه، يمنحك التفصيل لكنه يسرق منك الذهول، وهكذا يتخرج الطالب وفيه من العلوم ما يُبهج المؤسسة، لكن ليس فيه من الخشوع ما يُبكّي القلب، ولا من المحبة ما يدفعه ليقوم قبل الفجر ليفتح المصحف وهو يرتجف، لأنه تعلّم أن يرتّب السور، لكنه لم يتعلّم أن يفتقد صاحبه، وتعلّم أن يكتب بحثًا عن التواتر، لكنه لم يتعلّم أن يسأل الله سؤال العاشقين: هل هذا الكلام منك إليّ؟ هل قلتَ لي “يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم” لأني نسيتك؟ أم لأنها دعوتك لي أن أرجع؟ ولماذا لم يقل لي أحدهم: اقرأ هذه الآية، لا لتكتب عنها، بل لتبكي منها؟ اقرأها لا لتفهمها كلها، بل لأنك إن سمعتها كما أُريد لها، فإن الفهم سيأتيك من حيث لا تعلم، كهدية، لا كمكافأة على إجابتك الصحيحة، ولأن الله حين يُخاطب عبدًا لا يسأله عن منهجه، بل عن صدقه، عن قلبه، عن لحظة سكوت فُتحت فيها نافذة فدخل منها النور، فهل هذا كثير على طالب جاء يريد أن يعرف من الذي قال “إني أنا الله”؟

إن البديل الحقيقي لمادة “مدخل إلى علوم القرآن” لا يبدأ من تغيير العناوين، ولا من تحديث المراجع، ولا من تبديل الأستاذ، بل من إعادة تعريف ما المقصود أصلاً بـ”المدخل”، لأن المدخل ليس بابًا منهجيًا يُوضع في بداية البرنامج، بل هو لحظة انفتاح الوعي على أن الله موجود في الكلام، وأن هذا الكلام ليس مجرد معطًى سماوي، بل حياةٌ كاملة تتنفس داخل النص، ولهذا فإن المدخل الذي نقترحه لا يمكن أن يبدأ إلا من القلب، من لحظة التلقي الصافية، من جلسة يطلب فيها الطالب من الله لا من الأستاذ أن يُعرّفه عليه، ولهذا فإن أول درس لا يجب أن يكون عن الجمع، بل عن الصمت، لا عن السند، بل عن الأثر، لا عن من قال، بل عن من كلّم، ويبدأ البرنامج، لا بلائحة الأسماء، بل بسؤال واحد يُلقى على الطالب في أول ساعة: متى شعرت أن القرآن يخاطبك؟ ثم يُطلب منه أن يصمت، أن لا يُسرع بالجواب، أن ينتظر أن يستفيق في ذاكرته ذلك اليوم البعيد الذي قرأ فيه سورة الفجر فانقبض قلبه، أو سمع فيها “كلا بل تحبون العاجلة” فبكى، أو لم يفهم شيئًا من “الضحى” لكنه شعر أن الله يربّت على كتفه، فيُطلب منه أن يعود إلى هناك، إلى الغرفة، إلى تلك اللحظة، لأن هذا هو المدخل الحقيقي.

ثم، وبأساليب معاصرة لا تُهمّش التكنولوجيا بل تسخّرها، يتم إدماج أدوات رقمية بذكاء وجداني، بحيث لا يُستخدم العرض التفاعلي ليشرح جمع المصاحف، بل ليُعيد تمثّل لحظة نزول سورة، لحظة خوف النبي حين سمع أول كلمة، ويتم محاكاة الغار لا بوسائل عرض جافة، بل ببيئة صوتية ونورانية يستشعر فيها الطالب الفرق بين الغياب والحضور، ويتم إنشاء فضاء غامر (immersive environment) تكنولوجي، يدخل فيه الطالب إلى خيمة صغيرة يُطلب منه فيها أن يقرأ الفاتحة وحده، ثم يُسجل بصوته، ويُعيد الاستماع إلى صوته، ثم يُسأل: هل قرأت لتفهم؟ أم قرأت لتُسمِع الله صوتك؟ هل قلت “الحمد لله رب العالمين” لأنك تردد؟ أم لأنك تريد أن تحمد حقًا؟ ثم يُفتح له باب التفسير الحي: أن يكتب خاطرة لا تحليلًا، أن يكتب لنفسه لا للعلامة، أن يكتب ما الذي تغيّر فيه حين قرأ هذه الآية، ثم يُطلب منه أن يشارك ذلك في حلقة صغيرة لا للتصحيح، بل للتفاعل، ثم يُسأل: هل الآية تحدثت إليك؟ هل شعرت أنها تقصدك؟ هل أحسست أنها تعرفك؟ ثم فقط بعد هذه المرحلة التأسيسية، تبدأ التكوينات المعرفية التقنية، ويبدأ شرح تاريخ الجمع، وتاريخ الرسم، لكن لا بوصفه أساسًا، بل كتتويج، لا بوصفه شرطًا، بل كنتيجة.

أما المحور الثاني من هذا البديل، فهو اعتماد ما نسميه بالبيداغوجيا الروحية، وهي مقاربة تجمع بين علم النفس التربوي وعلم النفس العميق، وتفترض أن المعرفة الحقيقية لا تُنقَل، بل تُستدعى من داخل المتعلم، وأنه لا يمكن أن تُثمر أي معلومة حول القرآن ما لم تمرّ أولًا من مسام القلب، ولهذا يُعاد ترتيب الدرس حول “الأثر”، لا حول “المعلومة”، فيُطلب من الطالب مثلًا، بعد قراءة سورة، أن يُعيد كتابتها كما لو أنها نزلت له، أن يعيد ترجمتها شعوريًا، لا لغويًا، أن يكتب ما لم يُقل، أن يستخرج الدعاء المخبوء بين الآيات، أن يستخرج النداء الخفي الذي لم يُنطَق، ثم يُطلب منه أن يذهب إلى مكان بعيد — غرفة أو زاوية أو مصلى — ويقرأ الآية بصوت مرتجف، كما لو أنه يقرأها أول مرة، لا من باب التمارين الصوتية، بل من باب استعادة الرهبة الأولى، لأن الهدف ليس أن يتقن علم القراءات، بل أن يعيش القراءات كما لو أنها نبضٌ حي.

أما المحور الثالث، فهو دمج الطالب في مشروع طويل الأمد يُسمى “يوميات القرآن”، يكتب فيه كل طالب على مدى الفصل ما الذي فعله به القرآن اليوم، دون أن يُقيَّم، دون أن يُصحح، بل فقط ليُقرأ بصوت القلب، ثم يُطلب منه أن يعود إلى هذه اليوميات بعد ثلاثة أشهر، ويقرأها بصمت، ليرى هل تغيّر؟ هل ازداد توقًا؟ هل بدأ يسمع الله؟ هل بدأ يبكي؟ أم أنه لا يزال فقط يُلخّص؟

وأخيرًا، فإن هذا البديل لا يكتمل إلا بتغيير كلي في فلسفة الأستاذ، إذ لا يجب أن يُدرَّس القرآن إلا من أستاذ اختُبر في الخشية لا في الشهادة، من رجلٍ لم يبكِ فقط من الكتب، بل بكى وهو يقرأ “ما ودعك ربك وما قلى”، من أستاذ لا يفتخر بكثرة المراجع، بل باتساع القلب، من معلّم لا يُكثر من الكلام، بل يعرف متى يسكت إذا قرئت آية، ويعرف أن يُربّي طلابه على أن يسمعوا الله، لا أن يُسمعوه، على أن يسجدوا حين يُدهشون، لا أن يُناقشوا حين يُصدمون، على أن يفتحوا صدورهم قبل دفاترهم، ويقرؤوا القرآن، لا ليدافعوا عنه، بل ليعرفوا أنفسهم من خلاله، لأنه كتابٌ لم يُنزَّل ليُشرح فقط، بل ليُعاش، ولم يُحفَظ ليُعرض، بل ليفتح القلب من جديد.

فيا كتاب الله، يا من كنا نظن أننا ندرّسك، فإذا بك تدرّسنا، يا من حسبناك موضوعًا للشرح، فإذا بك تشرحنا، وتكشف عورات قلوبنا، وتفضح تلك المسافة بين ما نعرف وما نعيش، وبين ما نحفظ وما نصدق، نسألك أن تُعيد تشكيلنا كما تريد، لا كما نريد، أن تنزع منا كل يقين زائف جعلناه وسادة للغفلة، أن تهدم فينا كل بناء معرفي لم يقم على شوق، ولا على دمعة، ولا على سؤال في جوف الليل، نسألك أن تخلع عن قلوبنا هذا اللباس الأكاديمي المطمئن، هذا الوهم المنهجي الذي ظننا أنه يقربنا إليك، فإذا به يُنسينا كيف نبكي، وكيف نخاف، وكيف نشتاق، علّمنا أن نقرأك لا كمقرر، بل كصوت، لا كمُدرَك، بل كنداء، لا كأثر لغوي، بل كرجفة قديمة كانت تزورنا ونحن أطفال، حين كنا نفتح المصحف دون أن نعرف الفرق بين المكي والمدني، لكننا كنا نرتجف إذا قرأنا “اقتربت الساعة وانشق القمر”، فامنحنا هذا الارتجاف من جديد، ولو مرة واحدة في العمر، ولو كانت هي المرة الأخيرة، علّنا نحيا بها إلى الأبد.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )