بين قداسة النص وخداع المنهج: علوم القرآن أم علوم الإقحام؟

ياسين الطالبي

إن كان لكل ذاكرة جماعية عتبة تؤسس وجودها، فإن ذاكرة المصحف لا ككتاب وحسب، بل ككينونة ذات حضور “فوق لغوي” قد خضعت لتأطير سردي لم يُقصد منه التوثيق بقدر ما أُريد له أن يتحول إلى لحظة تأسيسية تُختزل فيها حقيقة النص في مشهد خطابي، يتقاطع فيه البشري مع الإلهي في منطقة رمادية لا تعترف بالحدود الصارمة التي يفترضها التواتر، بل تكتفي بقبولٍ ضمني لرواية لم تُروَ بأكثر من طريقٍ فرديٍّ واحد، في سياقٍ تُصنَّف فيه أدقُّ القضايا ضمن دائرة القطع ويُترك أمرُ أعظم القضايا لمستوى الظن الغالب، وكأن العقل العلمي آنذاك – أو لاحقًا – لم يكن معنيًّا بتأمين الجذر بقدر ما كان حريصًا على تسويره، حتى ولو شُيّد السور فوق أرضٍ رخوة.

والأدهى أن هذا التشييد لم يُقدَّم باعتباره اجتهادًا تاريخيًا، بل بُثَّ في الضمير الديني على أنه حقيقة لا تقبل التزحزح، ليس لأنها كذلك في ذاتها، بل لأن من نقلها أُلبس جُبّة الصدق المطلق وأُرفقت روايته بصكوك العصمة المنهجية، في مفارقة صارخة بين ما يُتلى من كتابٍ محفوظ في الصدور، وما يُروى من قصة جمعه في الصدفة والتردّد والذهول، في سرد لا يكاد يطمئن إليه من أُوتي حسًا سرديًا، فكيف يُطمئن إليه مَن أُمر بالتحقيق والتمحيص في أصول العقيدة ذاتها؟

إن السؤال الجوهري هنا لا يتعلّق فقط بمتن الرواية، بل بالمنطق البنائي الذي سمح لها بالاستقرار في صدر كتب الصحاح، ثم تسرّبها بلا مراجعة إلى المقررات، فتصير هي الأصل في فهم ما يُفترض أنه أصل، فتتحول الرواية من واقعة ممكنة إلى براديغم معرفي خفيّ، يعلّق عليه جيلٌ بعد جيل تصورهم عن كيف وصل النص إليهم، وتُبنى عليه معالم علوم وطرائق تدريس، دون أن يُمنح الطالب – أو حتى العالم – الحق في مساءلتها خارج الطقس.

ولعل المفارقة الكبرى التي تستدعي الوقوف، لا تكمن في ضعف السند، ولا في غرابة المتن، بل في التناقض البنيوي بين هذه القصة ورُكنية النص الذي جاءت لتشرّع وجوده، إذ كيف تُقبل رواية منفردة، في باب يُشترط فيه الإجماع والتواتر والعرض الجماعي على الأمة، أو على الأقل الشورى العلمية، بينما يُعامل غيرها من الأحاديث – في أبواب أقل شأنًا – بالصرامة المنهجية التي ترفض كل ما لا يسنده جمعٌ كثيف؟ بل كيف يستقيم أن يُبنى وعي الأمة بكتابها من خلال رواية، لو خضعت لنفس معايير قبول الحديث في مواضع أخرى من الصحيح ذاته، لسقطت لحظة قراءتها الأولى؟

ذلك هو السؤال الذي لا يُطرح، لا لأن لا أحد يعرفه، بل لأن لا أحد يُسمح له أن يطرحه.

في الفارق الخفيّ بين “الحدث” بوصفه وقوعًا متحررًا من قصد الحكاية، و”القصة” بوصفها قولًا مصوغًا بلغة فيها هندسة وتوجيه، تكمن المفارقة التي تسمح لتحوّل بسيط في الذاكرة أن يغدو تحولًا خطيرًا في مصير الوعي. الحدث شيء لا يحتاج إلى راوٍ، لأنه ماثل، مكشوف، يشهد له الزمن دون وسيط. أما القصة، فهي دومًا اختيار: اختيار نقطة البدء، وترتيب اللحظات، وانتقاء الشخوص، وتحديد مركز الثقل السردي. بهذا المعنى، ليست القصة امتدادًا آليًا للحدث، بل هي تشكّله الثاني، شكله بعد أن تمّت هندسته في وعي من اختار أن يرويه.

ومن هنا، حين تُروى قصة جمع النص القرآني، لا نكون بإزاء وثيقة تُبلّغ عن أمرٍ وقع كما هو، بل أمام شكل سردي بُني وفق مقاصد تتجاوز ظاهر القول. لقد جرى تقديمها لا بوصفها حكاية عابرة، بل بوصفها المحطة التي تحوّل فيها الوحي إلى كتاب، وكأن العالم ما قبلها عالم شفهيّ غير موثوق، وما بعدها عالم مدوَّن يُطمأن إليه. وهذا التقديم لم يكن محايدًا، لأنه لم يكتف بسرد ما جرى، بل أدخل القارئ – دون وعي منه – في علاقة نفسية مع الراوي لا مع الحدث، فصار القبول مشروطًا بثقة في من قال، لا بتماسك في ما قيل.

القصة، هنا، تصبح أداة لإنتاج الشرعية، لا مجرد مرآة لنقل ما كان. وهكذا، تتحوّل من مجرد سرد إلى بنية مؤسِّسة: تمنح المعنى لمجموع الوقائع اللاحقة، وتعيد توزيع القيم على الزمن، وتضبط العلاقة بين القارئ والنص، وتجعل من حدثٍ، قد يكون جزئيًا أو محلّ خلاف، مرجعيةً فوق التاريخ. وهذا التحول هو أخطر ما في المسألة، لأنه لا يُعلن نفسه بوصفه تأسيسًا، بل يتخفى في ثوب البساطة والتلقائية، وكأن الأمور كانت لا بد أن تجري كما رُويت.

إن ما يُبنى على القصة – في حال كهذه – لا يكون فهمًا للقرآن، بل فهمًا للقرآن كما صاغه من صاغوا القصة، وهنا لا تعود القصة مجرد وسيلة نقل، بل تصبح هي مصدر الفهم، بل مرجعه، وتُختزل علاقة الأمة بالنص في علاقة سردية مفلترة، مرّت أولًا من عنق راوية واحدة، ثم استُثمرت منهجيًا، حتى أصبحت سلطةً معرفية تحكم المناهج وطرائق التلقي، دون أن يُنتبه إلى أنها لم تكن يومًا حدثًا متواترًا، بل اختيارًا حكائيًا أُضفي عليه طابع القداسة.

وهكذا، يفقد الحدث براءته التاريخية، وتفقد القصة صدقها السردي، لأن الهدف لم يكن الفهم، بل بناء شعور جماعي بالأمان النصي، ولو بتكلفةٍ معرفية تمحو المسافة بين من أنزل النص، ومن روى قصته، في ارتباك دقيق يُسلم فيه العقلُ نفسه لمصدر القول لا للقول ذاته.

المنهج: التحليل الفلسفي المجهري دون الخروج عن حدود الرواية نفسها

بأسلوب فلسفي دقيق، وعبارات طويلة تتعمد كشف البنية العميقة دون تكرار أو تلميح خارجي:

حين نقرر أن نحلل رواية جمع القرآن بوصفها نصًّا سرديًّا يحمل في ظاهره بساطة الحكاية، فإننا لا نقف عند مجرد تفكيك بنيتها اللغوية أو تاريخ ورودها، بل نعلن عن اختيار منهجي واعٍ: أن تُقرأ الرواية داخل ذاتها، لا بوصفها حادثة مفترضة، ولا بوصفها يقينًا نابعًا من خارجها، بل بوصفها خطابًا مكتمل الذات، نعامله بما تمليه عليه خصائصه الداخلية، لا بما أُلبس له من هيبة لاحقة. وهذا الإعلان ليس ترفًا فلسفيًا، بل هو ضرورة معرفية تمليها قواعد القراءة المنطقية التي ترفض أن يُستعاض عن ضعف السند بقوة الموروث، أو يُغطى على هشاشة البناء الداخلي بغشاوة الإجماع العاطفي.

إن تحليل الرواية، في هذا المنهج، لا ينطلق من اتهامها المسبق، ولا من نفيها الابتدائي، بل من احترامها كنص له مدخل ومتن وخاتمة، له سياق قولي، وله صمت أكثر بلاغة من أقواله، وله لحظات انكشاف، كما له لحظات ارتباك أو قفز أو تساهل. ومتى ما تعاملنا مع الرواية بهذه الصرامة الداخلية، فإننا نُخضِعها لمجهر لا يبحث عن الإثبات أو النفي، بل عن التماسك البنيوي، عن المفهوم الذي يحكم منطقها، عن درجة التوتر بين ما تُصرّح به وما تتركه لخيال المتلقي، عن طبيعة العلاقة التي تقيمها بين الفعل البشري والنص الإلهي، وعن التسلل الصامت للمؤسسة عبر تفاصيل ظاهرها السردي بسيط، لكن باطنها يحوك خيوط التأسيس السلطوي.

ونحن إذ نعلن هذا المنهج، لا نسعى إلى الهدم من الخارج، بل إلى الامتحان من الداخل، إلى عرض الرواية على ذاتها، لا على سواها، إلى سؤالها بأسئلتها، ومحاكمتها بمعاييرها، دون الخروج قيد أنملة عن محيطها، لأن القفز خارجها يمنحها الحصانة، أما البقاء فيها فَيُظهر تناقضاتها. ذلك أن الرواية، حين توضع تحت عدسة الفحص الداخلي، تُظهر مناطق الغموض بوصفها اختيارات مقصودة، لا عثرات سردية، وتتكشف لحظات الصمت بوصفها مواضع إخفاء متعمد، لا مجرد حدود بلاغية.

إن ما نمارسه هنا هو رفض مطلق لأي تأويل يأتي من خارج الرواية، لأن ذلك التأويل هو الذي منحها لاحقًا سلطة فوقية لم تكتسبها من ذاتها، بل من انخراطها في شبكة سردية أكبر منها، أحاطتها بأشعة القداسة، وأخضعتها لمنهج قرائي لا تُخضع له باقي الأخبار، حتى وإن زعمت المدرسة المنهجية ذلك. من هنا، فإن تحليل الرواية مجهرِيًا، دون القفز خارجها، هو فعل احترام للعقل، وللنص، ولحقيقة الوحي التي لا تقبل أن تُحكى بلغة ارتباك، أو تُؤسس بخيط لا يُحتمل عليه وزن بناء.

تفكيك بنية الرواية كما وردت

حين نستدعي رواية جمع القرآن كما أدرجها البخاري في صحيحه، فإننا لا نتعامل معها بوصفها مجرد نص ناقل لحادثة عابرة، بل بوصفها خطابًا تأسيسيًا محكم البنية، صاغته سلطة تأريخية أرادت، بوعي أو دون وعي، أن تؤطر لحظة فارقة في علاقة الإنسان بالوحي، عبر إسناد الفعل المركزي – وهو جمع كلام الله – إلى أدوات بشرية وقرار بشري، غائب عنه كل حضور نبوي، رغم أن المعنيَّ بالوحي لا يزال حيًّا في وعي المؤمنين كأصل كل معرفة. فالرواية تبدأ من لحظة مأساوية: مقتل عدد كبير من القُرّاء في معركة اليمامة، وهي لحظة صُمّمَت بعناية لتكون حافزًا عقلانيًا ووجدانيًا يتجاوز أي مساءلة، إذ ترتبط بالخسارة، والفقد، والتهديد، مما يصعّب نقدها دون الوقوع في تهمة الجحود أو التهوين من الكارثة.

ويُسند المحور السردي في الرواية إلى زيد بن ثابت، وهو اختيار ليس بريئًا على مستوى هندسة الثقة، فزيد كان أحد كتّاب الوحي في زمن النبي، لكن الرواية لا تستحضر هذه الصفة لتُبقي على قداسة الاتصال بالوحي، بل لتصنع تواطؤًا خفيًّا بين الوثوق الشخصي والقرار المؤسسي. فهو مَن يُكلفه أبو بكر، بعد مشاورة مع عمر، بجمع القرآن، رغم أن أبا بكر لم يُعرف – قبلها – كمفسر أو راوي أو حافظ، بل كرجل دولة يزن القرارات السياسية في ميزان اللحظة، مما يُدخل الوحي، من هذه البوابة، إلى حيز القرار الإداري، لا الإشراقي.

أما طريقة الجمع التي تُذكر في الرواية، فهي من العسب (جريد النخل)، واللخاف (الحجارة الرقيقة)، وصدور الرجال، وهي إشارة مزدوجة توحي، من جهة، ببدائية الأدوات المادية، ومن جهة أخرى، باستمرار الاعتماد على الحفظ البشري الذي كان متفرقًا وموزعًا في ذاكرات الأفراد. هذه الثنائية لا تدين أحدًا صراحة، لكنها تزرع – دون تصريح – فكرة مفادها أن النص الإلهي لم يكن محفوظًا بشكل منهجي حتى تلك اللحظة، بل ظل معتمدًا على عناصر بشرية متفرقة، مما يشرعن فعل الجمع بوصفه ضرورة لا بديل لها.

وما يُلفت في بنية الرواية ليس فقط ما تذكره، بل ما تُخفيه؛ فالرسول ﷺ – الذي كان المصدر الحي للوحي، والشاهد على تنزلاته، والموجّه لترتيب آياته – يغيب كليًّا من الرواية، لا كفاعل ولا كمُوجِّه، بل حتى كذاكرة مرجعية. هذا الغياب لا يمكن تبريره باعتبار أن الرواية تدور حول ما بعد وفاة النبي، لأن وجوده في الذكرى الجماعية كان آنذاك أقوى من أن يُتجاهل، ولأن غيابه عن لحظة التأسيس تلك يُحوّل القرآن من نص موحى به، إلى نص مُجمع عليه، ومن حقيقة نازلة من السماء، إلى واقع قابل للجمع والفقد والتوثيق بعد أن كاد يُنسى، وهي فكرة لا تنتمي للوعي القرآني، بل لوعي ما بعد الوحي.

إن تحليل هذه العناصر معًا يكشف أن الرواية، كما وردت، ليست بريئة في توزيع الأدوار ولا في ترتيب اللحظة، بل هي رواية مشيدة لتبرير وضع مؤسساتي لاحق، عبر شرعنة الفعل البشري الذي أُسند إليه أعظم ما لا يُفترض أن يُسند لغير المعصوم. وكل هذا يندرج ضمن لحظة انتقالية حاسمة: من الوحي كعلاقة، إلى الوحي كنص، ومن التنزيل كتجربة، إلى الجمع كإجراء.

إن من يقرأ هذه الرواية، كما وردت في صحيح البخاري، لا يشعر أنه أمام لحظة مفصلية ترتبط بذاكرة النص الإلهي، بل يجد نفسه إزاء سرد خافت النبرة، رتيب الإيقاع، لا يحمل من التوتر الوجودي شيئًا، وكأننا أمام واقعة يومية في جهاز إداري لا في مفصل تاريخي يمس علاقة السماء بالأرض، الأمر الذي يشي بأن الصياغة قد كُتبت بعين الرضا السردي لا بيقظة التحسس الفلسفي، فجاءت جملها حاملة لنَفَسٍ إخباري هادئ، أقرب إلى تقارير الاجتماع منه إلى نداءات القدر، تخلو من التشويش الطبيعي الذي يرافق اتخاذ القرار في مواجهة فوضى المصير، مما يدل، ضمنًا، على أن اللحظة ليست بنت ارتباكها الوجودي، بل وليدة تسلسل منطقي معد سلفًا، يُفرَض على القارئ لا ليهزّه، بل ليطمئنه أن كل شيء جرى كما ينبغي، رغم أن كل شيء، في عمق السؤال، يبدو خلاف ذلك.

فالغريب أن رواية بهذا الثقل – تتعلق بجمع القرآن بعد وفاة نبيٍ لم يُترك له وريث نصّي رسمي – لا تُروى بصيغة تشريعية، ولا تُستدعى من باب الوجوب أو التكليف، بل بصيغة تقريريّة هادئة تنقل الأخبار كما تُنقل أحوال الطقس، دون أن يشعر القارئ – ولو للحظة – أنه أمام حدثٍ يستحق التوقّف، أو التوجّس، أو حتى الحذر المعرفي، وهو ما يُلمح إلى أن الصياغة نفسها لم تُصمَّم لتُحرض على السؤال، بل لتغلقه بلغة مطمئنة، تدّعي أن الرؤية قد استُكملت، وأن العهد بالنبوة قد انتهى دون نقصان.

إن غياب الصياغة التشريعية – أي غياب أي إشارة إلى أن ما جرى كان بأمرٍ إلهي أو حتى بتوجيه نبوي سابق – يكشف أن السرد يريد أن يمنح الفعل البشري شرعية غير معلنة، تتسلل من باب الضرورة، لا من باب النبوة، وهو ما يجعل القارئ أمام مشهد يبدو عقلانيًا، لكنه في الحقيقة مفخخ فلسفيًا، إذ يُشرعنُ أخطر انتقالٍ معرفيّ في تاريخ الأمة – من زمن التلقي المباشر إلى زمن الحفظ المُجمّع – دون أن يسمح بأي قلق مشروع تجاه أداة الانتقال.

وما يُعزز هذه النبرة المحايدة هو غلبة الطابع الوصفي غير المتوتر، رغم أن مضمون الرواية – لو وُضع في ميزان الوعي الفلسفي – يتطلب أعلى درجات الاستنفار العقلي والروحي، إذ كيف يُسلَّم النص الإلهي بعد وفاة الرسول إلى آلية بشرية للتوثيق، دون أن يكون ثمة خوف ظاهر في لغة السرد، أو توجس من احتمال السهو أو الخطأ؟ أليست كل الروايات التي توثق اللحظات التأسيسية الكبرى في التاريخ – دينيًا أو دنيويًا – تأتي مشحونة بلغة التردد، أو الحيرة، أو التصعيد، أما هنا، فنحن أمام سرد يستبطن شعورًا بالهدوء واليقين، وكأن الفعل البشري الذي جرى بعد وفاة النبي، أرقى في اطمئنانه من التنزيل نفسه، وهو ما يُربك موازين العقل قبل أن يُربك النص.

وباختصار لا يدّعي الاكتمال، فإن صياغة هذه الرواية – بما تحمله من سكون لغوي وهدوء مصطنع – ليست مجرد شكل، بل هي مضمونٌ متخفٍّ، أراد أن يقدّم لحظة بشرية جذرية في مصير النص القرآني كأنها لحظة طبيعية، فاستعاض عن الأسئلة الصعبة بنبرة رتيبة، وعن التوتر الحقيقي بسرد مريح، وعن حضور النبوة بالسكوت، حتى لا ينهض في ذهن المتلقي أي احتمال للريبة، أو الشك، أو الحاجة إلى إعادة التأمل، وهي صياغة – بقدر ما تظهر عفويتها – تكشف عن هندسة سردية دقيقة، صُمّمت لا لنقل الحقيقة، بل لتشكيلها في وعي المتلقي من دون أن يشعر.

نقد المعايير المعرفية للرواية مفارقة التواتر وتهافت المنطق

إذا سلّمنا، جدلاً، بالرواية كما وردت، فإن أول ما يَصدم الوعي الفلسفي والمنهج النقدي أن فعلًا بهذه الخطورة – جمع النص الإلهي بعد انقطاع الوحي ورحيل النبي – يُروى من طرف فرد واحد، دون أن يشهد عليه جمع معتبر، أو يُسند بإجماع يحصّنه من كل شبهة تأويل أو زلل أو تدخّل، بل نجد أنفسنا أمام إقرار يُنسب إلى زيد بن ثابت، وكأنه وحده، في لحظة مفصلية، كان المكلَّف بالحفاظ على النص، المتفرِّد بفهمه، والحاضر في مشهده، وهي خصائص لا يمكن – في منطق الوعي الإسلامي نفسه – أن تُمنح لفرد في مسألة أصولية بهذا المستوى من القداسة والخطورة.

فأين كان جمهور الصحابة الذين حملوا القرآن في صدورهم؟ أين فقهاء المدينة ومُهاجرو مكة وأنصارها؟ أين تلك الأصوات التي طالما احتفى بها علم الجرح والتعديل في تأمين العدالة والضبط والتوثيق؟ كيف يمكن أن تُنقل لحظة كهذه، بكل تبعاتها التكوينية، من خلال سند فردي أو مسند إلى أفراد قلائل دون أن يُعترض؟ بل أين كان الإجماع الذي يقال عنه إنه شرط من شروط الحق في رواية المسائل العقدية أو الأصولية؟ أليست هذه الرواية – من حيث موقعها – أقرب إلى أن تكون لحظة إعلان لاجتهاد جماعي، لا رواية منسوبة إلى فردٍ يَروي وكأنّه رأى ما لم يُر، أو عُهِد إليه ما لم يُعلَن لأحدٍ سواه؟

إن ثنائية التواتر والانفراد التي ينكرها علم الحديث على سائر الروايات في مواضع أقل شأنًا، يُغض الطرف عنها هنا في صمت لا تفسير له إلا بكون المنهج قد عجز عن تطبيق معاييره في اللحظة التي كان ينبغي أن تكون معيارًا لكل المعايير، فسقطت أدواته تحت وطأة الفكرة نفسها، وتم التسليم بانفراد لا يصمد أمام أدنى اختبار عقلاني أو تأويلي، فكان أن أُضفيت صفة “المقبولية” على ما لا يمكن أن يُقبل ضمن قواعد المنهج الذي بناه البخاري نفسه. وهنا يبرز التناقض الجوهري: كيف لمنهج بُنِي على اشتراط التواتر، أن يشرعن أصل بناء المصحف برواية لا تحقق أدنى شروط التواتر؟

ثم تأتي المشكلة الأعمق: البنية المنطقية للرواية، فهي لا تنهار فقط من حيث ضعف الإسناد، بل من حيث التصور نفسه. إذ كيف يُقال إن القرآن كان محفوظًا في صدور الرجال، مكتوبًا على العُسُب واللِّخاف، ثم يُروى أن عمر خشي عليه من الضياع بعد موت عدد من القُرّاء في المعارك؟ أليست هذه المفارقة كفيلة بنقض الرواية من أساسها؟ فإما أن النص محفوظ كما هو معلوم من الوعد الإلهي: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، أو أنه ليس كذلك، فنحتاج إلى إعلان بشري باستدراك الحفظ الإلهي. فكيف جُمع إذًا بين هذا وذاك؟ وكيف يُجمَع ما قيل إنه محفوظ أصلًا؟ وكيف يُخشى عليه من الضياع وهو محفور في الصدور ومحفوظ في الرقاع؟

أضف إلى ذلك، سؤالًا لا يقل فداحة في آثاره المعرفية: إذا كان النص محفوظًا، موعودًا من الله بعدم التبديل، ومكرّسًا في حياة النبي باعتباره المرجع الأول في التشريع والتلاوة والصلاة، فلماذا لم يُجمع – لا بمعنى الترتيب النزولي، بل بمعنى التوثيق المؤسسي – في حياة الرسول نفسه؟ أكان نبيٌّ يُوحى إليه، يعلم أن وحيه سيتوقف، ثم لا يُؤسّس بنفسه لحفظ ذلك الوحي في صورة مكتوبة؟ أليس هذا الاحتمال يجرُّنا إلى تصور صادم بأن المهمة التي تحرك لها أبو بكر بعد وفاة النبي، كانت غائبة في حياة النبي نفسه؟ وإن كانت كذلك، فكيف يُعقَل أن يتكامل فعل جمع الوحي بدون النبوة، بينما لم يتم ذلك بحضورها؟

إننا أمام مفارقة منطقية لا يمكن تفسيرها إلا بأحد احتمالين: إما أن الرواية لم تكن تعي حجم الخلل البنيوي الذي تفرضه على الوعي، أو أن من صاغها لم يكن يقصد أن تُعرض على العقل بل أن تُحفظ وتُلقَّن، في صمت يشبه الصمت الذي يُراد من الطالب أن يلتزمه حين يسمعها في كتاب “علوم القرآن”. رواية لا تصمد تحت مجهر التواتر، تنهار عند أول تمرين منطقي، وتُفرض في قلب مناهج تُدرّس بوصفها علمًا.

وفي هذا الخلل المركّب – بين ضعف التواتر وتهافت المنطق – تتجلّى بداية السقوط المنهجي الذي لم يدركه كثير من دارسي “علوم القرآن”، لأنهم بُرمجوا على أن السؤال جريمة، وأن المراجعة تمرد، وأن الرواية، وإن خالفت العقل والنقل والتواتر، تبقى مُلهَمة، لأنها جاءت في كتابٍ يُعامَل، عمليًا، وكأنه لا يخطئ.

في لحظة تبدو بريئة من حيث لغتها، لكنها ملغومة من حيث بنيتها، ينهض هذا النص الروائي ليضعنا، دون أن يدري، أمام أعتى تناقض وجودي يمكن أن يقع فيه الوعي المسلم حين يتعامل مع المصحف لا بوصفه كلامًا إلهيًا محفوظًا بحفظ الله، بل بوصفه وثيقة تاريخية احتاجت إلى تدخّل بشري لجمعها بعد غياب النبي، بما يفتح الباب، دون تصريح، أمام سلسلة من الأسئلة لا يتسع لها إلا الوجدان الفلسفي القادر على الإنصات لصوت المفارقة وهي تنخر من الداخل كيان الرواية نفسها.

فإن كان هذا القرآن الذي بين أيدينا محفوظًا، محفوظًا بمعناه الكامل الذي يليق بالوعد الإلهي، فكيف يُجمَع؟ كيف يحتاج إلى مبادرة عمر، وتكليف أبي بكر، وتردد زيد، وحصر الآيات بين العُسُب واللخاف وصدور الرجال؟ أليست هذه الأوصاف تشير إلى خوف، وتدلّ على فزع، وتُفصح عن ارتباك مبكر في التعامل مع مصير هذا الذكر الحكيم؟ وهل يُعقَل أن وعد الله بالحفظ لا يتجلى إلا عبر خشية بشرية من ضياع آياته؟ بل هل من المنطقي أن يُفهم الحفظ الإلهي وكأنه وعد معلق على جهد زيد بن ثابت، وكأن الرب الجليل وكل أمر صيانة كلامه إلى بشر، ثم رحل عن المشهد؟ وهل يليق أن نقول إن البشر قد أنقذوا الوحي من الضياع، بعد أن انتهى الوحي؟ أليست هذه الفرضية – من حيث دلالتها المضمَرة – تحمل في طياتها نفيًا غير مباشر لفاعلية الحفظ الرباني، وتعويلاً صريحًا على الفعل البشري لإنقاذ ما يُفترض أن يكون محفوظًا بأمر إلهي؟

أما إذا سلّمنا – والمفارقة هنا تبلغ ذروتها – أن القرآن لم يكن محفوظًا بما يكفي ليمنع الحاجة إلى جمعه، وأنه كان عرضة للنسيان أو الفقد بعد موت القرّاء في المعارك، كما توحي الرواية، فكيف نُسلِّم به أصلاً؟ كيف نطمئن إلى أن ما بين أيدينا هو هو، إذا كانت الرواية نفسها تعترف بأن وجوده كان مهددًا، وأن جمعه جاء ردة فعل على احتمال ضياعه؟ بل كيف نستسيغ، كعقول لم تُفرِّط بعد في شروط الوعي، أن يكون أساس العقيدة والتشريع والإيمان مستندًا إلى ذاكرة أفراد نُقل عنها أن الموت قد نال منهم فجأة، وكأن النص المقدس كان مرهونًا بمَن يحفظه في صدره، فإن قُتل، ضاع من الوجود؟! أليس هذا التوصيف وحده كفيلاً بإسقاط المشهد من جذوره، لأنه يحوّل النص من كينونة فوق التاريخ إلى وثيقة داخل التاريخ، من وعد سماوي إلى خوف أرضي، من كينونة محفوظة إلى حالة هشّة تستدعي التدخّل الاستثنائي؟ وهل يمكن لمثل هذه الرواية أن تؤسّس يقينًا؟ أم أنها – بحكم ما تبطنه – تُقوّض أركان اليقين ذاتها؟

هكذا، دون حاجة إلى أدنى إسقاط أو مؤامرة تأويلية، تنقض الرواية ذاتها من داخلها؛ فهي لا تنفكّ تعلن عن ذاتها بصفتها استجابة لخطر مفترض على النص، ثم تدّعي أن النص محفوظ، ثم تبني من هذه المفارقة علمًا، ثم تُقدَّم هذه البنية كلها للتعليم، ثم يُمنع السؤال، ثم يُسجَن العقل في طمأنينة زائفة لا تقوم على حقيقة معرفية بل على خرافة وظيفية تمارس دور “الحماية” بينما هي في الحقيقة تَئِدُ القدرة على الفهم، وتحصره في ثنائية قاتلة: إما التسليم، أو الاتهام.

وهنا، يُفهم لماذا وُضِعت هذه الرواية في أول مناهج علوم القرآن، ولماذا غُلفت بهالة من التبجيل الذي لا يُسمَح بتجاوزه، فالرواية لا تملك قوتها من صحتها، بل من موضعها، ولا من تواترها، بل من صمت الجماعة عليها، ذلك الصمت الذي يُنتج سلطة أخطر من سلطة المتن: سلطة الرعب من السؤال.

لو طُبّقت معايير البخاري ذاته على هذه الرواية – لا بمعنى تقنيات التحقيق التقليدية بل وفق منطقها الداخلي الذي ادّعاه حين وضع لمروياته جدرانًا معرفية من “الضبط” و”العدالة” و”اللقاء” و”السماع” و”السلامة من الشذوذ والعلل” – لما صمدت هذه الرواية لحظة واحدة داخل البنية الصارمة التي ابتكرها الرجل نفسه، بل لسقطت كما تسقط الفرضية إذا نقضت أحد شروطها الأولية، لا لأنها خارجة عن نطاق المعقول، بل لأنها – في هيئتها كما وردت – تنتمي إلى سياق مختلف تمامًا عن السياق الذي حاول البخاري نفسه أن يصنع له “القداسة الثانية” بعد النص القرآني.

ذلك أن الرواية، من حيث البناء السندي، لا تتجاوز الرواية الآحاد التي يدور حولها الجدل الفقهي، فكيف تُمنح شرعية تأسيسية على مستوى تدوين المصحف؟ وإذا علمنا أن رواة الحديث إذا انفردوا بنقل حُكم صغير دُقق عليهم في كل صغيرة وكبيرة، فكيف نمنحهم صلاحية نقل حدث هو الأشد حساسية في تاريخ النص نفسه؟ وإذا كان البخاري لا يكتفي بسماع الراوي عن الراوي بل يشترط اللقاء المباشر، بل السفر أحيانًا للتأكد من لفظٍ، فكيف قبل بإدراج هذه الرواية دون أن يُخضعها لاشتراط التواتر، ولا لمحاسبة المنطق، ولا حتى لملاحظة الصياغة التي لا تليق ببنية حدث بهذا الحجم؟

أليس في هذا خلل عميق في معيار الاختيار، بل تناقض بين ما ادّعاه البخاري منهجًا وبين ما أدرجه تنفيذًا؟ بل الأدهى من ذلك أن الرواية لا تخضع لمجرد خلل سندي، بل تنطوي على مشكل بنيوي مركب؛ إذ كيف يُفترض أن نُسلّم بأن عملية الجمع التي تخصّ وحيًا مفترضًا أنه محفوظ، سُلِّمت إلى فرد دون شهود، ثم نُقِلت في خبر آحاد، ثم صارت مدخلًا إلى علم يُدعى “علوم القرآن”؟ وهل كان البخاري – لو طُبّقت عليه صرامته ذاتها – سيقبل من أحد هذا التأسيس؟ أليس من المفارقة أنه أسقط آلاف الأحاديث من صحيحه لأدنى شك في عدالة راوي أو لفظة أو لقاء، ثم مرّر هذه الرواية التي تمسّ هوية النص الإلهي ذاته دون أن يتساءل عن شروط التلقي الجماعي أو الإجماع أو الوجود النبوي فيها؟

هنا، لا نكون أمام مجرد خلل إجرائي، بل أمام “تسامح انتقائي” يُفقد المنهج ذاته شرعيته، لأن قبول هذه الرواية، تحت ذريعة أن البخاري رواها، يجعل من البخاري سلطة فوق المنهج الذي وضعه، ويحوّله من مُحقّق إلى مؤسِّس، ومن ناقد للسند إلى مانحٍ لليقين، حتى حين يغيب السند الجامع والمنطق المقنع.

وهذا ما يفتح الباب لنسف المقدّس المنهجي نفسه من داخله، دون صراخ أو تشكيك، بل فقط بتطبيق القواعد التي وضعها أهل المنهج، على المنهج.

إذا قمنا بتطبيق معايير البخاري الصارمة، بندًا بندًا، مرحلة مرحلة، على الرواية التي أدرجها في صحيحه بشأن جمع القرآن، واعتبرناها لا نصًا مقدّسًا ولا قضيّة إيمانية بل مجرّد خبر بشري ينتمي إلى ساحة الرواية الظنية، سنكتشف بوضوح أنّ هذه الرواية – لو خضعت حقًا لتلك المعايير التي جعلها البخاري نفسه عتبة العبور إلى مصافّ “الصحيح” – لوجدت نفسها خارج أسوار “الجامع”، ساقطةً أمام كل اختبار منهجي كان البخاري يلزم به غيرها، متهاويةً تحت ضوء أدواته التي ادّعى من خلالها تمحيص الآلاف وانتقاء المئات، كأنها لم تُروَ بمنهج بل زُجَّ بها لتخدم بنية معلّقة، تبحث عن سند وهمي لحدث لم يتم الاعتراف به في وقته.

ففي مرحلة التثبّت من الاتصال السندي، وهي المعيار الأول الذي لا يرحم في منهج البخاري، نسأل: هل الرواية متصلة فعلًا اتصالًا صريحًا لا غبار فيه؟ وهل كل راوٍ عن راوٍ لقيه فعلاً لقاءً حسيًّا يبرر نقل الحدث بهذا اليقين التأسيسي؟ وإذا اعتبرنا زيد بن ثابت هو بطل القصة، أفلا تُعد الرواية حينها رواية شاهد منفرد في أمر كان يفترض أن يشهده جيل بأكمله؟ إن في ذلك انقطاعًا بنيويًّا في منطق التلقي الجماعي، ولو سُمّي سندًا متصلاً، لأن الاتصال هنا شكلي، وليس وجوديًا ولا معرفيًا.

وفي مرحلة العدالة، وهي المفهوم الذي حوّله البخاري إلى غربال لا يمرّ منه إلا من زكاهم التاريخ والوجدان، نسأل: هل وُثّق زيد بن ثابت في هذا الحدث تحديدًا؟ لا في أخلاقه، بل في أهليته لنقل واقعة بهذا الحجم؟ وهل كان مؤهَّلاً ليُعهد إليه وحده بجمع القرآن دون سند جماعي؟ ألم يكن من المفترض أن يُختبر كما اختُبر من قبله في فتاوى بسيطة؟ فكيف لم تُعرض هذه المهمة على جماعة من الحفاظ المعروفين، بل كيف ارتضى هو أن يحملها دون شهود؟

أما في مرحلة الضبط، وهي أعسر المراحل في ميزان البخاري، فإن الرواية تنهار ببساطة، لأننا لا نملك أي دلائل على دقة التفاصيل ولا على تكرار سماعها ولا على تواتر معانيها، بل كل ما لدينا سرد إنشائي لا يحمل من سمات الإتقان إلا النبرة التقريرية. وإذا كان البخاري يشكك في روايات لفقدان ضبط لفظي بسيط، فكيف لم يشكك في رواية تؤسس لذاكرة القرآن، لكنها تفتقر إلى الضبط المفهومي والتوثيق الجماعي؟

ثم تأتي مرحلة فحص العلل والشذوذ، وهنا يتجلى العطب بوضوح، لأن الرواية تحمل في طيّاتها تناقضات منطقية، واستفهامات معلّقة: كيف يقال إن القرآن محفوظ، ثم يُخشى عليه من الضياع؟ وكيف يكون النبي قد أتمّ البلاغ، ثم لا يُنجز الجمع بنفسه؟ أليس هذا تناقضًا شاذًّا في بنية الخبر لو قُدّم في أي رواية أخرى؟ أولم يكن البخاري – في غير هذه المواضع – يشطب الروايات لمجرد احتمال شذوذ في السياق؟

وأخيرًا، لو قيس الخبر بمنطق النفعية المنهجية التي يتذرّع بها بعض المدافعين، لكان أولى بالبخاري أن يُفصّل فيه، ويقدّمه على قاعدة شرعية صريحة، لا أن يكتفي بسرد وصفي يُبقي الحدث في منطقة رمادية: لا هو تأسيس قطعي، ولا هو إخبار عارض. وهذا في حد ذاته كافٍ لإخراجه من “الصحيح” لو طُبّقت معاييره بصرامة معرفية لا انفعالية.

وبالتالي، فإن الرواية – عند إخضاعها لمعايير البخاري، بندًا بندًا – لا تسقط فقط كخبر، بل تسقط كدلالة منهجية، وتفضح تناقضًا بين المعايير والشروط، وبين ما وقع عليه الاختيار فعليًا. وهذا ما يجعل إدراجها أقرب إلى “الحدث المسكوت عنه” في خلفية المنهج، كأنه كان لا بد أن تُمرَّر الرواية، لا لأنها أهل لذلك، بل لأن السياق العام كان يبحث عن شرعنة مكتوبة لحدث لم يثبت لا عقلاً ولا جمعًا ولا نقلًا.

إن أخطر ما يَحدث للروايات ليس أن تُروى، بل أن يُحيط بها صمت معرفي كثيف، يُقنّع هشاشتها بمنطق القَبول الجماعي، ويَمنحها حصانة فوق عقل القارئ، إذ تُقدَّم لا بوصفها رواية تحتمل السؤال بل كـ”معطى مؤسَّس”، فلا يكون من المسموح في الحقل التفسيري، أو في المنظومة التراثية التي استبطنت النص كأداة ضبط، أن يُسلَّط عليها ضوء التحليل الداخلي أو يُشكَّل حولها فضاء للجدل المعرفي، بل تُدرج كمسلّمة ضمن البنية التي يُعاد إنتاجها بآليات التكرار لا بآليات النقد، وكأنها قداسة بديلة، تتسلل من مسام المنهج دون إعلان واضح عن رتبتها أو حجّيتها.

ففي كتب التفسير الكبرى، لا نجد معالجة نقدية واحدة للرواية التي تزعم جمع القرآن بعد وفاة النبي، رغم ما تحمله من تناقضات تستصرخ المنطق قبل الإيمان، بل تُعرض وكأنها برهان لغوي أو قاعدة نحوية، يُستأنس بها دون اعتبار أنها تنشئ خلفية معرفية كاملة لمسألة تمس صميم الوحي ذاته. بل الأعجب أن المفسرين الذين بالغوا في تفصيل اختلاف القراءات، وانشغلوا بصغائر اللغة، لم يروا في هذا الخبر ما يستدعي التوقف أو إعادة النظر، كأن الرواية قد اجتازت كل اختبارات المعقولية من تلقاء نفسها، أو كأن تعظيم القائل بها قد حجب سؤال صدقيّتها، بل حجب أصل السؤال ذاته.

وليس هذا السكوت نتيجة عجز معرفي، بل نتيجة انخراط كامل في نظام الصمت، حيث يكون تكرار الرواية ـ لا نقدها ـ هو السبيل الوحيد لضمان بقاء السردية الكبرى دون تصدّع، فهي لا تتحمل في بنيتها أي خرق، لأن أي تفكيك دقيق لسياقها قد يسحب معه البساط من تحت جملة من العلوم المتراكبة فوقها، من التفسير وعلوم القرآن، إلى علم القراءات، إلى مباحث حجية المصحف ذاته.

إن ما نواجهه هنا ليس مجرد غياب نقد، بل هو منع معرفي للنقد، يُمارس بصيغة الاحترام المفرط للرواة الأوائل، وكأن إخضاع الرواية للسؤال هو تعدٍّ على مقامهم، حتى غدا نقد الرواية خيانة للموروث، لا محاولة لفهمه، وأصبح حُسن الظن في صدقية النص الروائي أولى من توخي الدقة في حفظ النص القرآني، رغم أن المفترض أن يكون الأخير فوق كل الروايات.

ولعل الصمت الأشد وطأة هو ذلك الذي لبس عباءة التعليم، حين تحولت هذه الرواية إلى “مفتاح” في مقررات الطلبة، يُلقّن دون تمييز بين المتن والتاريخ، ويُفرض بوصفه فصلًا من فصول العقيدة العملية، لا خيار فيه إلا الحفظ أو الإذعان، فانطبع في الوعي الجمعي أن القرآن قد جُمع هكذا، وكأن الوحي لم يكتمل حتى تداركته لجنة بشرية، وحينما غاب الرسول – صلى الله عليه وسلم – اكتمل الكتاب!

هكذا، سُلبت الرواية من ظروفها، ونُزعت عنها أدوات التفكيك، وأُسكنت موضعًا يتعذّر فيه النقاش، لتصبح – تحت غطاء الصمت الموقر – مركزًا تأسيسيًا، لكنها مركز هش، بُني على شرفة بلا أعمدة، صامد فقط لأن أحدًا لم يجرؤ على النفخ فيه.

إن إدراج رواية جمع القرآن، بهذه الصيغة المفردة التي لا تبلغ رتبة التواتر، داخل المناهج الجامعية، وتلقينها للطلبة بوصفها حقيقة تاريخية قاطعة، لا يُمثّل فقط خضوعًا لصوت المروية، بل يُكرّس نمطًا من الإجماع الصوري الذي لم يُصنع بالتداول الحر أو بالمراجعة العقلية، بل فُرض عبر آليات تكرارية صامتة، حتى غدا الطالب لا يراها رواية قابلة للمساءلة، بل مسلمة يتوقف عندها تفكيره كما تتوقف أجهزة الإدراك عند رؤية الضوء المبهر، خوفًا من العمى، لا توقيرًا للضوء.

لقد تمكّن هذا الصمت ـ المتنكر في صورة وقار ـ من أن يصوغ ذاكرة معرفية مُعلّبة، تنقل للناشئة دون أن تسمح لهم بالاقتراب من مادة النص، وكأن الرواية لا تُروى بل تُنزَّل، ويُحرَّم على الدارس أن يتساءل: كيف يُبنى مصير الوحي على رواية فردية؟ كيف يُنسج على نولها نسيج علوم كاملة؟ وكيف يُمحى أثر النبي من لحظة جمع الوحي، ثم تُمنح الرواية سطوة فوق الزمن النبوي نفسه؟ ولكن هذا الصمت لم يُفرض بالمنع الصريح، بل بالتدريب المنهجي على اللاسؤال، عبر مقررات تُدرّس على أنها “علوم القرآن”، بينما هي في بنيتها استدراجٌ للذهن إلى القبول القَبلي بمنظومة لم يُطلب منه الإيمان بها، بل تم إقناعه أنها موجودة قبل أن يولد.

وهكذا تحول الأمر إلى إجماع صوري، أي إجماع لا يسنده نظر، بل خوف، ولا يدعمه دليل، بل تقليد، ولا يُحصّنه تواتر، بل كثافة التداول، فتجد في كل كتاب، وكل حاشية، وكل مقرر دراسي، تكرارًا للرواية نفسها، ليس لأنها أقوى، بل لأنها الأسبق إلى السيطرة على بنية المقول، فتراكم هذا التكرار لم يُنتج يقينًا، بل جعل الشك نفسه جريمة معرفية، كأن السؤال عن الرواية أصبح خروجًا على النص، رغم أن الرواية نفسها ليست من النص، بل من هامشه السردي.

والأخطر أن هذه الآلية لم تُفرض فقط على مستوى المحتوى، بل زُرعت في عمق الأسلوب التربوي ذاته، فصارت الأسئلة النقدية ممنوعة، لا لفسادها، بل لأن المنهج لا يملك أجوبة، إذ لو فُتح الباب لمساءلة هذه الرواية، لانهارت السلسلة التي تعلّق بها فقه التفسير، وتأويل المصحف، وحجية القراءات، ومنهج التدوين، وكل ما بُني عليها دون تبصّر أو مراجعة.

بهذا الشكل، تم استبدال الحوار المعرفي الحر بـ نظام تلقيني مغلق، جعل من الصمت أصلاً، ومن التكرار دليلاً، ومن “لا تسأل” عنوانًا للإجماع. إجماعٌ لا يسكن في العقل بل في النظام؛ لا يعيش في اليقين بل في الخوف؛ ولا يحفظ القرآن، بل يحفظ الرواية عن القرآن.

في صمت اللحظة التي دُفِعت فيها الرواية إلى صدارة المشهد المعرفي، لا يُمكن للفيلسوف إلا أن يتساءل: من ذا الذي استفاد من هذا الإقحام السردي في قلب البناء القرآني؟ من صاحب الغرض الحقيقي من نقل رواية فردية عن حدث، لو صحّت أبعاده، لأعاد تشكيل تصور الأمة عن حفظ الوحي، لا بوصفه فعلاً إلهيًا مُكتملًا، بل كأنه مسعى بشري خاضع للضياع والتدارك؟ وهل كانت هذه الرواية استجابة لنداء الحاجة، أم رغبة في صياغة سلطة، لا في جمع مصحف؟

إن من يُمعن النظر في السياق الزمني والسياسي الذي أُلبست فيه هذه الرواية ثوب “الضبط العلمي”، لا بد أن يشهد أن ما تم لم يكن فقط استحضارًا لنص، بل كان تثبيتًا لمفهوم، يُنقل لا على أنه معلومة بل كمسلمة، ويتم تسويقه داخل المنظومة التعليمية بوصفه من باطن القرآن لا من خارجه، مع أن الرواية في أصلها تقف على العتبة الفاصلة بين النص والسلطة، وتبدو كأنها الجسر الذي عبرت من خلاله المؤسسة السلطانية إلى النص، لا لتحفظه، بل لتعيد تأويله وفق منطقها الجديد: منطق السلطة المركزية، القادرة على تعريف “القرآن”، لا فقط على حفظه.

فالقصة لا تُروى بوصفها سجلًا لشهادة، بل أداة لحسم، تؤسّس لذاكرة مُوحّدة، تهمّش التعدد الشفهي، وتسكت الصوت الجماعي الذي كان يحمل القرآن في صدور الرجال، وتستبدله برواية رسمية، منقوشة في متن فرد، اختير بعناية، وسُلّط عليه ضوء الحدث، كأن الأمر برمّته كان تطهيرًا سياسيًا للقرآن الشفهي، وتقديمًا لمصحف الدولة، لا مصحف الجماعة، مصحف يُعاد تشكيله بما يناسب خريطة السلطة الجديدة، لا خارطة الوحي.

حين تُدرج رواية ذات منشأ سردي، لا تواتري، في عمق مصفوفة تعليمية تُسمّى “علوم القرآن”، فإننا لا نكون أمام فعل بريء ينشد الاستئناس، بل أمام هندسة معرفية دقيقة تسعى – بوعي أو بغير وعي – إلى إعادة تشكيل علاقة الطالب بالنص، لا بوصفه وحيًا نزل متجاوزًا، بل بوصفه نصًّا وصل إلينا عبر رجال ومؤسسات، لا عبر الله فقط. وبهذا يُعاد بناء “اليقين” من خارج النص، بتواطؤ منهجي لا يُصرّح بنفسه، بل يختبئ وراء بيداغوجيا الإيهام بالمقدس، فيُصبح ما يجب أن يكون موضوع تساؤل فلسفي أو نقد تاريخي، مرآةً معكوسة تُسقط من خلالها الرواية سلطتها على النص نفسه، فيتحول النص من أصلٍ حاكم إلى نتيجةٍ خاضعة.

إننا حين نتأمل فعل “الإدراج”، لا نجد فعلًا وصفيا عابرا، بل إجراءً مفاهيميًا مشحونًا بدلالات السيطرة، إذ لا تُروى الرواية بوصفها تاريخًا، بل تُوضع في قلب المنهج لتؤطر كل ما يأتي بعدها، وتُصبح نقطة ارتكاز تُستخرج منها التصورات، وتُبنى حولها شرعية القول على المصحف. وبهذا تتحول الرواية، بكل هشاشتها التواترية، إلى نظام مرجعي لا يُمس، يُرغم الطالب منذ أول درس على بناء تصوره عن “القرآن” لا عبر النص، بل عبر رواية جمعه، أي عبر ذاكرة بشرية مضطربة، يتم تثبيتها قسريًا حتى تبدو كأنها الأصل، لا الفرع.

وهنا تنكشف المفارقة الفلسفية المزلزِلة: أن يتم تعليم “علوم القرآن” دون الفصل الجذري بين الوحي المنزل والسردية المؤسَّسة، وبين ما هو إلهي متعالٍ وما هو بشري مصنوع، مما يجعل الرواية تتسرب إلى موقعها الأعلى بوصفها مفتاح الفهم، لا موضوع الفحص، فلا يُسمح لها أن تُوضع على طاولة النقد، لأن المنهج نفسه بُني على افتراض صدقيتها. وهكذا، يصبح من يسائل الرواية كأنه يمس “علوم القرآن”، ومن يمس علوم القرآن كأنه يشكك في أصل الدين، فتُخلق حلقة تحصين وهمي تُمنع فيها الفلسفة من دخول الحرم، وتُستبعد أدوات التفكيك حتى لا تنكشف العمارة الوهمية التي بُني عليها مفهوم المصحف في وعي المتعلم.

إن هذا التواطؤ المنهجي – المقنّع بلغة الوقار – لا يكتفي بتثبيت الرواية، بل يُعيد صياغة العلاقة بالوحي نفسه: فبدل أن يكون القرآن نصًا مفتوحًا على التجربة، وحقًّا مشاعًا لكل متدبّر، يُعاد تعريفه كـ”نتاج محفوظ” بفضل السلطة التي جمعته، لا بفضل الله الذي أنزله. وبهذا تُستبدل العصمة الإلهية بذاكرة الرجال، وتُخاطب الأمة لا بوصفها شهودًا على النص، بل كمن تلقّى نسخة أعدّتها مؤسسة حاكمة ثم سكتت عنها القرون.

وبهذه البنية المسكوت عنها، تكتمل الدائرة المغلقة: رواية هشّة تُدرّس على أنها علم، علم يُمنح قداسة النص، ونصّ يُفهم من خلال رواية لا تُمحَّص. والطالب – الذي يظن نفسه يتعلّم علوم الوحي – يُعاد تشكيل وعيه من وراء ظهر الوحي نفسه، ليخرج وهو يظن أن المصحف وصل كما هو لأن زيدًا جمعه، لا لأن الله تعهد بحفظه.

القرآن بوصفه نصًا محفوظًا بسلطة إلهية متعالية لا تحتاج إلى وسائط بشرية تبرّر حضورها عبر روايات هشّة، وبين الرواية التي لا يمكن – مهما تشبثت بلبوس الوقار – أن تتجاوز حدودها كبناء سردي صادر عن وعي بشري يحمل شروطه، وتناقضاته، ومصالحه، وتحيزاته. ومن يخلط بين النص المقدس والرواية التاريخية، بحجة التكامل أو الاستئناس، فإنه يرتكب فعليًا أعظم التبديل: لا في ظاهر القول، بل في هندسة الوعي.

فـالقرآن، بوصفه كلامًا إلهيًا ختم الله به سلسلة الوحي إلى البشر، لا ينتظر من زيد أو من عمر أن يُثبّت وجوده في الأرض، لأنه من الأصل خطاب لم يأتِ من رحم ذاكرة بشرية تحتاج إلى جهد الجمع، بل من عقل مطلق يعلو الزمان والمكان، جاء على قلب نبي أُرسل للعالمين، فكان حفظه وعدًا إلهيًا لا يستند على العسب ولا على اللخاف ولا على الصدور، بل على قوله الحق: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. وحين تُقدَّم للناشئة رواية بشرية كأنها الضامن الحصري لوصول هذا النص إلينا، فإننا لا نكون أمام درس في علوم القرآن، بل أمام عملية تشويش مقنّنة تُحوّل الوحي إلى نتيجة لحدث بشري، لا العكس.

بل إن إدراج رواية لا تَثبتُ بمعايير التواتر، ولا تصمد أمام النقد الداخلي، ولا تحترم حتى الصرامة التي وضعها البخاري نفسه في مواضع أخرى من صحيحه، داخل مناهج التعليم الديني – لا كمثال للتأمل النقدي، بل كأساس للتلقين – هو بمثابة منعطفٍ خطيرٍ يُعيد توجيه الطالب من حيث لا يدري، ليُشَيَّد في عقله لا قرآنٌ محفوظٌ، بل رواية تحميه، وكأن حضور الوحي في التاريخ رهين بقرارات بشرية، لا بتعهّد رباني. ومن هنا يتسرب التدليس المعرفي الأعظم: أن تتحول الرواية إلى بوابة إلزامية للدخول إلى القرآن، فلا يُقرأ إلا من خلالها، ولا يُفهم إلا عبرها، ولا يُعلَّم إلا بما تَقرّه بنيتها، فيتم إحكام القيد على النص باسم “العلم به”، ويُغلق باب الحرية التدبرية باسم “المنهجية”، وتُطمس الفجوة بين الوحي والحكاية باسم “الاتساق العلمي”.

إن ما يُقدَّم باسم “علوم القرآن” – حين تنطلق من هذه الرواية – لا يمكن أن يُقبل بوصفه علمًا قرآنيًا أصيلاً، لأن الشرط البديهي لأي علمٍ يتعامل مع النص الإلهي أن يُبنى على مفردات من النص ذاته، لا على حكاية لا تبلغ حتى رتبة الظن الراجح، فضلًا عن اليقين، ثم تُقدَّم بصفاقة إلى الطالب على أنها أصل من أصول معرفته بالنص، ويُرغَم على قبولها وإلا شُكّك في انتمائه أو في فهمه، وتُسحب من يده أدوات المساءلة، ويُفهم أنه أمام “إجماع لا يُكسر”، بينما هو في حقيقته إجماعٌ مصمت بُني على صمت أسبق، ثم تدحرج، جيلاً بعد جيل، حتى تحوّل إلى عقيدة بيداغوجية تمنع الاختراق.

فإذا كان في القرآن من العلم ما يُغني، وفي النص من التعدد ما يثري، وفي الوحي من البنية ما يسمح بالقراءة العميقة، فما الداعي إلى تقديم قصة هشّة كبوابة أولى، بل كأصلٍ، لا مجرد تفصيل؟ هل نُعلّم الطلاب عن حفظ القرآن، أم نُدرّسهم كيف نبرر سطوة الرواية؟ وهل نؤمن بكتابٍ محفوظ عند الله، أم نؤمن أن حفظه موقوف على لجنة بشرية اجتمعت في سياق سياسي؟ ثم كيف يُعقل أن تُصبح هذه القصة – بكل تناقضاتها – أكثر حضورًا في مقررات التعليم من آيات الحفظ نفسها؟ وهل هذا إلا تحويرٌ في بنية التلقي ذاتها، يجعلنا نرى القرآن لا كما أراده الله، بل كما أُرِيد لنا أن نفهمه عبر نص سردي بشري مغلق؟

إعادة نظر منهجية في وحدة من وحدات علوم القرآن، هي نداء مؤسِّس إلى إعادة التمييز القاطع والحاسم، والواعي والمعلن، بين النص المقدس وبين الرواية البشرية التي تُدرَّس باسمه، وإن لم تكن منه، ويجب أن يُفصل فصلاً صارمًا بين ما هو من القرآن، وما هو من قراء الناس له، بين ما هو محفوظ بوعد الله، وما هو محفوظ بوثيقة أُدرجت ذات يوم في صحيح البخاري، بين ما هو خطاب إلهي مفتوح للجميع، وما هو بناء مؤسسي خاضع للشروط السياسية والتاريخية التي أنتجته.

فـالرواية التي لا تصمد أمام القياس المنهجي، ولا تَثبت تواترًا، ولا تتماسك منطقًا، لا يجوز بحال أن تُنصَّب لتكون مدخلًا تعليميًا إلى الوحي، ولا أن تُستعمل كقاعدة في بناء العلم به، لأنها ببساطة ليست من طينته، ولا من سقفه، ولا من مائه. بل الواجب التربوي، والمسؤولية العلمية، والصدق الديني، كلّها تقتضي أن يُفهم القرآن من ذاته، وأن يُنظر إلى الوعد الإلهي بحفظه كحقيقة لا تحتاج إلى حكاية تُجملها، بل وعي نقدي يحرّرها من كل ما لُصق بها زورًا من باب المنهج.

وإلا، فإننا – دون أن نُدرك – نكون قد صنعنا باسم العلم بابًا حجريًا يمنع

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )