من العهد الجديد إلى تجديد العهد: المغرب ورهان تسريع الدولة في أفق رؤية 2030

نجيب الأضادي

 

منذ أول خطاب للعرش في العهد الجديد، تبلورت ملامح مشروع وطني عميق لا يقوم فقط على تدبير المرحلة، بل على إعادة هندسة شاملة لأسلوب اشتغال الدولة. مشروع استراتيجي سبقته رؤية، وتلاه تخطيط، واستند إلى وعي مبكر بأن الزمن الدولي تغير، وأن من لا يراجع أدواته ومؤسساته سيُستبعد من معادلات التأثير.

 

لقد كان الرهان المركزي هو تجديد الشرعيات الناظمة لمؤسسات الدولة، ليس من باب الترف السياسي، بل من منطلق الضرورة التاريخية. شرعيات قادرة على إعادة تعريف وظائف الدولة، وتحديث تدخلاتها الداخلية، وتعزيز تموقعها الخارجي، في عالم تحكمه عولمة الاقتصاد، وتسارعت فيه ثورات المعرفة والتكنولوجيا.

 

في هذا السياق، انصب التفكير ، ولا يزال على تحصين الدولة المغربية من تقلبات الزمن، ومن فخاخ الجغرافيا السياسية، ومن مكائد المصالح المتحركة، سواء الصادرة عن خصوم معلنين أو عن “أصدقاء” ظرفيين. ومن هنا جاءت قرارات سيادية كبرى، جوهرها إعادة بناء القوة الاستراتيجية الشاملة للدولة. قوة سياسية، واقتصادية، وأمنية، ودبلوماسية، ورمزية.

 

وبكل موضوعية، يشهد العالم اليوم أن المغرب لم يعد فاعلا هامشيا، بل رقما صعبا في معادلات دولية معقدة. فقد راكم، خلال 26 سنة، تجربة غنية عبر مسارات متعددة: من عمقه العربي، إلى أفقه المغاربي، إلى انخراطه المتوسطي، مرورا بشراكات متقدمة مع أوروبا والولايات المتحدة، وانفتاح وازن على الصين وروسيا والهند، وصولا إلى ترسيخ عمقه الاستراتيجي الإفريقي كخيار ثابت لا ظرفي عبر المبادرة الملكية الأطلسية.

 

إنها 26 سنة من التموقع الذكي، استطاع خلالها المغرب أن ينزل بكل ثقله الاستراتيجي، وأن يراكم أوراقا تفاوضية رابحة، مكنته من الدفاع عن قضاياه الحيوية من مواقع قوة، لا من مواقع رد الفعل. وهو مسار تم تحت قيادة الملك محمد السادس، التي راهنت على الاستباق بدل الانتظار، وعلى المبادرة بدل التردد.

 

غير أن مسار التحديث لم يكن معبدا. فقد اصطدم، ولا يزال، بمقاومات داخلية اعتادت منطق الجمود، وتخشى من تسريع الإيقاع. لكن منطق التاريخ واضح، لا تقدم دون صراع، ولا تحديث دون كلفة. والتحدي الحقيقي اليوم لم يعد في وضوح الرؤية، بل في توحيد السرعة بين مختلف مكونات الدولة والمجتمع، حتى لا تظل بعض القطاعات تعيش زمنا متأخرا داخل دولة تسابق الزمن.

 

من هنا تبرز أهمية رؤية 2030، ليس كشعار، بل كأفق عملي يفرض جعل المغرب يسير بسرعة واحدة. إدارة فعالة، اقتصاد منتج، عدالة ناجعة، تعليم مؤهل، واستثمار في الإنسان باعتباره جوهر كل إصلاح. فبناء قوة الدولة ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لاستنهاض أحوال الأمة، وفي القلب منها بناء الإنسان المغربي المواطن: الواعي، المنتج، المنخرط، والمؤمن بمشروعه الوطني.

 

إن تجديد العهد اليوم لا يعني القطيعة مع العهد الجديد، بل تعميقه وتسريعه. لأن الزمن لا ينتظر المترددين، والمغرب اختار، منذ 1999، أن يكون في صف الدول التي تصنع موقعها، لا التي تشتكي منه.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )