المساء اليوم – هفتي ضرار
تستعد جمعيات وهيآت اسبانية لتنظيم تحرك في اتجاه مدينة سبتة المحتلة، بالتزامن مع تعبئة في عدد من المدن الإسبانية تحت شعارات تؤكد على “إسبانية وأوربية سبتة”.
ولا يبدو هذا التحرك مجرد مبادرة شعبية للتعبير عن موقف سياسي، بل يحمل دلالة تتجاوز حدود التظاهر، لأن انتقال ملف سبتة من المنابر السياسية والإعلامية إلى الشارع يفتح الباب امام دينامية جديدة يصعب التحكم في مآلاتها.
ويرى مراقبون أن السيادة ليست مجرد شعار يُرفع في تجمع، ولا قضية تعيش داخل المؤسسات والخرائط فقط. وعندما ترتبط السيادة بالذاكرة الوطنية، تتحول إلى قضية وجدان. لذلك فان نقل ملف سبتة إلى مستوى التعبئة الشعبية الإسبانية قد ينتج أثرا عكسيا، عبر إعادة القضية بقوة إلى الوعي الشعبي المغربي ومنح ملف المدينتين المحتلتين زخما جديدا داخل النقاش الوطني.
ومن هذه الزاوية، تستعيد الذاكرة المغربية واحدة من أكثر لحظاتها رسوخا. المسيرة الخضراء سنة 1975 التي شكلت نموذجا تاريخيا لقدرة التعبئة الشعبية السلمية على التحول إلى قوة سياسية في قضية مرتبطة بالسيادة والوحدة الترابية. وليس استحضارها اليوم دعوة الى تكرار تجربة 1975 حرفيا، فالمغرب اليوم ليس مغرب 1975، والبيئة الدولية والاقليمية تغيرت، كما تغيرت أدوات ادارة الملفات السيادية. لكن الثابت هو أن روح التعبئة الوطنية لا تختفي بمجرد تغير الأدوات السياسية.
ويبدو أن مدريد لا تقرأ المشهد بما هو أبعد من حجم أي مسيرة محتملة أو عدد المشاركين فيها. فإذا تحولت سبتة من ملف تديره المؤسسات الإسبانية إلى عنوان لتعبئة في الشارع الإسباني، فقد تنتقل بصورة موازية من ملف سياسي إلى قضية تعبئة في الشارع المغربي. وقد لا يبدأ ذلك بقرار حكومي، بل من الإعلام والفعاليات المدنية والنقاشات الشعبية والحملات الرقمية، ثم يتوسع بحسب طبيعة الاستفزاز وحجمه.
كما أن السلطات الإسبانية والمؤسسات المكلفة بالأمن والاستخبارات تدرك، بحكم طبيعة الملف، حساسية سبتة ومليلية في العلاقات المغربية الإسبانية. ولذلك فإن الانتقال من الخطاب السياسي إلى التعبئة الميدانية لا ينبغي أن يقاس بحجم الحدث فقط، بل بما يمكن أن ينتجه بعد انتهائه. فالسؤال الحقيقي ليس كم شخصا سيشارك، بل ماذا يمكن أن تنتجه المسيرة داخل المجال السياسي والاجتماعي المغربي.
وهنا يظهر فارق عميق في المرجعيات الرمزية والسياسية. فالمغربي لا يتعامل مع الملكية باعتبارها مؤسسة سياسية فقط، بل ينظر الى جلالة الملك، أمير المؤمنين، باعتباره رمزا للوحدة والاستمرارية ومرجعية وطنية جامعة. وتجدد البيعة لجلالة الملك في مختلف المناسبات والمواعيد الوطنية يعكس، في الوعي المغربي، علاقة تتجاوز الحسابات الانتخابية الظرفية، وتستند الى التاريخ والشرعية والرمزية الدينية والوطنية.
وفي المقابل، فإن جزءا من المشهد السياسي الإسباني المعاصر يتحرك داخل منطق مختلف، تحكمه المنافسة الحزبية والاستحقاقات الانتخابية والاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية، في مجتمع أوربي شديد الارتباط بالماديات وبالتحولات السياسية المتسارعة. ولذلك لا ينبغي مقارنة آليات التعبئة في المجتمعين وكأنها تنطلق من المرجعية نفسها، فلكل مجتمع تاريخه السياسي ورموزه وطريقة تشكل وعيه الوطني.
ومن هنا، فان “تمغربيت” ليست ظاهرة موسمية تنتظر حدثا خارجيا كي تظهر، وليست مجرد شعار عاطفي. إنها جزء متجذر من الذاكرة الوطنية المغربية ومن الوعي المرتبط بالسيادة والوحدة الترابية. ولهذا فإن نقل قضية سبتة إلى الشارع الاسباني قد تكون له نتيجة غير محسوبة: نقل القضية نفسها إلى الشارع المغربي ولكن بزخم مختلف.
وعندما تصل القضايا السيادية الى الشارع، فان الامر لا يعود مجرد مواجهة بين شعارات، بل يتحول الى معركة روايات وذاكرة ووعي. ومن ينجح في التأثير في وعي الأجيال الجديدة وتثبيت روايته التاريخية والسياسية، يراكم ورقة استراتيجية تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة.
ولهذا لا ينبغي الخلط بين استحضار المسيرة الخضراء والقول إن المغرب يتجه إلى تنظيم “مسيرة خضراء ثانية”. لا توجد دعوة إلى ذلك، ولا يمكن تحويل الرمز التاريخي إلى توقع سياسي.
المغرب دولة مؤسسات، والملفات السيادية الكبرى تدار بحسابات دقيقة وبادوات دبلوماسية وسياسية وأمنية متعددة. لكن الدولة، في الوقت نفسه، لا تستطيع تجاهل قوة الذاكرة الوطنية عندما تتحول قضية السيادة إلى موضوع تعبئة شعبية في الطرف المقابل.
فالمسألة ليست مسألة أعلام تُرفع في الشوارع فقط، بل رسائل سياسية متبادلة. وكلما ارتفع سقف التعبئة الإسبانية حول سبتة، ارتفع احتمال إعادة طرح ملف المدينتين المحتلتين بقوة اكبر داخل المجال العام المغربي. وقد يتحول حدث كان منظموه يريدونه تعبيرا عن تثبيت الوضع القائم إلى عامل يعيد فتح النقاش حول هذا الوضع نفسه.
وهنا يكمن الخطأ الاستراتيجي المحتمل. فإذا كان الهدف من التعبئة الإسبانية هو إثبات أن سبتة “اسبانية واوروبية” واغلاق باب النقاش حولها، فقد تنتج التعبئة نتيجة معاكسة. لأن رفع سقف الخطاب في إسبانيا قد يدفع إلى رفع مستوى النقاش في المغرب، سياسيا وإعلاميا وشعبيا، حول مستقبل المدينتين.
وهذا لا يعني الدعوة إلى التصعيد، بل قراءة منطق التفاعلات السياسية. فالملفات السيادية الحساسة لا تدار دائما بمنطق الفعل المنفرد، لأن كل فعل رمزي قد ينتج فعلا مقابلا، وكل تعبئة وطنية في طرف قد تستدعي تعبئة مضادة في الطرف الآخر.
سبتة ومليلية بالنسبة إلى المغرب ليستا مجرد نقطتين على الخريطة، بل جزء من ملف تاريخي وسيادي ظل حاضرا في الوعي الوطني المغربي عبر أجيال. ولذلك فإن التعامل مع القضية باعتبارها مجرد خلاف سياسي عابر قد يكون قراءة ناقصة لطبيعة الملف وعمقه داخل الذاكرة المغربية.
المغرب تغير، والعلاقات المغربية الاسبانية تغيرت، كما تغيرت أدوات إدارة الملفات السيادية. لكن الذاكرة الوطنية لم تتغير بالسرعة نفسها. وقد تستطيع مدريد إدارة مسيرة في شوارعها وضبط المجال الميداني الذي يوجد تحت سلطتها، لكنها لا تستطيع إدارة كل ما قد تنتجه تلك المسيرة في الوعي المغربي.
لذلك قد لا تكون هناك مسيرة خضراء ثانية بالمعنى الحرفي، لكن روح المسيرة الخضراء، باعتبارها رمزا للتعبئة الشعبية السلمية حول قضايا السيادة والوحدة الترابية، يمكن أن تعود إلى واجهة النقاش كلما تحولت قضية وطنية حساسة إلى موضوع تعبئة في الطرف المقابل.
و قد يكون السؤال الذي ينبغي أن تطرحه مدريد ليس فقط كيف نضبط المسيرة… بل السؤال الأهم هو ماذا سيحدث في المغرب بعد انتهاء المسيرة؟ فالمسيرة قد تستمر لساعات، أما تداعياتها السياسية والرمزية فقد تمتد لسنوات.

