Close Menu
  • من نحن !
  • اتصل بنا

اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً

اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

اختيارات المحرر

الإعلام الإسباني و”داعش”: من أزمة سبتة إلى استحضار المؤسسات الأمنية والاستخباراتية المغربية

أكتوبر 4, 2026

فضيحة أخرى: عمدة طنجة مورّط مع وزير إسباني في خرق قوانين التعمير

أكتوبر 4, 2026

من قلب القاهرة.. “أشبال” المغرب ينتزعون تذكرة الكان بثنائية في شباك “الفراعنة”

أكتوبر 4, 2026
فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
الأحد, أكتوبر 4, 2026
  • من نحن !
  • اتصل بنا
فيسبوك X (Twitter) الانستغرام RSS
ALMASSAA ALYOUM المساء اليومALMASSAA ALYOUM المساء اليوم
إشترك الآن
  • سياسة
  • تقارير
  • مجتمع
  • رياضة
  • اقتصاد
  • جهات
  • رأي
  • ثقافة وفن
  • منوعات
  • المساء TV
ALMASSAA ALYOUM المساء اليومALMASSAA ALYOUM المساء اليوم
الرئيسية

الإعلام الإسباني و”داعش”: من أزمة سبتة إلى استحضار المؤسسات الأمنية والاستخباراتية المغربية

المساء اليومالمساء اليومأكتوبر 4, 2026آخر تحديث:أكتوبر 4, 2026لا توجد تعليقات13 دقائق
شاركها
فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

هفتي ضرار

 

 

لم تعد قصة سبتة في الإعلام الإسباني مجرد قصة هجرة جماعية أو تدفق مفاجئ للقاصرين، بل تحولت تدريجيا إلى سردية أمنية وسياسية متصاعدة، انتقلت من الحديث عن الحدود والهجرة إلى الحديث عن التخطيط والتنظيم، ثم إلى «الغزو» والكمائن والهجمات والمولوتوف، قبل أن تصل إلى استحضار المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية المغربية.

 

 

وهنا تحديدا تبدأ المسألة التي تستحق التحقيق، ليس فقط في ما وقع على الأرض، وإنما أيضا في الطريقة التي جرى بها تحويل الحدث إلى سردية متكاملة، بحيث يصبح كل تطور جديد حلقة إضافية في بناء صورة تهديد أكبر من الواقعة الأصلية.

 

 

هذه الآلية تذكر بمفهوم «إدارة التوحش» الذي ظهر في أدبيات التنظيمات الجهادية، والقائم على استثمار الفوضى والخوف وتصعيد الإحساس بالتهديد، غير أن استعمال هذا المفهوم هنا لا يعني أن الإعلام الإسباني أو الدولة الإسبانية «تتلمذ» فعليا على تنظيم داعش، ولا يثبت وجود تنسيق أو تبن مباشر لأفكاره، وإنما يتعلق بتحليل طريقة صناعة السردية وتراكم مفردات الخوف والتهديد.

 

 

والمثير أن هذه السردية لم تبدأ مع آخر التطورات، بل تطورت منذ الساعات الأولى للأزمة، حين انتقل الخطاب من توصيف ما حدث إلى البحث عن جهة تقف وراءه، ثم إلى الحديث عن التخطيط المسبق، والضغط السياسي، ودور أطراف مغربية محتملة.

 

 

فقد أشار تقرير للشرطة الإسبانية، أعده المركز الوطني للمعلومات والحدود، إلى أن دخول الآلاف إلى سبتة يومي 30 و31 يوليو لم يكن مجرد حركة عفوية، بل تحدث عن تنظيم مسبق وعمليات توجيه نشطة، وربط ذلك بإمكانية استخدام تخفيف مراقبة الحدود كأداة ضغط سياسي.

 

 

لكن مدير الشرطة الإسبانية فرانسيسكو باردو أوضح لاحقا أن التقرير لم ينسب التخطيط والتنفيذ إلى أجهزة الأمن المغربية، وأن هوية الجهة التي تقف وراء التنظيم لم تكن محسومة.

 

 

وفي تطور لاحق، تحدثت النيابة العامة لدى المحكمة الوطنية الإسبانية عن معطيات تشير إلى أن أجزاء مهمة من التخطيط والتعبئة واللوجستيك والنشر الرقمي وربما التوجيه الاستراتيجي للعملية تمت من الأراضي المغربية، مع فتح التحقيق في عدد من الاحتمالات الجنائية.

 

 

ثم جاءت القاضية ماريا تاردون لتفتح تحقيقا قضائيا، متحدثة عن وجود إدارة وتسهيل واضحين للعمليات من الجانب المغربي، في حين بقيت طبيعة المسؤوليات النهائية موضوعا للتحقيق القضائي.وهو مافسره العديد من المتابعين للملف بأنه مسيس

 

 

وهكذا لم يعد الأمر يتعلق فقط بمئات أو آلاف الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة، وإنما بدأ الحدث يأخذ شكلا أمنيا وسياسيا أكثر تعقيدا، تتداخل فيه الهجرة مع الحدود، والحدود مع الضغط السياسي، والضغط السياسي مع أجهزة الأمن والاستخبارات.

 

 

ثم جاءت المرحلة الثانية من السردية، وهي الأكثر حساسية، عندما بدأت وسائل إعلام إسبانية تتحدث عن تصاعد الهجمات على عناصر الجيش والشرطة، وعن كمائن واعتداءات واستخدام زجاجات مولوتوف وأدوات حارقة.

 

 

وتحدثت تقارير إعلامية عن سلسلة من الهجمات ضد العسكريين في سبتة منذ أحداث 30 يوليو، وربطت بعضها بما وصفته بحالة توتر متزايدة داخل المدينة.

 

 

وفي 30 سبتمبر، تحدثت تقارير عن 13 اعتداء خطيرا على العسكريين منذ بداية الأزمة، مع الإشارة إلى تعرض دوريات لهجمات وكمائن، من بينها حادثة في منطقة بنزو، إضافة إلى استخدام أدوات حارقة.

 

 

وبذلك بدأت صورة الحدث تتغير مرة أخرى، من أزمة هجرة إلى مشهد أمني يوحي بوجود بيئة منظمة للعنف.

 

 

وهنا تظهر قوة السردية.

فالحدث الأول يمكن أن يكون محددا زمنيا ومكانيا، لكن عندما يتم ربطه بسلسلة من الوقائع اللاحقة، يصبح لدى الرأي العام انطباع بأن كل هذه الوقائع جزء من عملية واحدة متصلة.

 

 

وفي هذا السياق ظهرت تقارير أكثر إثارة للجدل، تحدثت عن وثائق عسكرية «سرية» تزعم وجود 72 عسكريا مغربيا في سبتة، بينهم 50 من أفراد القوات المسلحة و22 مرتبطون بأجهزة استخباراتية مغربية، إضافة إلى الحديث عن أشخاص قيل إنهم شاركوا في تنسيق العملية.

 

 

هذه المعطيات نقلتها وسائل إعلام إسبانية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق قضائية نهائية ما لم يتم نشر الوثائق كاملة والتحقق منها من مصادر رسمية مستقلة.

 

 

وفي 30 سبتمبر، تحدثت صحيفة «إل إسبانيول» عن توجه الحزب الشعبي إلى طلب تقارير من وزارة الدفاع داخل لجنة الأسرار الرسمية، على خلفية هذه المعطيات، وربطت مصادر سياسية بين تلك التقارير وبين فرضية وجود عملية مخطط لها ومنسقة.

 

 

لكن هذه المعطيات تبقى في إطار التقارير والادعاءات المنسوبة إلى مصادر أو جهات سياسية، ولا تعادل في حد ذاتها حكما قضائيا أو نتيجة تحقيق نهائي.

 

 

وفي موازاة ذلك، دفعت بعض وسائل الإعلام الإسبانية بسرديات أكثر خطورة، ذهبت إلى الحديث عن توجيه مزعوم للعملية من مستويات عليا في الدولة المغربية، بل حاولت جر اسم جلالة الملك محمد السادس ودوائر قريبة منه إلى قلب الرواية، غير أن هذه المزاعم، في حدود المعطيات المعلنة والمتاحة، لم تقدم لها أدلة قضائية معلنة تثبت صحتها، ولذلك فإن تقديمها للرأي العام باعتبارها حقائق مكتملة ينقل النقاش من الخبر إلى الاتهام، ومن التحقيق إلى صناعة سردية سياسية وأمنية.

 

 

وهنا بالضبط تتحول السردية إلى عامل قائم بذاته.

فكل معلومة جديدة لا تأتي دائما لتفسير الحدث الأصلي، وإنما قد تتحول إلى طبقة إضافية فوقه، بحيث تصبح الهجرة ضغطا، والضغط تخطيطا، والتخطيط عملية أمنية، والعملية الأمنية جزءا من مواجهة أوسع.

 

ومن الهجرة يصبح الحديث عن «الغزو»، ومن الغزو يظهر الحديث عن الكمائن، ومن الكمائن يظهر الحديث عن المولوتوف، ومن المولوتوف يصل النقاش إلى الجيش والاستخبارات.

 

 

وهذه هي النقطة التي تجعل المقارنة مع مفهوم «إدارة التوحش» جديرة بالنقاش، باعتبارها آلية لتحليل تصعيد الخوف وتوسيع نطاق التهديد، وليس باعتبارها دليلا على علاقة مباشرة بين الإعلام الإسباني والتنظيمات الجهادية.

 

 

ففي أدبيات التنظيمات الجهادية، يصبح الخوف جزءا من المعركة، لأن تضخيم الشعور بالفوضى يمكن أن يكون أكثر تأثيرا من الحدث نفسه.

 

 

وفي الإعلام، يمكن أن تنتقل الواقعة من خبر محدود إلى قصة أكبر عندما تتكرر مفردات معينة، وتتراكم صور العنف والخطر، ويتم ربط الأحداث المتفرقة ضمن إطار واحد.

 

 

وهنا تستعاد العبارة الشهيرة «اكذب، اكذب، حتى يصدقك الناس»، المنسوبة على نطاق واسع إلى غوبلز، مع أن نسبتها التاريخية الدقيقة محل خلاف، ولذلك فإن الأهم ليس صحة الاقتباس بقدر ما يمثله من فكرة عن قوة التكرار في صناعة الانطباع العام.

 

 

فالمشكلة ليست دائما في وجود معلومة كاذبة صريحة، بل يمكن أن تكون أيضا في اختيار زاوية واحدة للحدث، ثم إعادة إنتاجها بشكل متكرر إلى أن تصبح هي الإطار الوحيد الذي يقرأ من خلاله الجمهور الوقائع الجديدة.

 

والأهم أن التاريخ الإسباني نفسه يقدم أمثلة على خطورة الرواية الأولى في القضايا الأمنية الكبرى.

 

ففي يوليو 2002 اندلعت أزمة جزيرة ليلى أو بيريخيل بين المغرب وإسبانيا، وانتهت بتدخل عسكري إسباني وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة.

 

 

وبعد ذلك بعامين، كان رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك خوسيه ماريا أثنار في قلب خطاب سياسي وأمني شديد الحساسية تجاه المغرب وسبتة ومليلية.

 

فقد زار مليلية في 2 مارس 2004، ثم زار سبتة في 3 مارس، أي قبل تفجيرات مدريد بثمانية أيام فقط.

 

 

وكانت تصريحات وزير الدفاع الإسباني فيديريكو ترييو بشأن جزيرة ليلى قد أثارت قبل ذلك توترا سياسيا مع المغرب، فيما تحركت وزيرة الخارجية آنا بالاثيو لاحتواء الأزمة.

 

 

ثم جاءت تفجيرات مدريد في 11 مارس 2004 لتفتح طبقة أخرى من الذاكرة الأمنية.

 

ففي ذلك اليوم استهدفت سلسلة من التفجيرات قطارات الضواحي في مدريد، وأسفرت عن مقتل 191 شخصا وإصابة أكثر من 1800 آخرين، لتصبح العملية واحدة من أكبر الهجمات الإرهابية في تاريخ إسبانيا الحديث.

 

 

وكانت السردية الأمنية المرتبطة بالإرهاب حاضرة بقوة في إسبانيا قبل التفجيرات، كما كانت تهديدات تنظيم القاعدة ضد إسبانيا معروفة لدى الأجهزة الإسبانية في سياق ما بعد هجمات 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب، وهو ما جعل الإرهاب الجهادي جزءا من المشهد الأمني والسياسي قبل 11 مارس نفسه.

 

 

لكن المفارقة الكبرى ظهرت في الساعات الأولى التي أعقبت تفجيرات مدريد.

فقد اتجهت الحكومة الإسبانية وأجهزتها في البداية إلى فرضية تورط منظمة إيتا، بل إن تقريرا أوليا للمركز الوطني للاستخبارات في يوم الهجمات قال إن إيتا هي المسؤول شبه المؤكد، قبل أن تتوالى المعطيات التي دفعت التحقيق نحو المسار الجهادي.

 

 

وبعد ظهور مؤشرات أخرى، بينها العثور على مواد مرتبطة بخط جهادي، ثم ظهور تسجيل يتضمن تبنيا باسم تنظيم القاعدة، تغير مسار الرواية بصورة متسارعة.

 

 

وهكذا فإن 11 مارس 2004 يقدم مثالا تاريخيا داخل إسبانيا نفسها على أن الرواية الأولى للحدث الأمني يمكن أن تتقدم على اكتمال التحقيق، وأن السردية التي تفرض نفسها في الساعات الأولى قد تخضع لاحقا لتغيير جذري تحت ضغط الأدلة.

 

 

وهنا تصبح العودة إلى أثنار أكثر دلالة، لأن زيارته إلى سبتة في 3 مارس 2004 جاءت قبل التفجيرات بثمانية أيام فقط، في سياق سياسي وأمني كان الإرهاب فيه حاضرا بقوة في الخطاب العام الإسباني.

 

 

ولا يعني ذلك أن أثنار كان يتحدث عن تفجيرات مدريد قبل وقوعها أو أنه كان يعرف بما سيحدث، وإنما يعني أن الخطاب السياسي والأمني الذي سبق 11 مارس كان قد وضع الإرهاب والتهديدات الأمنية داخل مركز الاهتمام العام.

 

 

وبعد سنوات، ارتبط اسم سبتة المحتلة والفنيدق في ملفات أمنية إسبانية ومغربية بشبكات تجنيد وإرسال مقاتلين إلى صفوف تنظيم داعش، وبرزت أسماء من المنطقتين في دعاية التنظيم.

 

 

وفي غشت 2014، برز اسم محمد حمدوش، المعروف باسم «كوكيتو»، المنحدر من الفنيدق والمرتبط بدعاية داعش، في الإعلام الدولي.

 

 

وفي فبراير 2016 أعلنت السلطات الإسبانية تفكيك خلية كانت تنشط بين سبتة والمغرب، وقالت إن العملية تمت بتنسيق بين الشرطة الوطنية الإسبانية والأجهزة الأمنية المغربية، وإن الشبكة كانت تعمل على التجنيد والاستقطاب والتطرف وإرسال أشخاص إلى صفوف داعش.

 

 

وهذه الوقائع التاريخية لا تعني بأي شكل من الأشكال أن أزمة الهجرة الحالية مرتبطة بتنظيم داعش أو بالإرهاب الجهادي، وإنما تفسر فقط لماذا تظل المنطقة محاطة بحساسية أمنية عالية في الذاكرة الإسبانية والمغربية.

 

 

لكن ذلك الإرث الأمني يمكن أن يصبح أيضا جزءا من طريقة قراءة أي أزمة جديدة، خصوصا عندما تكون مرتبطة بسبتة والفنيدق والهجرة والحدود.

 

 

إن ما يفسره هذا التاريخ هو أن سبتة ليست مجرد مدينة في الجغرافيا السياسية الإسبانية، بل نقطة تتقاطع فيها ملفات الهجرة والأمن والحدود والذاكرة العسكرية والعلاقات المغربية الإسبانية.

 

 

وهنا تكتمل طبقات الصورة.

فسبتة تحمل إرث أزمة بيريخيل، وتحمل ذاكرة زيارات سياسية إسبانية عالية المستوى، وتحمل كذلك ذاكرة الإرهاب الجهادي، ثم تعيش اليوم أزمة هجرة تحولت بسرعة إلى ملف أمني وسياسي.

 

وبين المدينتين توجد اليوم أزمة أخرى تتعلق بطريقة تفسير ما حدث، وبمن يملك حق تسمية الحدث وتحديد معناه.

 

 

وفي المقابل، توجد حقيقة أخرى يصعب تجاهلها، وهي أن التعاون الأمني المغربي الإسباني لم يتوقف، بل شهد خلال السنوات الماضية مستويات متقدمة من التنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.

 

 

وفي مارس 2026 أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن الشرطة الوطنية الإسبانية والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربي نفذتا منذ 2014 ما مجموعه 31 عملية مشتركة لمكافحة الإرهاب، أسفرت عن توقيف 150 شخصا، بينهم 83 في إسبانيا و67 في المغرب.

 

 

وفي يوليو 2026 استقبل عبد اللطيف حموشي وفدا رفيع المستوى من الحرس المدني الإسباني، برئاسة مفوض الاستخبارات لويس بيلايز بينييرو، في لقاء وصفته المصادر المغربية بأنه يعكس مستوى متقدما من الشراكة الأمنية والاستخباراتية بين البلدين.

 

وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف.

فالدولة المغربية التي تقدمها المؤسسات الإسبانية الرسمية في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود باعتبارها شريكا أمنيا أساسيا، يمكن أن تظهر في بعض التغطيات الإعلامية الإسبانية الأخرى باعتبارها جزءا من سردية التهديد.

 

 

وهذا التناقض لا يمكن فهمه فقط من خلال سؤال «من يقول الحقيقة؟»، بل يجب أيضا النظر إلى كيفية انتقال المعلومة من تقرير أمني إلى خبر صحفي، ومن خبر إلى عنوان، ومن عنوان إلى خطاب سياسي، ثم من خطاب سياسي إلى تصور عام للأزمة.

 

فحين تتكرر كلمات مثل «الغزو»، «الكمين»، «الهجوم»، «المولوتوف»، «الاستخبارات» و«التخطيط»، فإن القارئ لا يقرأ كل واقعة بشكل منفصل، بل يبدأ في استقبالها ضمن صورة واحدة متكاملة.

 

والسؤال الحقيقي هنا ليس فقط ماذا حدث في سبتة، وإنما كيف جرى بناء المعنى السياسي والأمني لما حدث.

 

 

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى 11 مارس 2004، ليس من أجل المقارنة بين تفجيرات مدريد وأزمة سبتة، فالفارق بين الحدثين هائل، وإنما لأن تاريخ إسبانيا نفسه يثبت أن الرواية الأمنية الأولى ليست دائما نهاية القصة.

 

 

وفي حالة سبتة اليوم، تكتسب المسألة دلالة أوسع، لأن طريقة تقديم الأحداث للرأي العام الإسباني قد تفرض إطارا أمنيا وسياسيا يتجاوز طبيعة الواقعة نفسها، وهنا تبرز صلة السؤال بمفهوم «إدارة التوحش»، حين تتحول الهجرة إلى أزمة، والأزمة إلى تهديد، والتهديد إلى سردية متصاعدة، بينما تبقى الوقائع الكاملة والتحقيقات الجارية هي الفيصل، بعيدا عن التوصيفات التي تسبق الأدلة أو تختزل المشهد في رواية واحدة.

 

 

ولهذا فإن إدخال اسماء المؤسسات الأمنية والاستخباراتية المغربية في أي سردية إعلامية حول سبتة يحتاج إلى تدقيق مضاعف، لأن هذه المؤسسات لا تنتمي إلى فراغ، بل ترتبط بعلاقات تعاون أمني معلنة مع إسبانيا.

 

 

أما استدعاء التاريخ الجهادي للمنطقة، فيجب أن يبقى في مكانه الصحيح. خلفية أمنية تاريخية تفسر حساسية الجغرافيا، وليس دليلا على أن كل أزمة هجرة تحمل بصمة إرهابية.

 

 

والمشكلة تبدأ عندما تختلط هذه المستويات، فيصبح التاريخ دليلا على الحاضر، ويصبح الحاضر تفسيرا للتاريخ، ثم يتم بناء استنتاجات جديدة على هذا الخلط.

 

ففي هذه الحالة، لا يعود الإعلام ناقلا للحدث فقط، بل يصبح جزءا من عملية إنتاج المعنى السياسي للحدث.

 

 

وهنا بالضبط تظهر أهمية مفهوم «إدارة التوحش» كأداة تحليلية، لا باعتبارها اتهاما مباشرا للإعلام الإسباني بالتبعية لداعش، وإنما باعتبارها سؤالا حول كيفية إدارة الخوف، وكيف يمكن لسلسلة من الوقائع المتفرقة أن تتحول إلى سردية واحدة متصاعدة.

 

 

فالتنظيمات الجهادية استخدمت العنف والخوف لإنتاج أثر سياسي ونفسي يتجاوز حجم العملية نفسها، بينما يمكن للإعلام والسياسة، في سياقات مختلفة تماما، أن يعيدا إنتاج الإحساس بالتهديد من خلال التغطية واللغة والصور وتكرار مفردات الخطر.

 

 

والفرق هنا جوهري. داعش استخدم العنف والإرهاب كأداة مباشرة، بينما يتعلق النقاش الإعلامي بطريقة صناعة السردية حول الخوف والتهديد، ولا يجوز مساواة الأمرين أو الخلط بينهما.

 

ومن هنا فإن أخطر ما في قصة سبتة ليس فقط ما وقع خلال أيام الأزمة، وإنما ما يمكن أن تبقى عليه القصة بعد انتهاء الحدث.

 

 

قصة تبدأ بالهجرة، ثم تصبح ضغطا، ثم تخطيطا، ثم «غزوا»، ثم هجمات وكمائن، ثم ملفا عسكريا واستخباراتيا، يمكن أن تنتج في النهاية واقعا سياسيا جديدا حتى لو بقيت بعض حلقاتها دون إثبات قضائي نهائي.

 

وعندما تصل السردية إلى هذه المرحلة، يصبح تصحيحها أكثر صعوبة من إطلاقها.

 

 

أما المعركة الحقيقية، فهي معركة من يملك القدرة على تعريف الحدث، ومن يحدد المفردات التي سيقرأ الجمهور من خلالها ما حدث.

 

 

وهذه ليست مسألة تخص سبتة وحدها، بل تتعلق بمستقبل العلاقات المغربية الإسبانية وبقدرة الإعلام على الفصل بين الخبر والتحليل، وبين التحقيق والاتهام، وبين الوقائع المثبتة والفرضيات التي ما زالت قيد البحث.

 

 

لقد تغيرت الأحداث، لكن السؤال بقي نفسه. هل نحن أمام وقائع تقود إلى السردية، أم أمام سردية يجري جمع الوقائع حولها؟

 

 

وفي نهاية المطاف، فإن التحقيق الحقيقي لا يبدأ من النتيجة التي يريدها الكاتب، وإنما من الوقائع التي يمكن إثباتها، ومن الوثائق التي يمكن التحقق منها، ومن الروايات المتعارضة التي يجب وضعها أمام القارئ دون إخفاء أو انتقاء.

 

 

لكن إلى أن تصل التحقيقات القضائية والأمنية إلى خلاصاتها النهائية إن كانت مسيسة ، ستظل المعركة الأكبر تدور حول شيء آخر. من سيكتب الرواية الأولى، ومن سيكررها، ومن سيجعلها تتحول من مجرد خبر إلى حقيقة راسخة في الوعي العام.

شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
السابقفضيحة أخرى: عمدة طنجة مورّط مع وزير إسباني في خرق قوانين التعمير

المقالات ذات الصلة

فضيحة أخرى: عمدة طنجة مورّط مع وزير إسباني في خرق قوانين التعمير

أكتوبر 4, 2026

من قلب القاهرة.. “أشبال” المغرب ينتزعون تذكرة الكان بثنائية في شباك “الفراعنة”

أكتوبر 4, 2026

استكمال هيكلة المجلس الوطني للصحافة بانتخاب رؤساء اللجان

أكتوبر 4, 2026
اترك تعليقاً إلغاء الرد

الأخيرة

شروط جديدة: وزارة الأوقاف تعلن بدء التسجيل الإلكتروني للحج للعام 2027

نوفمبر 27, 2025

مسؤولو ولاعبو الأهلي المصري.. قليلو تربية أم مرضى نفسانيون..؟!

يونيو 2, 2022

العرض يهدد النقل المغربي بأزمة حقيقية: 26 ألف سائق شاحنة مطلوب في إسبانيا

مارس 10, 2024

جريمة كبرى في امتحانات البكالوريا اسمها نقاط المراقبة المستمرة..!

يوليو 9, 2024
أخبار خاصة
الرئيسية أكتوبر 4, 2026

الإعلام الإسباني و”داعش”: من أزمة سبتة إلى استحضار المؤسسات الأمنية والاستخباراتية المغربية

هفتي ضرار لم تعد قصة سبتة في الإعلام الإسباني مجرد قصة هجرة جماعية…

فضيحة أخرى: عمدة طنجة مورّط مع وزير إسباني في خرق قوانين التعمير

أكتوبر 4, 2026

من قلب القاهرة.. “أشبال” المغرب ينتزعون تذكرة الكان بثنائية في شباك “الفراعنة”

أكتوبر 4, 2026
إتبعنا
  • Facebook
  • YouTube
  • TikTok
  • WhatsApp
  • Twitter
  • Instagram
الأكثر قراءة
Demo
  • سياسة
  • تقارير
  • مجتمع
  • رياضة
  • اقتصاد
  • جهات
  • رأي
  • ثقافة وفن
  • منوعات
  • المساء TV
  • الرئيسية
  • اتصل بنا
  • من نحن !
الأكثر مشاهدة

شروط جديدة: وزارة الأوقاف تعلن بدء التسجيل الإلكتروني للحج للعام 2027

نوفمبر 27, 2025

مسؤولو ولاعبو الأهلي المصري.. قليلو تربية أم مرضى نفسانيون..؟!

يونيو 2, 2022

العرض يهدد النقل المغربي بأزمة حقيقية: 26 ألف سائق شاحنة مطلوب في إسبانيا

مارس 10, 2024
اختيارات المحرر

الإعلام الإسباني و”داعش”: من أزمة سبتة إلى استحضار المؤسسات الأمنية والاستخباراتية المغربية

أكتوبر 4, 2026

فضيحة أخرى: عمدة طنجة مورّط مع وزير إسباني في خرق قوانين التعمير

أكتوبر 4, 2026

من قلب القاهرة.. “أشبال” المغرب ينتزعون تذكرة الكان بثنائية في شباك “الفراعنة”

أكتوبر 4, 2026

مع كل متابعة جديدة

اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً

© 2026 جميع الحقوق محفوظة.
  • من نحن !
  • اتصل بنا

اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter