المساء اليوم – هيئة التحرير:
بدأت الحكاية وانتهت مثل فيلم قصير، فيلم رعب بشخصية واحدة وعدد كبير من الكومبارس، لكن بنهاية سعيدة.
انتهت الحكاية كما كان يرجو ويتوقع كل المغاربة، بتدخل ملكي أعاد الأمور إلى نصابها وكرّس ثقة المغاربة في المؤسسة الملكية، التي تضع الحدود واضحة بين الجدّ واللعب.
حين صدر بلاغ الديوان الملكي حول “حكاية مديحة”، كان ذلك تكريسا لمبدأ واضح، وهو أن المؤسسة الملكية لا يمكن أن تسمح بأي عبث يمس سمعة البلاد ويحول هيآتها المنتخبة إلى مضغة على ألسن السوء.
لكن في طيّ هذه الحكاية الكثير مما يجب تذكّره والتذكير به، حتى لا تتكرر مرة أخرى، وحتى لا تتحول الأحزاب إلى مسخرة، إن لم تكن صارت كذلك منذ زمن بعيد.
فعندما تفجرت فضيحة “الصّاك” الانتخابي بطنجة في اقتراع 23 شتنبر الماضي، وحتى قبل أن يأخذ القانون مجراه، بادر حزب “الأصالة والمعاصرة”، إلى إصدار بيان ناري يعتبر فيه ما جرى مؤامرة خارجية ضد الحزب، ويتهم خصومه بتدبير المقالب للإساءة للحزب و”مناضليه”، قبل أن يحدث ما حدث، ويتبين أن عمدة طنجة منير ليموري ومن معه، غارقون في الفضيحة حتى الأذنين، ويُصدر الحزب بعدها بيانا ثانيا يعترف فيه بالجرم المشهود ويجمّد عضوية العمدة في صفوفه.
في ملف العمدة، كان القانون حاضرا بقوة، بعيدا عن البيانات العنترية والتصريحات الحزبية الطفولية، وأخذ الموضوع مجراه الطبيعي، في ملف تناقلته وسائل الإعلام العالمية، حتى خجلنا من أنفسنا وانتخاباتنا.
وهذه المرة مع حزب الاستقلال، الشريك الرئيسي في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، مع وزيرة تبين أنها من “أصحاب السوابق” ومريضة نفسيا، بشهادة طبيبها الخاص.
ومثلما حدث في الملف الأول، أطلق “الذباب” حملة واسعة للتضامن مع الوزيرة الاستقلالية، مديحة خيير، واعتبر ما حدث هجوما على المرأة عموما، وهجوما على الكفاءات ثانيا، وكأن المغرب، بقرابة 15 مليون امرأة، لا توجد فيه غير هذه المرأة “الكفؤة”..!
أما حزبها فقد قرر بلع لسانه، في انتظار هدوء العاصفة، لكن العاصفة لم تهدأ، بل كبرت وكبرت، لأن ما حدث إهانة حقيقية لعقول الناس، وإهانة للنساء المغربيات أيضا.
أن يتم استوزار امرأة أو رجل بماضٍ، فهذا شيء، وأن يتم استوزار امرأة متهمة بالتزوير والسرقة ومصابة بأمراض نفسية مع محاولات انتحار، فهذا شيء آخر.
هناك من فضل الحديث عن التقادم في ملف مديحة خيير، وهو تقادم قد يكون مقبولا قانونيا، لكنه لا يمكن أن يكون كذلك سياسيا وإنسانيا. فهذه المرأة ثبت أنها “نشلت” بطاقة تعريف طبيبة واستخرجت بها دفتر شيكات وسحبت بها أموالا من حساب الضحية واحتالت على باعة مجوهرات، وربما على غيرهم.
ولكي تفلت من المتابعة، استخرجت شهادة طبية “تثبت” أنها لا تتحمل مسؤولية أفعالها، وأنها تشكل خطرا على نفسها وعلى الآخرين، وأنها أقدمت على محاولتي انتحار، و في هذه الحالة بالضبط تتشابه مع حالة عمدة طنجة البامي، الذي ذكرت مصادر صحافية إسبانية أنه أقدم مرتين على محاولة “الانتحار” في سجن طنجة..!
وسواء في عملية النصب، أو في المرض النفسي أو محاولات الانتحار، استمر كثيرون يدافعون عن “الست مديحة” ويعتبرون ما حدث هجوما على المرأة المغربية..!
والأسوأ من كل هذا أن كثيرين اعتبروها ابنة عائلة “عريقة”، فقط لأن والدها برلماني وشقيقها برلماني، وهي أيضا كانت برلمانية، وهذا في حد ذاته ما جعلنا نضع أيدينا على قلوبنا خوفا على هذه البلاد.
لا مشكلة للمغاربة مع مديحة، وما حدث لها يمكن اعتباره متقادما من الناحية القانونية، لكنه لا يمكن أبدا أن يكون كذلك على المستوى السياسي والحكومي، لذلك كان من الأنسب أن تنتهي هذه الحكاية بسرعة ويتم تعيين امرأة أخرى في هذا المنصب، حتى لا يتسع الخرق على الراقع، وتتحول بلادنا إلى مضغة في “فم اللّي يسْوى واللّي ما يسواش”، فسمعة البلاد لا تحتمل هذا العبث.
هكذا جاءت النهاية السعيدة ببلاغ للديوان الملكي، بلاغ وضع النقط والحروف معا، وأوصل رسالة واضحة جدا إلى الأحزاب والسياسيين مفادها: لا مجال لإدخال البلاد في متاهات حزبية وسياسية ضيقة، فالمملكة أكبر من الجميع، وفوق الجميع.

