المساء اليوم – مصطفى قنبوعي:
في مكان لا يبعد كثيرا عن ضجيج المحمدية، وبين المنصورية وبنسليمان، توجد غابة يعرفها الجميع باسم غابة 33، واسمها الرسمي غابة النفيفيخ.
غابة كبيرة، تبدو هادئة من بعيد، يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، الداخل إليها مفقود.. والخارج منها مولود.
الغابة تقع في قلب محور حساس، على بعد مسافة قصيرة جدا من الملعب الكبير الذي سيستقبل العالم في مونديال 2030. ومع ذلك، ظلت لسنوات طويلة غابة منسية، بلا تهيئة حقيقية، وبلا مشروع يحولها إلى مكان يليق بموقعها، حتى تحولت إلى غابة موحشة، بكل ما في الكلمة من معنى.
ثم جاء يوم الاثنين 2 نونبر، ليتغير كل شيء.
اختفاء غامض
حسبما تم تداوله على نطاق واسع، اختفى شابان من أبناء المحمدية، لا يتجاوز عمرهما العشرين سنة، منذ يوم السبت الماضي. عائلتاهما بدأتا البحث، وأصدقاؤهما بدأوا يسألون. لا أحد كان يعرف أين اختفيا، إلى أن جاء الخبر الصادم. تم العثور عليهما داخل غابة 33، وقد فارقا الحياة.
هذا الخبر نزل كالصاعقة على المحمدية والمنصورية. شابان في مقتبل العمر يخرجان ولا يعودان. عائلتان تنتظران جوابا واحدا: ماذا حدث لولدينا؟

ما الذي قيل بعد ذلك..؟
بعد العثور عليهما، أو على جثتيهما، انتشرت روايات كثيرة، بعضها تحدث عن شبهة جنائية، وبعضها ربط الواقعة بعالم المخدرات، وبعضها تحدث عن أشخاص كانوا معهما. بل تحدثت بعض المصادر عن آثار تعذيب على جثتي الضحيتين، وأن أحدهما كان مبتور اليد.
لكن الحقيقة هي أن كل هذه الروايات تبقى مجرد كلام متداول، إلى أن تقول النيابة العامة والتشريح الطبي كلمتهما، فالتشريح الطبي هو وحده الذي سيحدد كيف مات الشابان، ومتى، وهل كان ذلك بفعل فاعل أم لا. وأي كلام قبل ذلك، هو مجرد تخمين قد يظلم الأموات ويؤلم الأحياء.
تحرك كبير في الغابة
الساعات التي تلت الفاجعة شهدت تحركا أمنيا غير مسبوق في الغابة. عناصر كثيرة من الدرك الملكي، مدعومة بالقوات المساعدة، دخلوا الغابة، ومعهم كلاب مدربة وطائرات صغيرة للمراقبة، وحسب المشاهد التي تم تداولها، بدت الغابة وكأنها قطعة منسية من العصور الغابرة وسط مدن تضج بالحياة.
خلال هذه العملية تم العثور على أكواخ وخيام بلاستيكية داخل الغابة، وتم حجز كميات من المخدرات والخمور، والعثور على دراجات وسيارات مهجورة.. ومشبوهة. كما تم توقيف بعض الأشخاص للاشتباه في ارتباطهم بالقضية، ووضعهم تحت تدابير البحث.
هذه المعطيات، إن صحت، تطرح سؤالا كبيرا: كيف وصلت الغابة إلى هذا الوضع. غابة بين المحمدية وبنسليمان والدار البيضاء، وغير بعيدة عن العاصمة الرباط، تبدو مثل كهف الرعب. كيف يحدث هذا..!؟؟
غابة بلا حماية
غابة 33 ليست غابة صغيرة. هي غابة شاسعة، يصعب مراقبتها بالكامل بالوسائل التقليدية. لكنها أيضا غابة تقع في نفوذ ترابي واضح، وتحت مسؤولية أجهزة معروفة، الدرك الملكي، السلطات المحلية، القياد والمقدمون والشيوخ، إدارة المياه والغابات، هي تحت عيون الجميع، ولا يراها أحد..!!
فكيف استطاع البعض، حسب الروايات المتداولة، أن يبني أكواخا داخلها، وأن يجعل منها مكانا لترويج المخدرات؟ هل هو غياب الدوريات الليلية؟ هل هو اتساع الغابة؟ هل هو ضعف التنسيق بين المتدخلين؟.. أم هي كل هذه العوامل مجتمعة..؟
أسئلة مشروعة، يطرحها المواطن البسيط في المنصورية والمحمدية وفي باقي المناطق المجاورة، ولا يطرحها بدافع الاتهام، بل بدافع الخوف.
مشروع تبخر
من يتذكر تاريخ الغابة، يعرف أنها كانت موضوع مشروع كبير للتهيئة قبل سنوات، بغلاف مالي مهم، كان يهدف إلى تحويلها إلى منتزه غابوي للعائلات، بممرات وفضاءات للرياضة والترفيه، كان يمكن لهذه الغابة أن تتحول إلى جنة لو تم تنفيذ المشروع، لكن عوض ذلك تحولت إلى جحيم.
لسبب ما، المشروع لم ير النور، مثل الكثير من المشاريع التي وُلدت ميتة، وبقيت الغابة كما هي، فضاء مجهولا بلا أبواب، ولا إنارة ولا حراسة دائمة.
ولو تمت تهيئتها في وقتها، هل كنا سنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم؟ سؤال يؤلم، لكنه ضروري.

“غابة الرعب” على باب المونديال
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالغابة لا تبعد سوى مسافة قصيرة عن ملعب المونديال الكبير. ملعب سيأتي إليه العالم بعد أربع سنوات، بجماهيره وصحافته وكاميراته، والمرشح لاحتضان نهائي لكأس عالم استثنائي ب48 منتخبا.
فكيف سنستقبل العالم، وغابتنا المجاورة للملعب، ما زالت تثير كل هذا القلق.. والهلع؟
المغرب اليوم يبني ملاعب وطرقا وفنادق استعدادا للمونديال، وهذا جميل. لكن بناء الإنسان والأمن، لا يقل أهمية عن بناء الحجر. وغابة 33 يجب أن تدخل في حسابات المونديال، ليس كخطر، بل كفرصة، فرصة لتحويلها إلى رئة خضراء ومتنفس حقيقي لسكان المحور كله.. ولضيوف المغرب من كل مناطق المعمور.
ماذا ننتظر الآن؟
الآن ننتظر ثلاثة أشياء.
أولا، ننتظر نتائج التحقيق القضائي، بكل هدوء، حتى نعرف الحقيقة كاملة في قضية الشابين، وحتى يأخذ القانون مجراه.
ثانيا، ننتظر قرارا واضحا لتهيئة الغابة وتأمينها بشكل دائم، وليس بحملات موسمية تنتهي بانتهاء الحدث.
ثالثا، ننتظر تواصلا رسميا صادقا مع الرأي العام، لأن الصمت في مثل هذه القضايا، يولد الشائعات، والشائعات تُولّد الخوف.. والخوف أب الخبائث.
لو يتم استثمار ما جرى بطريقة صحيحة، فستتحول هذه الغابة من نقمة.. إلى نعمة حقيقية.

