ذ. محمد جناي
يقوم مفهوم الشراكة على قواعد الفهم المشترك بين كافة الأطراف بما يؤدي إلى إحداث تأثير إيجابي يعمل على تحقيق النتائج المرجوة، وقد برز مفهوم الشراكة كأحد المؤشرات الهامة لتحقيق التنمية المستدامة، حيث يعتمد هذا المفهوم على التفاعل بين ثلاثة مكونات أساسية هي: الحكومة، القطاع الخاص والمجتمع المدني، حيث تقوم الدولة ممثلة بالحكومة بتهيئة البيئة المطلوبة التي تساعد على عمل كافة الأطراف الأخرى بما يضمن تحقيق الشراكة
ولهذا السبب اتجه العالم كله إلى الشراكات من أجل إنجاز القضايا الكبرى المصيرية ،ولهذا أصبحت فكرة الشراكة فكرة ملهمة للحكومات والمجتمعات المعاصرة، حيث جعلت منها عامل هام في عملية النمو والتطور في مجالات الحياة المختلفة ومنها المجال التربوي.
تشكل الشراكة بصفة عامة ، صيغة متطورة للتعاون الكلاسيكي مرتبطة بالتحولات التي عرفها المشهد الاقتصادي العالمي في العقود الأخيرة ، مما حتم على العديد من الدول ومن بينها المغرب ، اللجوء إلى نهج سياسة تعتمد الشراكة ، وذلك نظرا لتوافر عدة معطيات من أهمها:
أولا : انتهاج الجهوية واعتماد اللامركزية واللاتمركز كأساليب للتدبير الإداري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي؛
ثانيا: إرساء مقومات الممارسة الديموقراطية في تسيير الشأن العام؛
ثالثا: تنامي الوعي بالمساهمة في تدبير الشأن العام من خلال منظمات المجتمع المدني؛
رابعا : انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أعلن عنها صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله؛
خامسا: إعداد ونشر تقرير حول ” 50 سنة من التنمية البشرية ، وآفاق سنة 2025″.
سادسا : النموذج التنموي الجديد
وعلى هذا الأساس ، تم اعتماد الشراكة كخيار استراتيجي لقطاع التربية الوطنية اعتبارا من كون التعليم شأن الجميع، حيث تم الحرص على إشراك كل الفاعلين الاقتصاديين و الاجتماعيين و جميع المتدخلين في العملية التعليمية ، من دولة وجماعات محلية وقطاع خاص وجمعيات المجتمع المدني في كل الجهود الإصلاحية خاصة في مجال رفع تحدي تعميم التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي، وتحسين جودته، وتقريب المدرسة من روادها وإدماجها في محيطها المباشر ، والتربية غير النظامية ومحو الأمية ، وتربية الأطفال على حقوق الطفل والمواطنة والمساواة بين الجنسين، وتكنولوجيا الإعلام والإتصال.
وتبعا لذلك ، أضحت مبادرات الشراكة في مجال التربية والتكوين ترادف الإسهام الإنمائي لفاعلين وشركاء من وسط ومحيط منظومة التربية والتكوين ، في كل الاختيارات النوعية والكمية الكفيلة بالنهوض بالنظام التربوي إلى المستوى المطلوب ، من خلال الاضطلاع بالمهام والاختصاصات المحددة قانونيا والمنوطة بمختلف الفاعلين المباشرين وغير المباشرين وتسخير مؤهلاتهم لفائدة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي تثمين مكتسبات النظام التربوي وتطويرها والتدبير العقلاني لقضاياه، علاوة على المساهمة في النهوض المجتمعي المستثمر في مجالات التربية وتوسيع فرص الحوار وإنبعاث مبادرات الخلق والإبداع الكفيلة بالنهوض بالمنظومة التربوية
كما تقضي مبادرات الشراكة في بعدها العملي الملموس ، إلى توسيع سلط صنع القرار وإعماله وتدبير الشأن التربوي بكافة أوجهه إلى جهات مكملة لمصالح الدولة، من جماعات محلية ومقاولات ومنظمات غير حكومية ،وذلك من خلال اعتماد مبدأ المشاركة الذي يفترض الاتفاق حول أهداف محددة، بشكل جماعي، واختيار نسق ملائم للتدبير مع تحديد دور الفاعلين، وكذا تنويع وتنسيق التمويلات فضلا عن إحداث بنيات وسيطة تمكن من تحقيق جودة الحوار الهادف وفك النزاعات ، مع تحديد مؤشرات التحكيم ومساطر المراقبة.
وغني عن البيان ، أن تطوير مبادرات الشراكة والارتقاء بها، لا يمكن أن يتم إلا إذا توفر القطاع على كفاءات بشرية مؤهلة قادرة على تدبير هذه المبادرات، بدءا من بلورتها ومرورا بوضع آليات تنفيذها ومواجهة ما يعتريها من صعوبات، وانتهاء بتتبعها وتقويمها من أجل تعزيز ما تحقق من نتائج إيجابية لفائدة نظامنا التعليمي، والوقوف على بعض الاختلالات والأخطاء لأجل تداركها وتجاوزها فيما يستقبل من شراكات.
ويشهد مسلسل تدبير الشأن العام في بعده الترابي عدة تحولات ظلت مستمرة منذ فترة الاستقلال إلى الوقت الراهن، ويلاحظ إجمالا، أن المنطق الذي يعتبر التراب كنمط من التقطيع المجالي الرامي لضبط النظام العام والأمن وفرض مختلف سياسات السلطة المركزية على الميدان ، يعرف تراجعا تدريجيا لصالح منطق تدبير المشاريع التنموية، حيث أصبحت مفاهيم المأسسة والشراكة والتعاقد أبرز المصطلحات التي باتت تغزو اليوم الحقل المفاهيمي للفعل العمومي المحلي على حساب مصطلحات التراتبية والبيروقراطية والوصاية، ويشكل هذا الانتقال ، التدريجي، من المنطق التقليدي إلى نمط للتدببر مستمد من القطاع الخاص ، جوابا للمتطلبات المتزايدة للخدمات العمومية المحلية لدى المواطنين.
اعتبارا لكون الجماعات المحلية تشكل أحد أكثر الهيئات المبادرة إلى الشراكة في المجال التربوي، وأحد المكونات المعتمد عليها من أجل تجسيد وإنجاح المقاربة التشاركية التي تتبناها الدولة، قصد تحقيق أهداف وغايات الإصلاح المسطرة في النموذج التنموي الجديد وإطار القانون 17/51، فقد كان من الضروري إعطاء لمحة عن الإطار القانوني المنظم لها، من أجل التعرف على شريك حيوي وأساسي لجميع القطاعات في تنفيذ البرامج التنموية على مختلف المستويات.
يعتبر إذن التدبير المحلي مجالا خصبا يمنح فرص لتطوير طرق التدبير التقليدية للشأن العمومي المحلي، فتطبيق المقاربة التدبيرية ، أصبح ضروريا لتمكين الجماعات الترابية من الآليات الكفيلة بتحقيق دورها التنموي، وتحقيق هذا المطلب يعتمد على مدى قدرة الجماعة على فرض نموذجها كمقاولة، ومن هنا يتبين لنا أهمية في الحاجة إلى تغيير مقاربة الدولة للجماعات كوحدات ترابية إدارية ، إلى جماعات اقتصادية تنافسية، تقوم بتمشيط الدورة الاقتصادية المحلية، وكأحد الشركاء الرئيسيين للدول في المبادرات الكبرى وإنعاش الاستثمارات وحل المشاكل الاجتماعية، وتبعا لذلك، أصبحت الجماعات المحلية بمثابة قطب اقتصادي مهم، يساهم في دعم الاقتصاد المحلي، وفاعل أساسي ليس فقط في مجال نفوذها، بل تعدتها إلى المشاركة في المبادرات التنموية الكبرى، ويتعلق الأمر هنا بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، هذا الورش الملكي الهادف إلى تحسين الوضع الاجتماعي للمواطنين سواء عن طريق التدخلات الميدانية أو عن طريق الدعم المالي.
وختاما إن الشراكة بهذا المعنى هو اختيار استراتيجي لقطاع التربية الوطنية بإشراك كل الفاعلين والمتدخلين: جمعيات المجتمع المدني ، الجماعات الترابية، الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، بالارتكاز على توجيهات ومقتضيات القانون الإطار 51-17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، وخصوصا الباب المتعلق بتمويل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي المادتان 46 و48 ،حيث تم التأكيد على تنويع مصادر تمويل المنظومة بشكل يضمن إسهام مختلف الفاعلين والشركاء في دعم القطاع التربوي و التعليمي.

