المساء اليوم – أ. مرادي:
مع كل موسم لعصر الزيتون، يتجدد القلق من الدمار الكبير الذي تتسبب فيه هذه العملية، التي أصبحت تهدد البيئة بشكل جدي في المناطق التي تعرف صناعة وازنة لزيت الزيتون، مثل تاونات ووزان وبني ملال والمناطق الجنوبية. وفي تاونات، استنكرت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، تدمير البيئة والفرشة المائية في الإقليم، واتهمت الجهات المسؤولة بالتغاضي عن حماية الماء والبيئة.
وطالبت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، في بيان لها، بتدخل السلطات المختصة، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة المتورطين في هذا الجرم، الذي ستستمر آثاره سنوات، مشددة على ضرورة توحيد الجهود، وتضافرها، لحماية البيئة، وإيقاف الكارثة، التي تتكرر كل موسم زيتون.
ونشر نشطاء جمعويون في تاونات، صورا لواد أسرى، تظهر تلوث مياهه، بسبب مستخلصات الزيتون، ما نجم عنه نفوق كمية كبيرة من الأسماك، وتلوث المياه بشكل كامل بفعل مخلفات طحن الزيتون. وتشكل مادة المرجان التي تخلفها مطاحن عصر الزيتون وتحويله على خطرا حقيقيا على البيئة ما فتئ يتسبب في عمليات تلويث واسعة للأرض والمجال بشكل عام والموارد المائية بشكل خاص.
ومع ارتفاع عدد وحدات ومعاصر الزيتون بالمغرب، تزايدت المشاكل البيئية المرتبطة بالتخلص العشوائي من مادة المرجان في الوسط الطبيعي، وهو ما يساهم في تلويث الفرشة المائية ومجاري المياه والسدود، الشيء الذي يؤدي إلى القضاء على بعض الكائنات الحية، خاصة الأسماك والطحالب نتيجة تدهور جودة المياه.
ويمثل قطاع الزيتون دورا مهما في الاقتصاد الوطني، حيث تمتد المساحة المزروعة بشجرة الزيتون على أكثر من مليون هكتار، منها حوالي 220 ألف هكتار بحوض أم الربيع، مما يمكن من إنتاج حوالي 2.5 مليون طن من الزيتون سنويا، ومن أجل تحويل هذه الكمية المهمة من الزيتون فإن المغرب يضم ما يزيد عن 12 ألف وحدة لعصر الزيتون، التقليدية منها والعصرية وشبه عصرية.
وينجم عن هذه العملية قذف كميات كبيرة من مادة المرجان في الوسط الطبيعي أو في قنوات الصرف الصحي، مما يؤدي إلى تلويث التربة ومجاري المياه والأحواض المائية، وبالتالي القضاء على المغروسات والحياة المائية. وتحتوي مخلفات عصر الزيتون على كميات كبيرة من المواد العضوية صعبة التحلل، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الملوحة والحموضة، مما يسبب سنويا في نفوق الأسماك بحقينات السدود والمجاري المائية.
ومن أجل القضاء على هذا التلوث بالغ الخطورة والحد من انعكاساته السلبية، تم إعداد دراسة لمكافحة التلوث الناجم عن مخلفات معاصر الزيتون، عبر مجموعة من الإجراءات والتوصيات من بينها تجهيز المعاصر بأحواض غير نفاذة لا يتجاوز عمقها متر واحد لتخزين وتجفيف وتبخر مادة المرجان، وإصلاح وترميم الأحواض المتواجدة للرفع من نجاعتها، واعتماد المعاصر على النظام الإيكولوجي ذي المرحلتين، الذي يعتبر صديقا للبيئة بتخليفه لكميات قليلة من المرجان وذو مردودية أحسن في الإنتاج وجودة زيت جيدة واقتصادي في الماء.
كما قامت مديرية البحث والتخطيط المائي بوضع عدة برامج لمواجهة هذه الظاهرة أهمها منح دعم ومساعدات مالية من أجل الحد من التلوث الناجم عن مادة المرجان في إطار صندوق مكافحة التلوث والآلية التطوعية لمكافحة التلوث الصناعي المائي واتفاقيات الشراكة.
وأنجزت مديرية البحث والتخطيط المائي، دراسة من أجل إعداد مخطط وطني لمكافحة التلوث الناجم عن معاصر الزيتون، بتنسيق مع مختلف الأطراف المعنية، خصوصا وزارة الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات ووزارة الطاقة والمعادن والبيئة والمكتب الوطني للماء والكهرباء قطاع الماء والفدرالية البيمهنية للزيتون بالمغرب.
كما تم إبرام اتفاقية شراكة بين مختلف الفاعلين (وزارة الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات ووزارة الطاقة والمعادن والبيئة ووزارة الاقتصاد والمالية) من أجل دعم مكافحة التلوث الناجم عن مادة المرجان، ثم إعداد مشروع مرسوم متعلق بانتشار مادة المرجان، بتنسيق مع كل من وزارة الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات ووزارة الطاقة والمعادن والبيئة.
لكن، على الرغم من كل المجهودات المبذولة خلال العشر سنوات الأخيرة، فإن مشكلة تلوث الموارد المائية بمادة المرجان لا زال قائما بحدة، ولم تتمكن البرامج المنجزة من طرف مختلف المتدخلين من القضاء النهائي على هذه الإشكالية التي أصبحت تهدد بشكل خطير البيئة والفرشات المائية في مناطق عصر الزيتون، وهو ما جعل من نعمة الزيتون نقمة حقيقية على البيئة، خصوصا في غياب الردع القانوني، حيث أن أغلب المنتهكين يحظون بتسامح غير مفهوم، رغم أنهم يكررون انتهاكاتهم الفظيعة كل موسم.

