المساء اليوم – حسنية أسقال:
بعد حملة إعلامية ضخمة رافقت إعداد وتصوير المسلسل “اللاتاريخي” (فتح الأندلس)، وبعد مخاض عسير لمخرجه الكويتي محمد العنزي وطاقمه، وُلد مسلسل مسخ سُمي بـ”فتح الأندلس”، أو على حد قول المخرج المغربي عبد الإله الجوهري “فتخ الأندلس”، مسلسل خُصصت له ميزانية كبيرة واستغرق أشهرا طويلة من التحضير والتصوير، وأقل ما يمكن القول عنه هو أنه “تحريف للأحداث التاريخية وعدم مطابقته للوقائع الأصلية”.
المسلسل كان في مرمى انتقادات المغاربة قبل عرضه، والسبب تغريدة لمخرجه الكويتي محمد سامي العنزي، والتي اعتبر فيها انتساب “طارق بن زياد لبلد مُعين تحجيم له”، الأمر الذي فتح عليه وعلى إدارة التلفزة المغربية الذي قامت بشراء حقوق بثه، وابلاً من الانتقادات، بررها رواد منصات التواصل بأنها حملة “نابعة من الحس الوطني المستمرة على مسلسل السرقة والتزوير فتح الأندلس، الذي يُكرس الاغتيال التاريخي في حق أمجاد أمة المغرب”، ناهيك عن الجدل الذي رافق المسلسل بشأن هوية بطله طارق بن زياد وما دار حولها من تجاذب وافتراءات.
وكان مخرج المسلسل الكويتي محمد العنزي قد قال في تغريدة على صفحته بـ(توتير)، إن “محاولات البعض تحجيم قادة إسلاميين مثل طارق بن زياد بأقاليم حددها لنا سايكس بيكو لن تُفيد، إن طارق وغيره من قادتنا إرث لأمة المليار ونصف مسلم لا دولة معينة أو إقليم”، وهو الأمر الذي جر عليه وعلى إدارة القناة الأولى المغربية وابلاً من الانتقادات.
رواد منصات التواصل الاجتماعي تساءلوا حينها، “كيف لمن لا يعرف الفرق بين إتفاقية سايكس بيكو التي تخص دول الهلال الخصيب، وبين مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي تكالب فيه الغرب على المملكة المغربية، أن يُقدم مسلسلا خالياً من المغالطات التاريخية”، مؤكدين أن انتساب طارق بن زياد للمغرب فخر وليس تحجيم، رافضين قيام قناة عمومية مغربية رسمية بشراء حقوق بث مسلسل عن “تاريخ محلي من إنتاج أجنبي وسيناريو أجنبي ليذاع في تلفزيون محلي بفكر وقلم وقصة أجنبية”.
ومع عرض أولى حلقات المسلسل تجددت الانتقادات لتأكيد الجدل الذي رافقه منذ البداية، فمعظم رواد منصات التواصل أكدوا أن المسلسل لا يمثل تاريخ بلدهم، المغرب، كما أن حضور طارق بن زياد كبطل محوري في المسلسل، لم يشفع له في تجاوز عثرات تقنية وحتى تاريخية حسب المتتبعين، واعتبروه تشويها متعمدا للتاريخ وقلباً للحقائق عبر طمس الهوية المغربية بشخصيات لا علاقة لها بالواقع، تحت إدارة مخرج مبتدئ يريد فرض عمله الدرامي المهزوز على الجمهور المغربي الذي ليس بحاجة لمن يقدم له تاريخ أجداده.
الانتقادات التي طالت المسلسل لم تقتصر فقط على المشاهدين العاديين بل شملت أيضاً نقادا ومخرجين وكتاب، ولعل أبرزها كانت تدوينة المخرج المغربي عبد الإله الجوهري، الذي وصف المسلسل بـ”فتخ الأندلس” وقال في تغريدة له، “المهم لقد فتخ أخونا الأندلس فتخاً، منذ المشهد الأول من الحلقة الأولى، وبالتالي قدرته هاته ستجعله يتجاوز أحداث التاريخ، بتوسيع نطاق (الفتخ) ليصل إلى الشمال الأوروبي، ويجعل الجيوش العربية تغزو البلدان الاسكندنافية، ويهزم الفايكنغ هزما، ومعهم كل من يتوق لمتابعة الدراما العربية الراقية”، مضيفاً “ولله في خلقه شؤون، ومخرجون يعرفون بيع تفاهاتهم للآخرين، وترويج قراءاتهم (المفتوخة) للتاريخ المغربي”.
الإعلامي والشاعر المغربي محمد بلمو وصف المسلسل بـ”محاولة فاشلة لملء فراغ تاريخي تعانيه بلادنا على المستوى الدرامي، ولأن الطبيعة لا تقبل الفراغ كما يقال، فهاهي القناة الأولى تعذبنا بمنتج رديء لا هو بتاريخ الأندلس ولا هو بمواصفات المسلسل التلفزيوني الدرامي الجيد، وعوض أن تركز هذه القنوات المغربية على الإنتاج الدرامي التاريخي بإمكانيات المغاربة ما دام الأمر يتعلق بتاريخهم، ها هي تقدم لنا ما ليس بدراما ولا بتاريخ”.
رهان مؤسسة التلفزة المغربية بالانفتاح على الإنتاجات العالمية، لكسب نسب مشاهدة المغاربة، كان خاسراً بـ”امتياز”، فالمسلسل حظي بكم هائل من الانتقادات جر على القناة الأولى وإدارتها المزيد أيضاً، فقنوات السيد العرايشي، الذي يُعتبر أطول مدير عام للتلفزيون في العالم، لا يعنيها تقديم تاريخ المغرب، ففي الوقت الذي يصور فيه الأشقاء العرب تاريخنا، تنصرف قنوات العرايشي لتصوير (ستانداب) و(لالة العروسة) وغيرها.. للأسف نملك تاريخا كبيرا يفوق حجم إعلامنا بكثير، على حد قول أحدهم.
في مسلسل بهذا الزخم التاريخي والدرامي الهام كان لا بد من الاستناد إلى المراجع التاريخية الموثوقة وليس صناعة مسلسل تشوبه أخطاء تقنية ناهيك عن التاريخية، تخريف وتحريف علاوة على فقره الفني والتحريف التاريخي الممنهج وضعف فظيع في الحبكة والسيناريو وأخطاء في الأحداث التاريخية، فلا يعقل أن يعتمد في مسلسل تاريخي بهذا الحجم على مراجع مكتوبة مشكوك في موضوعيتها، أو رؤية مخرج، غير معروف ولم تُعرف له أعمالٌ من قبل، على الأقل في المغرب.
كما كان الأجدر بـ”تلفزة المغاربة” أن تراهن على المخرجين وكاتبي السيناريو المغاربة الأكفاء، وما أكثرهم، لإبراز تاريخ المغرب العريق والزاخر، بدل صرف أموال دافعي الضرائب المغاربة في شراء حقوق مسلسل عن تاريخنا برؤية “أجنبية”، واستنزاف ميزانية المؤسسة، التي تتغذى من جيوب المواطنين، بإنتاج برامج أقل ما يُقال عنها إنها “تافهة جداً”.
لكن يبدو أن خلاصة الأمر هي “أننا نملك تاريخا كبيرا يفوق حجم إعلامنا بكثير”.

