المساء اليوم:
قال المؤرخ والمفكر المغربي حسن أوريد إن العلاقة بين المغرب والجزائر “في مفترق طرق”، موضحاً أن العلاقة بين البلدين تعيش فترة دقيقة وصعبة، “فقد انتقل التوتر من مرحلة لا يمكن التحكم بها، إلى وضع غير متحكم فيه، والأسوأ وارد وسيكون لو حدث مُدمراً للبلدين”.
وأضاف أوريد أن “الحرب ليست نزهة، ولا لعب صغار، كما كان يقول الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، ولن يكون فيها غالب ومغلوب، بل سيكون البلدان مغلوبين في حال المواجهة، وستفتح المنطقة للتدخلات الأجنبية، وسيتهلهل النسيج الاجتماعي في البلدين، وما أتمناه أن نظل في دائرة العقلانية”.
ورأى الناطق الرسمي السابق للقصر الملكي، أن “هناك ثلاثة سيناريوهات في أزمة العلاقات المغربية الجزائرية: يتمثل الأول في بقاء الوضع على ما هو عليه، والثاني في مواجهة ستكون مُدمرة، والثالث يتجسد في النظرة العقلانية، من خلال احترام مكونات كل بلد”.
وأوضح أوريد، “السيناريو الأول: أن يستمر الوضع الحالي كما هو، من خلال “رشقات” دبلوماسية وإعلامية وتهييج، والمراهنة على الزمن، وهو في اعتقادي خيار غير صائب، وهو الذي ساد لخمسين سنة أو أكثر، ولم يفض لنتيجة، هذا علاوة أن في كلا البلدين ديناميات أو ما يسمى بالحراك قد تتولد عنه تطورات تهدد الاستقرار.. وهذا السيناريو عقيم، وليس في مصلحة أحد”.
أما السيناريو الثاني الأسوأ، وهو المواجهة، والتي لو تقع، لا قدر الله، ستكون كارثية ولن تحسم المشكلة، وستزجّ بالمنطقة في أتون مواجهات وأحقاد، وستفتح الباب للتدخلات الأجنبية”.
فيما يبقى السيناريو الثالث، وهو الواقعي، حسب أوريد، “والذي أتمناه، والذي لم تنضج الأمور لتبنيه، يتمثل في أن الجزائر كنظام موجودة بكيانها وخياراتها، والمغرب موجود بكيانه ومؤسساته وخياراته. ولا شيء يمنع التعامل بين البلدين في إطار الاحترام المتبادل”، مؤكداً أن الخيار الثالث هو الخيار الأوحد لمصلحة الشعبين، ولمصلحة المنطقة.
وكشف المؤرخ المغربي عن وجود وساطات مستترة من قِبل مصر والسعودية وجامعة الدول العربية لإنهاء الأزمة بين البلدين، لكنه استبعد قيام فرنسا بلعب دور ما في هذه الوساطة، لأنها “غير مخولة أو مؤهلة لهذا الدور، بسبب ماضيها الاستعماري، وسيكون ذلك تبريراً ضمنياً للاستعمار”.
وعما إذا كانت يستطيع التكهن بنتائج الوساطات الجارية، قال أوريد، لـ(عربي بوست)، “كل عمل دبلوماسي تكتنفه السرية، وأي وساطة لن تكلل بالنجاح إذا رفضها أحد الأطراف، والمغرب مد يد الحوار في أكثر من مناسبة، لكن لا يمكنني التحدث فيما يخص الطرف الجزائري، كما أن أي وساطة تقتضي موافقة الطرفين”.
جوهر المشكل بين المغرب والجزائر
ورأى أوريد أن جوهر المشكل بين الجزائر والمغرب، هو انعدام الثقة، و”هو الأمر الذي يتم التستر عليه من خلال توظيف أحداث، أو تأويل أحداث واهية، فإذا كنّا نروم الموضوعية فينبغي النظر إلى الصورة كاملة، ومَن يريد أن يكون “محقاً” يجد التبريرات والذرائع ليؤكد صحة زعمه”.
وأضاف “قضية الصحراء المغربية ليست هي جوهر المشكلة بين البلدين”، لأنها من وجهة نظره مجرد “عَرَض وذريعة”، خاصة أنه كانت هناك مشكلات أخرى قبل وجودها، “فالمشكلة الحقيقية بكل وضوح هي المنظور الجزائري للمغرب، وطبيعة النظام فيه. في كثير من الأحيان يتم التستر على ذلك، والدليل كما ذكرت وجود توتر قبل 1975، تاريخ اندلاع قضية الصحراء”.
وأردف “طبيعة النظام في المغرب هو شأن مغربي، لذا قضية الثقة ينبغي أن تقوم على قبول خيارات الشعب المغربي، وقبول كيانه ومؤسساته، فلا نتحدث عن الثقة فقط كمصطلح أخلاقي، وإنما قبول الآخر كما هو بمؤسساته، وكيانه وخياراته”.
وألمح أوريد رداً عن الاتهامات الجزائرية الأخير للمغرب بالوقوف وراء حرائق الغابات، قائلاً، “كيف يمكن القول بأن المغرب وراء إشعال الحرائق بمنطقة القبائل؟، هذه مادة تصدر من صحافة معينة، لكن لا يقبل أن تصدر من دولة ومؤسسات محترمة مثل الجزائر”.
وقال إن الملك محمد السادس قدّم في خطاب عيد العرش، عرضاً لطرح كل القضايا العالقة في إطار حسن الجوار والحوار والثقة، “ولا أعتقد أن المغرب في الوقت الحالي سيقدّم أكثر مما ذكرته، خاصة بعدما قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب”.
حق الشعب القبائلي
وعن تصريح مندوب المغرب في الأمم المتحدة الذي نادى فيه بـ”حق الشعب القبائلي” في تقرير مصيره، قال أوريد، “من وجهة نظري هو أخطأ في ذلك. ما كان ينبغي له أن يزجّ في القضايا الداخلية لبلد في موضوع حساس ويدخل في دائرة الشأن الداخلي الجزائري، ومهما كان السياق أو الدواعي التي دفعت لذلك، فإن التلويح بمثل هذه الموضوعات يمكن أن يكون مُدمراً في شمال إفريقيا، فهذه قضية حساسة، وهناك أطراف خارجية يمكن أن تحرك وتوظف هذه الملفات لأغراضها، وبالتالي فالمندوب المغربي لم يكن موفقاً في تصريحه هذا”.
وأضاف “وزارة الخارجية في الجزائر طلبت تفسيراً لما جاء على لسان المندوب المغربي الأممي، وجاء الرد الشافي على لسان الملك شخصياً، حين عبّر عن توجهات المغرب، في خطاب بمناسبة وطنية، وهي أن المغرب يحترم مؤسسات الجزائر، وخياراتها، وكياناتها، ولا يسعى لما يشين الجزائر، فخطاب الملك لم يدع مجالاً للمضاربة، ولا الزجّ في الأمور الداخلية في الجزائر”.

