بـولفاف نـوري

سميرة مغداد

شاءت الصدف أن نقتسم عيد الأضحى مع الصديق حكيم نوري، المخرج المغربي العتيد الذي يعيش في مدينة مالقة بالجنوب الإسباني، فقد اختار منذ تسع سنوات إسبانيا ليبتعد عن منغصات الوطن.

حكيم رجل قوي بكاريزما خاصة. لايعرف المهادنة، حياته حاسمة بلونين أبيض وأسود، فنان مبدع بمعنى الكلمة، يلتقط الجمال والتفاصيل بشكل رهيب.. رجل بمزاج حاد وبطبع صحراوي بيضاوي ينشد الشهامة أولا وقبل كل شيء. رجل  بالغ القلق، قلق وجودي ينبع من فلسفة حياة خاصة خاضها النوري بقلب طفل يرنو نحو المرح والفرح.

نوري تجاوز السبعين لكن روح الشباب تغمره كل حين.. مازال يحلم بالسينما وأيامها الحلوة وبفيلم تاريخي أو سياسي كبير.  يقول “لو توفرت لدي الامكانيات سأنجز فيلما عن الجنرال أوفقير أو الحسن الثاني.

الاقتراب من عالم هذا الفنان المخرج يشعرك فعلا بأنه شخص لا يشبه إلا نفسه، متفرد في حركاته وكلامه وصراحته. كلامه قاس أو حازم جدا أحيانا، لكنه لطيف رقيق في كل مايتعلق بالنساء. أسلوبه راق يضاهي بثقافته الفرنسية اي فرنسي مخملي يعيش في الشانزليزيه، وحتى وهو يتحدث بالإسبانية ويجالس الإسبان، تكاد تنمحي هويته فيصعب عليك أن تتبين انه مغربي فيلالي علوي الأصل.

أعرف نوري منذ التسعينات؛ وكنت شاهدة على أعماله التي نقلت آنذاك السينما المغربية إلى الجمهور العريض وصالحت المغاربة مع السينما التي تشبههم إلى حد ما، من أشهر  أفلامه  السينمائية الناجحة “سارق الأحلام”” الطفولة المغتصبة”” عبروا في صمت ” مصير أمرأة “فيها الملحة والسكر اومابغاتش تموت”.

عرفت أيضا زوجته المنتجة ماريا، رحمها الله، التي أحبته كثيرا وأسست معه أسرة ثمرتها طفلين هما اليوم رجلين يافعين مستقلين يعملان في مجال الإشهار والسينما. في إسبانيا يتابع نوري سينما المغرب ويعمل كممثل في بعض الأعمال الإسبانية.. حياته مريحة ومندمج تماما مع الإسبان.

المدة التي قضيناها، زوجي وأنا، مع نوري كانت جميلة وإنسانية وعرفتنا أكثر على عمق الرجل وأصالته وتلقائيته الفذة.

الحقيقة أننا سافرنا قبيل العيد الذي أصبحت لنا فيه مقاربة أخرى يطول شرحها، لكن ما أثارني شخصيا هو الحرص الكبير لنوري على طقوس العيد وذبح الخروف والاحتفال على الطريقة المغربية الأصيلة. نوري في مالقة أكثر مغربية وانتماء للوطن، كان فرحا بالعيد مثل طفل وحريص على كل التفاصيل.. ارتأت زوجته أن نذهب معا لجلب الخروف بعد ذبحه وتحضير ه، كما أوصى النوري الجزار المغربي الذي يتعامل معه.

فعلا جئنا بالخروف والكبد التي هي الأساس في اليوم الأول لتحضير بولفاف العظيم.. وجدنا النوري متلهفا على الاستمتاع ببولفاف لكن صدمته كانت كبيرة لأنه لم يجد شحم بولفاف. صاح في وجهنا “مايمكنش كبدة بلا شحمة” يستحيل.. زوجته لم تأبه ودعتني أن نحضرالكبد، لكنه أسرع في التقاط خوذته ليركب دراجته النارية ويذهب بحثا عن الشحم رغم بعد المسافة.

لم يشأ ان يتذوق شيئا  من لحم العيد قبل أن تكون القطبان على “حقها وطريقها”.. وفعلا كان له ذلك واستمتعنا معه ببولفاف على الطريقة المغربية الأصيلة. كان سعيدا جدا وهو يحتفي بطقوس العيد المغربي ويعانق رائحة البلد. أعجبت بتمغربيت التي تسكنه رغم مظاهر الاندماج التام.

حكيم أيضا يخلص لصلواته ووفي لموعد صلاة الفجر. أن تعرف حكيم نوري عن قرب أمر خاص يتيح لك الاقتراب من عالم المخرج والإنسان الذي يعيش في المغرب بتفاصيله رغم الاغتراب.

حكيم يسكنه المغرب ولم يتبرأ من وطنيته الزائدة أحيانا والتي سببت له بعض المشاكل وسوء فهم. لا يزال رجلا نشيطا قادرا على الإبداع. أجمل في حكيم رقة كلامه وتعامله الرقيق مع المرأة، خاصة زوجته.

رغم قلقه واندفاعه وطبعه الحاد أحيانا، يحفظ نوري لسانه جيدا ويكظم غيظه بكثير من الاتزان والاحترام الذي يليق بالجنس اللطيف.. كلماته عذبة مليئة بالحب والرومانسية.. يستحق حكيم كل تكريم وفتح مجالات أمامه للإسهام في الإبداع السينمائي في بلده.

نتمنى أن يعود نوري سريعا إلى الفن ونستفيد من خبرته وأن يعانق أريج بلده الذي يعيش تفاصيله كل يوم من بلاد الأندلس.

يتوق حكيم للعودة أيضا من أجل صغيره حكيم نوري الذي يحمل كثيرا من عناد والده وشخصيته القوية. في بيت حكيم عشنا فرحة العيد الكبير وبهجة فن العيش المغربي الأصيل. لم تغير إسبانيا شيئا من نوري، روحه مغربية خالصة حتى النخاع بقيم التعايش مع كل ثقافات العالم. يقضي أيامه في كتابة السيناريوهات ومذكراته عن زمن مغربي علمه أن يكون رجلا متميزا وفنانا فريدا يستحق أن يحتضنه بلده بكل الحب الممكن.

* سميرة مغداد، مديرة مجلة “سيدتي” بالمغرب

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )