ياسين الطالبي
بكل سلاسة نمرر كلمة “الغرب” على ألسنتنا، دون أن ندرك الأثقال التاريخية والأبعاد الثقافية والدينية التي تحملها، وما وراءها من طموح ورغبة جامحة في بسط النفوذ، سواء عبر القتال أو الإقناع. تطور مفهوم “الغرب” عبر القرون، مكتسبًا معاني وتأثيرات لم تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل امتدت عميقًا في الوعي الجمعي العالمي، مخلِّفة أثرًا كالسيل الذي لا يُبقي ولا يذر.
في السياق الأكاديمي، تُشير مساحة “الغرب” الجغرافية بشكل رئيسي إلى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، مع التركيز على دول مثل فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، وكندا، بالإضافة إلى دول
أخرى في أوروبا الوسطى والشرقية، وأستراليا، ونيوزيلندا، إذ تُعد هذه الدول جزءًا من التيار الثقافي والسياسي الغربي بفضل مشاركتها في القيم السياسية والديمقراطية الغربية.
في العصور الوسطى، كان العالم منقسمًا حضاريًا ودينيًا بين المسيحية الغربية في أوروبا والإسلامية الشرقية، وكان كل طرف يعتبر نفسه الحامي الحقيقي للحضارة والإيمان. ومع انطلاق الحروب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر، تحول “الغرب” إلى قوة دينية مسلحة، مدفوعة برغبة استعادة السيطرة على الأرض المقدسة ومقاومة النفوذ الإسلامي الذي كان يسيطر على أجزاء واسعة من العالم. كانت هذه الحروب تتخذ شكلًا دينيًا، حيث صور الغرب نفسه كحامي العقيدة المسيحية في وجه “الآخر” الإسلامي، واعتبر أن استعادة الأرض المقدسة ليست فقط مسألة عسكرية بل أيضًا مسألة دينية تحتم عليه الدفاع عن العقيدة.
بدأ النقد الداخلي للكنيسة يتزايد مع دخول أوروبا في عصر التنوير، وهي فترة تاريخية امتدت من القرن السابع عشر إلى القرن الثامن عشر، حيث بدأت العقول تتفتح بشكل غير مسبوق، وتمرد المفكرون على القيود التي فرضتها الكنيسة. كان الفلاسفة والعلماء يرون أن الكنيسة قد تجاوزت سلطتها، وأصبحت عائقًا أمام التطور الفكري والاجتماعي. ومن هذا التمرد، ولدت حركة فكرية وفلسفية تسعى إلى تحرير العقل من الأغلال الدينية، وبناء علاقة جديدة بين الإنسان والدين.
مع انتشار أفكار التنوير، تغيرت نظرة الغرب للدين ولم يعد الدين مركزًا حصريًا للحياة السياسية والاجتماعية، بل أصبح الشأن الديني مسألة شخصية تتعلق بالفرد وعلاقته الروحية بالله، بينما تراجع دوره كسلطة مهيمنة على الدولة والمجتمع. وبهذا، ظهرت العلمانية كفكرة تسعى لضبط العلاقة بين الدين والدولة، وتحقيق توازن بين القيم الروحية والاجتماعية دون أن تهيمن إحداهما على الأخرى.
العلمانية كانت تسعى إلى خلق مسافة بين الدين وشؤون الدولة لتضمن استقرارًا مجتمعيًّا أكبر، حيث يُحفظ للدين مكانته الأخلاقية والروحية دون أن يُستغل كأداةٍ للصراع على السلطة. ولكن في اللحظات التي أصبح فيها التدين منصَّةً للاستحواذ على القوة، وتحديد مصالحها، ظهرت الحاجة إلى إقامة تلك الجدران الفاصلة. فالكنائس والمؤسسات الدينية في أوروبا، حين تجذرت في السياسة، ولَّدت حروبًا وصراعات دموية، مما دفع الفلاسفة والمفكرين إلى تصوّر نظامٍ يؤسس لعلاقةٍ جديدة بين العقل والدين، بين الفرد والجماعة، وبين السلطة والهوية.
فرنسا، برياحها الثورية، أرادت تحطيم القيود بكامل عنفوانها، ودفعت بالفكرة إلى أقصاها. لم تكن علمانيتها مجرد ترتيب إداري بل كانت ثورة على التاريخ، محاولة لصهر الرموز الدينية بعيدًا عن الفضاء العام، لتحافظ على صرامة حيادها في مشهدها المدني. العلمانية الفرنسية، أو “اللائيكية”، أصبحت أشبه بحدودٍ حازمة، حيث يُترك الدين في عالم الشخصي، بعيدًا عن دوائر السياسة والمدارس والوظائف.
أما في المملكة المتحدة، فتبلورت العلمانية كحوار مرن يتسلل بين التقاليد والحداثة. لم تسعَ بريطانيا لتجريد نفسها من إرثها الديني؛ بل جعلت من الكنيسة الأنجليكانية رمزًا يتناغم مع التحديث، علمانية لا تُقصي بل تحترم التنوع الثقافي وتعزز التسامح.
وفي ألمانيا، رأت العلمانية طريقها كدعوة للتعاون حيث يتقاسم الدين والدولة الدور الاجتماعي، ويعملان بتوافق وحياد. الدولة هناك لا تكتفي بالتسامح، بل تقيم علاقة متينة مع الكنائس، تدعمها وتقدم تسهيلات لها، فيما يبدو وكأنه زواج متوازن بين الروحانية والحداثة، يمزج بين الماضي والحاضر ليخدم المجتمع في أشكال متعددة.
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، في الولايات المتحدة، تبدو العلمانية كحارسة للحرية، مثل قمة جبل لا تنحني لأحد. منذ تأسيس البلاد، جاءت العلمانية كصمام أمان، تضمن لكل فرد أن يختار معتقده بلا خوف، وفي الوقت ذاته تحمي الدولة من التدخل الديني، لتبقى خالصة للأمة. هناك، الدين حاضرٌ في الفضاء العام، لكن الدولة تقف على مسافة تكفي لجعل الحرية الدينية جوهرًا وركيزةً للهويّة الأمريكية.
أما إيطاليا وإسبانيا، فهما كقصيدتين في كتاب قديم، تتغنيان بمزيج من العلمانية والإرث الكاثوليكي. من صخب الفاتيكان إلى هدوء الشوارع في روما ومدريد، تلمس العلمانية هنا أسلوبًا تعاونيًا، يتعايش فيه الدين كجزء من النسيج الثقافي، حيث لا يزال للأعياد الكاثوليكية طابعها المقدس والاحتفالي. في هاتين الدولتين، نجد أن العلمانية لم تُلغِ الهوية الدينية، بل حاولت الحفاظ على تقاليد غارقة في التاريخ، لتثبت أن الانفتاح على الحداثة يمكن أن يسير بجانب احترام التقاليد.
في الدار البيضاء عام 1943، على أرض بعيدة عن ضباب لندن ونبض باريس، اجتمع الحلفاء في لحظة حاسمة، وسط رماد الحرب وصرخات الشعوب. كان مؤتمرًا يشبه ملامح المستقبل، حيث وُلد فيه مفهوم جديد للغرب؛ “الغرب” الذي لم يكن بعد صورة مكتملة، بل ظلًا متحركًا يتشكل على وقع المدافع والرماد. بين روزفلت وتشرشل وديغول، تجلّت الحاجة إلى تحالف ليس في السلاح وحده، بل في الفكرة ذاتها، الفكرة التي ستحول الغرب من وجهة جغرافية إلى هوية أيديولوجية.
مع تنصيب شارل ديغول في المنفى كرئيس لفرنسا الحرة، بدأت تظهر ملامح مشروع جديد. ليس فقط تحالفًا عسكريًا، بل صورة مبنية على مبدأ مشترك: الديمقراطية في مواجهة الفاشية. كان غياب ستالين عن هذا المؤتمر بداية لهذا التمايز، حيث بدأ يتشكل تحالف “غربي” يحمل قناعات تنفصل عن القوة السوفييتية، تحالف يرى نفسه حاميًا للحرية ونصيرًا للديمقراطية، حتى وإن كانت في المنفى.
بعد انتصار الحلفاء، وجدت الولايات المتحدة وبريطانيا نفسيهما في موقع القيادة العالمية، ولم تكونا مستعدتين لتقاسم النفوذ مع الاتحاد السوفيتي. كانت الرغبة في الحفاظ على السيطرة الاقتصادية والسياسية جزءًا من الدوافع الغربية، حيث رأت الولايات المتحدة في نفسها القائد الجديد للعالم الحر، وكانت تسعى لبسط نفوذها في أوروبا والعالم.
وما أن هدأت عواصف الحرب العالمية الثانية حتى جاء تشرشل بخطابه التاريخي عن “الستار الحديدي” عام 1946، لينذر العالم ببداية حقبة جديدة. الهوية الغربية هذه لم تنشأ من فراغ، بل جاءت نتيجة سلسلة من التحالفات والمشاريع الاقتصادية، وفي مقدمتها مشروع مارشال، الذي ضخت من خلاله الولايات المتحدة أموالًا ضخمة لإعادة إعمار أوروبا الغربية، مانحةً إياها قاعدة اقتصادية صلبة. ومع تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تحولت هذه الهوية إلى كتلة عسكرية موحدة، تتسلح بالديمقراطية وتدافع عن الحرية. كانت الناتو أكثر من مجرد تحالف عسكري؛ كان تعبيرًا عن عقيدة مشتركة، عن التزام بأن الحماية والرفاهية ليسا واجبًا وطنيًا فحسب، بل مسؤولية جماعية تُحمل رايتها باسم “الغرب”. تحول إلى خط فاصل على خريطة الأفكار؛ هنا حرية، وهناك قيود، هنا ألوان الديمقراطية، وهناك أحادية الفكر. بدأ الغرب يُنسج لهوية لا تقف فقط على الأسلحة والحدود، بل على الحرية كفكرة وعقيدة.
لقد كان الغرب أشبه بواحة فكّر فيها العقل طويلاً، وأخذت الروح فيها راحتها لتعود إلى الأعماق، حيث لم يكن التقدم نتاج خطة مرسومة أو مسار واضح، بل نتيجة لتوازنات دقيقة بين مفردات الحياة، تتفاعل وتتكامل في “وصفة غير متوقعة” للحضارة.
ففي تلك الوصفة، كان العقل يمشي برفق بجانب الروح؛ لم يكن العقل محض آلة للمعرفة، بل كان يحترمُ حدودَ الروح، يسمعُ نبضها ويقدر وجودها. تلك الثنائية غير المنفصلة جعلت الفرد في الغرب حرًّا في عقله، عميقًا في روحه، فنشأت الأفكار مدفوعة بمسؤولية أخلاقية، وحمل الابتكار بين طياته كرامة الإنسان.
ثم أتى التوازن بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، ليمنح الإنسان مجالًا ليكون هو ذاته دون أن ينسى الآخرين. كان الغرب في هذا المسار حريصًا على أن يمنح الفرد جناحين: أحدهما يحمل طموحه ويمده بالطيران، والآخر يبقيه متمسكًا بأرضية الجماعة، فلا تطغى عليه النزعة الأنانية. كانت تلك المعادلة السيكولوجية بمثابة مرآة يرى فيها الإنسان نفسه بين الحلم والواقع، بين الذات والآخر.
وعلى الجبهة العلمية، كان الغرب يفتح أبواب المختبرات وينشر أوراق الفلاسفة، لكن دومًا مع بوصلة أخلاقية تضع حدودًا للعقل المجرد. التقدم هنا لم يكن تدميرًا للطبيعة ولا عدوانًا على الإنسانية، بل كان توازنًا دقيقًا بين الاكتشاف والقيمة الأخلاقية؛ فتعلّم العلم كيف يحفظ كرامة الإنسان، وكيف يسخر قوته لخدمة الحياة لا لإخضاعها.
وفي رحلته الثقافية، احتضن الغرب التعددية، فكان للنقاش صوت مسموع وللآراء المختلفة مكان في المساحة المشتركة. لم تكن الهوية الجماعية قيدًا، بل إطارًا مرنًا تتداخل فيه الثقافات وتتآلف فيه الأفكار، ليصبح التنوع جزءًا من نسيج الهوية نفسها. وكان من أثر هذا التسامح الاجتماعي أن توّلدت الأفكار الجديدة، وتفاعلت العقول مع بعضها، فأصبحت المجتمعات أكثر ديناميكية واستعدادًا لمواجهة تحديات الحياة.
ثم جاء الاقتصاد، لم يكن حرًّا بلا قيود، بل كان نظامًا تتعادل فيه الكرامة الإنسانية مع قوانين السوق، وكانت حرية الأفراد فيه مقيدة بروح العدالة الاجتماعية. لم يكن الربح هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق رفاهية شاملة تحفظ كرامة الجميع، وتضمن للجميع نصيبًا في الخير.
وفي النظام الديمقراطي، كان المواطن يقف شاهداً وقاضياً؛ السلطة ليست بيد قلة، بل هي عقد اجتماعي يُصاغ كل يوم بين الشعب وحكومته. الديمقراطية هنا لم تكن مجرد آلية، بل كانت روحًا متجددة تضخ في جسد المجتمع طاقة لا تنفد، فتُصحح المسار، وتعيد تشكيل المستقبل بيد الناس أنفسهم.
تلك “الوصفة غير المتوقعة” لم تكن معادلة سحرية مكتوبة في دستورٍ أو نص، بل كانت تطورًا متكاملًا، تفاعل فيه كل بُعد ليغذي الآخر، ويصنع لوحةً متناسقة تجتمع فيها الألوان لتشكل رؤية إنسانية شاملة. إنها تجربة توازن بين العقل والروح، بين الحرية والمسؤولية، بين الذات والجماعة، تجعل الإنسان يُدرك أن التقدم لا يُقاس بالقوة، بل بالقيمة التي تُضاف للإنسانية.
منذ الستينيات، انطلق الغرب في رحلة التشييد الكبرى، حيث اجتمعت قوى الصناعة مع شغف الاكتشاف، واندفعت الآلات تزأر في مصانعها، وأفكار العلماء تضيء سماء الإنسانية. أطلقت التكنولوجيا طوفانًا من الابتكارات؛ جلبت معها رفاهية لا حدود لها، جعلت الأسواق تتدفق بسلع متنوعة، وأصبحت متاحة للجميع، وكأن الرفاهية لم تعد ترفًا، بل حقًّا مكتسبًا.
على عكس المشروع الغربي الذي دمج بين العقلانية والروح، وبين الحقوق الفردية والمسؤولية الاجتماعية، اعتمد الاتحاد السوفياتي على قمع الفرد لصالح الأيديولوجيا الشمولية. هذا النقص في التوازن جعل النظام يبدو وكأنه يجبر المواطنين على الانصياع، بدلًا من أن يمنحهم إحساسًا بالانتماء والثقة. وفي نهاية المطاف، انهار النظام عندما تآكلت روح التعاون الطوعية وتحولت إلى عبء مفروض؛ حيث لم يجد المواطن السوفياتي نفسه مؤمنًا بالنظام، بل أصبح مجرد ترسٍ في آلة ضخمة تخدم طبقة نخبوية.
القوة الناعمة للغرب ليست بريئة تمامًا؛ فهي لا تدمر الثقافات الأخرى بشكل مباشر، لكنها تفككها من الداخل، فتبث شعورًا بالدونية لدى الهويات الضعيفة، وتغريها بتبني القيم الغربية كسبيل للتقدم. فيختار الإنسان بإرادته، ودون إكراه، أن يصبح جزءًا من هذا “الغرب” ولو كان جغرافيًا في الشرق.
أمام هذا البريق، أصبحت الهويات الأصلية تبدو باهتة، وكأنها مجرد إرث قديم لا يليق بهذا العصر. بدأت المجتمعات تنسلخ عن تراثها، عن تقاليدها، حتى عن لغتها التي تحمل حكايات أجدادها، وبدأت ترى نفسها أقلّ، تبحث عن هوية هجينة، هوية تجمع بين ملامحها الأصلية وظلال الهوية الغربية التي تبدو كالمرآة، تعكس صورة مشرقة، لكنها لا تعكس حقيقتها.
هذا الاستلاب الثقافي لا يُرى، لكنه يُحسّ، إنه الشعور الدفين بالنقص، بالرغبة في التماهي مع الآخر حتى وإن كان بعيدًا.
الرفاهية الغربية، تلك اللوحة البراقة التي لامست أعين الشعوب من بعيد، كانت أشبه بسحرٍ جميل أخفى وراءه حقيقة معقدة، متشابكة بخيوط العولمة واقتصاد السوق. لقد استلهم الغرب صورته من نور العلم والصناعة، لكنها لم تكن تنير دروب الإنسانية كلها، بل جعلت منها سرابًا لامعًا يُعانق الأفق، بينما الأرض في بعض أطرافها تغرق في الظلال.
تحت السطح الهادئ للمدن الغربية المزدهرة، كان هناك نظام اقتصادي يمدها بما تحتاجه، لكنه لم يُبنَ على عدالة عالمية، بل على استغلال جرى تحت ستار التجارة الحرة؛ موارد من الجنوب العالمي تُستنزف، ويدٌ عاملة تعمل بلا كلل ولا عطاء، فقط ليظل الغرب في سطوعه المستمر، يقدم لأبنائه حياة مريحة لا تشوبها العثرات. كانت هذه الرفاهية حلما مُشتَرَكًا ولكنه محصور؛ حلمٌ يعيشه البعض ويُعاني آخرون ليدعموه، فيصبح بريق الغرب الذي نراه مرآة، تعكس للعالم صورةً جميلة وتخفي حقيقةً مرّة.
مع دخول العالم عصرًا جديدًا، بعد أزمات مفصلية كأحداث 11 سبتمبر والأزمة المالية في 2008، أدرك الغرب أن صراعات اليوم ومستقبله لم تعد تحسمها رفاهية داخلية تُمنح لمواطنيه، بل قوى أعمق وأكثر تعقيدًا، قوى تعتمد على التفوق التكنولوجي، الهيمنة الإعلامية، والاستثمار العسكري الذكي. هذا التحول، من عالم يتفاخر بنظام اجتماعي يقوم على دعم المواطن، إلى عالم يركز على امتلاك أدوات السيادة الخفية، يعكس رؤية جديدة، حيث باتت القيم والأفكار المستقرة مجرد أدوات تُحرك حسب الحاجة، ويعاد إنتاجها وفق ضرورات البقاء والتفوق في وجه عالم متعدد الأقطاب.
لم تعد الرفاهية الغربية محركًا استراتيجيًا بحد ذاته؛ بل أصبحت وسيلة سياسية يستخدمها الغرب لكسب العقول من جهة، ولإقناع الشعوب الأخرى بالنموذج الغربي من جهة أخرى. ففي حقبة الحرب الباردة، كانت هذه الرفاهية أداة دعائية فعالة لإبراز التفوق الغربي على الاتحاد السوفيتي. أما اليوم، فقد تراجع بريقها، حيث أدرك الغرب أن الهيمنة الحقيقية لا تتأتى من رفاهية اجتماعية، بل من قوة التسلح المتقدمة، والتحكم في البيانات، ونفوذ واسع عبر شبكات التكنولوجيا.
الصين ذاك الشريك الاستراتيجي والخصم الضروري في آن واحد، تمثّل في وعي الغرب صورة مزدوجة، حيث تتضافر الشراكة الاقتصادية مع نغمة التهديد التي لا تنقطع. فبينما تندمج مصالح القوى الكبرى، وتنتقل الصناعات، وتزدهر الأسواق، ينبعث عبر الإعلام الغربي هاجسٌ متنامٍ من “التهديد الصيني”، ليصبح هذا المصطلح أداة جيوسياسية تُستخدم لتعزيز الشعور بأهمية اليقظة، وكأن هذا التهديد قد صيغ بمهارة ليبقي الجمهور على استعداد لتقبل السياسات الجديدة والضرورية.
تعمل الصين هنا كشريك وخصم، لكنها أيضًا عامل محفّز للغرب لإعادة تشكيل ذاته، ولتبقى أداة للتوازن في لعبة السيطرة العالمية، حيث لم يترك الغرب موقعه الريادي بعد. لعبة تُوظف فيها المخاوف كأنها معادلة مستدامة؛ فبقاء الغرب يقظًا مرتبط بوجود خصم خارجي، حتى وإن كان هذا الخصم شريكًا في العمق.
إن الاتهامات المتبادلة بين الساسة حول قضايا كبرى، مثل دعم الإرهاب أو التلاعب بالأوبئة، تشير إلى تصدع في الأساسات التي كانت تُعتبر راسخة. هذه الاتهامات ليست مجرد سجالٍ سياسي، بل هي انعكاسٌ لشرخٍ أعمق، حيث يشعر المواطن العادي اليوم بأن العدالة لم تعد حقًا مقدسًا، بل باتت ساحة معركة تحكمها المصالح والأجندات. في هذا المناخ، يتراجع مفهوم الدولة ككيان حامٍ للحق ليصبح مشهدًا زائفًا، وكأن المؤسسات التي بُنيت كحصون للعدالة والنزاهة تفقد قيمتها ورمزيّتها، لتتحول إلى أصداء خاوية تردد شعارات باتت تُقابل بالشك والتساؤل.
صعود ترامب، رغم التهم الكثيرة الموجهة إليه، لا يُعد مجرد انتصار شخصي بقدر ما هو إشارةٌ على تصدعٍ عميق في مفهوم الدولة، وخلخلة في بناء مؤسساتها التي كانت تُعتبر يومًا صروحًا للعدالة والديمقراطية. وكأن هذا الحدث يكشف عن أزمة في هوية الدولة نفسها؛ الدولة التي تأسست على قيم الحرية والعدالة، أصبحت اليوم محاصرةً بشكوك الناس في قدرتها على حماية تلك القيم. إن صعود ترامب يحمل في طياته رسالة مفادها أن المواطن العادي لم يعد يرى في النظام القضائي درعًا للحق، بل ربما يرى فيه أداةً في يد السلطة، قابلة للتوجيه وفق المصالح المتغيرة.
يمكن النظر إلى هذا الحدث كحالة من “موت المفاهيم” التي كانت توحد المجتمع، والتي أضحت الآن مثار سخرية واحتجاج. الدولة في تصورها الأعلى كانت حامية الفضيلة العامة، المؤسسة التي تحمي المواطن من التجاوزات وتمنحه حق اللجوء إليها لطلب العدل. أما الآن، فتبدو هذه المؤسسات كأنها أصداء خاوية، تعيد تكرار خطابات العدالة بينما يتزايد الشك في مصداقيتها. المواطنون الذين يتجهون نحو تأييد ترامب بهذا الزخم رغم الاتهامات، كأنهم يعبرون عن إحباط جمعي ورفضٍ صريح للهيمنة التقليدية للمؤسسات التي لم تعد تعكس تطلعاتهم أو تحفظ حقوقهم.
هذا الحدث، في عمقه، يعكس أزمة في معنى “الدولة” ذاتها؛ الدولة ليست هيكلًا من البنايات والمحاكم فقط، بل هي بنية اجتماعية ونفسية وثقافية، تحكمها الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم. وعندما تنهار تلك الثقة، يصبح النظام هشًا، وكأنه كيان خارجي مفروض على المجتمع وليس جزءًا أصيلًا منه. في لحظةٍ كهذه، يصبح النظام عرضةً لانقسامات داخلية تفتك بجذوره وتجعله يبدو في عيون مواطنيه كقوة غير ذات صلة بحياتهم اليومية، أو بعبارةٍ أخرى، كجسدٍ بلا روح.
فوز ترامب هو صرخة احتجاج ضد بنية كاملة، وكأن الشعب يقول بوضوح: إننا لا نرى بعد اليوم في الدولة ما كنا نظنه يومًا من أمانٍ وعدل، وإننا بحاجة إلى نظامٍ جديد يُعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين العدالة والسلطة، وبين ما هو حقيقي وما هو مسيس.
أمام هذا الواقع، يقف الغرب، لا فقط الولايات المتحدة، في مفترق طرق حقيقي. إن الديمقراطية الغربية، التي ظلت طوال عقود عنواناً للعدالة والشفافية، تبدو في خطر، ليس بسبب ضعف آلياتها، بل بسبب فقدان ثقتها بنفسها. إنها أزمة وجودية تطال معنى العدالة نفسها، وتحولها من فضيلة راسخة إلى شعار هش. هذا الشعور المتزايد بأن العدالة تحوّلت إلى لعبة بين النخب هو ما يخلق الفجوة العميقة بين المواطن والمؤسسات.
يعاني الغرب من إرهاقٍ وجودي؛ كأنه استنزف طاقته في سباق الهيمنة والسيطرة. أصبح المجتمع الغربي في بحث دائم عن قيمة جديدة تُعيد له ملامح الرضا، لكن هذا البحث قاد إلى تزايد الانقسامات الداخلية وتفاقم اللامبالاة الفردية تجاه الصالح العام. وقد يكون في هذه الأزمة جزءٌ من المصير المحتوم لأي حضارة تتغافل عن جذورها الروحية، وتُسلّم نفسها لآليات الاستهلاك والقوة دون التفات إلى ما يُغذي الروح.
نحن أمام مشهد فريد، حيث الحضارة التي ارتكزت على العقلانية والعدالة تجد نفسها الآن محاصرة بما يمكن تسميته بـ”نيران الذات”. فبذور القوة التي غرستها قديماً لتمكين الفرد، وللتأكيد على قيمة الحرية، نراها الآن تتوالد كأطياف من الشك وانعدام الثقة، تنتقل بين مؤسسات الدولة، وتجتاح المجتمع، حتى أصبح الفرد يتساءل إن كان الحلم الغربي الذي عاشه طوال عقود هو ذاته اليوم، أم بات طيفًا من أطياف الماضي.

