المساء اليوم – حسنية أسقال: زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسعودية، ومن قبلها الإمارات، خلال أقل من عام، تجسيد واقعي لانهيار لغة "نصرة المظلومين والمضطهدين" في المنطقة والعالم، التي تبناها الرئيس التركي في السنوات الماضية، والتي جعلت منه "خليفة المسلمين وناصر قضاياهم العادلة"، في عيون معجبيه. البعض اعتبر زيارة أردوغان الأخيرة للعاصمة السعودية الرياض، والتي جاءت بعد سنوات من التوتر والهجوم المتبادل وحرب المنابر بين البلدين، وقول "ما لم يقله مالك في الخمر"، ترسيخاً لمبدأ "السياسة تُبنى على المصالح"، وإن كان لها أيضا مبادئ وأخلاق، والأخلاق ضميرك أن تشبه نفسك، وأردوغان حسب معارضيه، سريع التبدّل في المواقف، ويصعب أن تثق في استمراره في سياسة واحدة. فخلف كل قضية يتبناها هناك أجندة، فالوقوف بجانب السوريين ضد نظام الأسد، خلفه محاربة الأكراد وضمان الحدود والتحكم بمنطقة في سوريا تُستخدم ورقةً في التفاوض مع روسيا وأميركا.. أما الوقوف، مع المسلمين في أوروبا مثلا، فخلفه خلقُ نفوذ، عبر الجاليات التي تعاني أجزاء منها من التضييق، واستعماله كورقة ضد الدول الغربية، وفق خصومه. فما أن حطّت طائرة أردوغان في جدة للقاء العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، حتى طُويت جميع الملفات الخلافية "العميقة"، وطُوي معها الملف "البشع" لمقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، والذي كان محل خلاف وتصعيد كبيرين بين الدولتين، ومعركة أنقرة، قامعة الصحافيين، لتصفية خلافاتها التي تمتد لسنوات مع الرياض، وذلك تحت شعار "تحقيق العدالة لخاشقجي ومحاسبة المتورطين في مقتله"، الشعار الذي بات اليوم هامشياً وغير جدير بالاهتمام والتحقيق. القائل قد يُعلل ذلك أن الأتراك ينتظرهم صيف ساخن للغاية مع حلول موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في صيف 2023، أصعب انتخابات يواجهها "العدالة والتنمية"، حزب أردوغان، منذ وصوله إلى السلطة في عام 2002، في ظل ارتفاع التضخم عالمياً والتراجع الذي شهدته قيمة الليرة التركية، والاقتصاد التركي خلال العام الماضي 2021. لكن خصومه يرون أن ذلك ليس بالغريب على أردوغان، حيث يصفونه بـ"الزئبقي، الذي لا حليف له في الداخل أو في الخارج، همه الأوحد مصلحته شخصياً.. لا أصدقاء لديه حتى من بين أعضاء حزبه، فهو من عزل سياسياً رفاق دربه، كالرئيس الأسبق عبدالله غل، ووزير الخارجية أحمد أوغلو.. وقبلهما تخلص ممن أوصلوه إلى سدة الحكم (حركة فتح الله غولن) واتهمهم بالتآمر عليه، وشن حملة على مدارسهم وصادر ممتلكاتهم، وزجّ بهم في السجون.. كما سيطر على الجيش سيطرة تامّة، ناهيك عن التضييق على القضاء والصحافة والإعلام برمته، ووضع الكثيرين من صحفيين وقضاة في السجون. رجل المتضادات، حسب معارضيه، فهو مع داعش يُسهل التحاق المقاتلين بالتنظيم ويؤمن وصول الأسلحة إليه في سوريا، ويشتري منه النفط المسروق "عياناً "من العراق وسوريا، لكنه في الوقت ذاته يُجاهر بمحاربته ويُرعد ويزبد كلما سنح له "منبر"، ويتفاخر بأن"تركيا هي الدولة الوحيدة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي حاربت داعش وجها لوجه وقدمت شهداء وحيدت نحو 4 آلاف من عناصره الإرهابية". خليفةُ "إخوانيي العالم العربي"، من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا، فهو من تلقّى منهم البيعة، في فبراير 2011، تلقاها من يوسف القرضاوي ومن خالد مشعل ومن غيرهم علناً في مؤتمر على رؤوس الاشهاد، "فالله سينصر أردوغان ما دام المسلمون الصادقون معه"، حسب القرضاوي. كما أنه صاحب التصريحات غير المسؤولة التي أطلقتها الحكومة التركية في شؤون دول مستقلةٍ ذات سيادة، بعد كل هزيمة مُنيت بها الأحزاب الإسلامية التي تربطها "وحدة الأيديولوجيا" مع حزبه، كما حدث لحزب (العدالة والتنمية) في المغرب، وحزب (النهضة) في تونس، و(الحرية والعدالة) في مصر، وكأن حلم الخلافة العثمانية الذي يسكن أردوغان، بات بعيد المنال، خصوصا، وحسب خصومه، وأنه كان يُمنّي النفس بحكم "حزام إخواني" يمتد من سوريا، مروراً بمصر، إلى دول الاتحاد المغاربي، بدعم ومساندة من التنظيم الدولي لـ(الإخوان المسلمين). أردوغان هو الطامح لبسط مجال النفوذ السياسي والاقتصادي لتركيا، من خلال الاستثمارات التركية والمبادلات التجارية، التي لم تكن أبداً متكافئة بين بلده وبين البلدان العربية الأخرى، كما في حال المغرب، حيث كانت أنقرة تميل إلى توسيع الكفة لمصلحتها، بسبب رفع الصادرات التركية نحو المغرب، من دون رفع صادرات الرباط نحو أنقرة. وهو الذي غادر في 2009 دافوس غاضبا بعد مشادة كلامية مع الرئيس الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز على خلفية أحداث غزة، وهو أيضاً من استقبل بحفاوة بالغة، مارس الماضي، الرئيس الإسرائيلي الحالي إسحاق هرتسوغ، في أنقرة، قائلاً "كلنا أبناء إبراهيم، وكلي ثقة في أن الزيارة التاريخية لهرتسوغ ستكون نقطة تحول جديدة في العلاقات بين بلدينا". باني تركيا الجديدة.. ورُبان نهضتها لكن هناك من يرى أن سياسة أردوغان هدفها الأول والأخير مصلحة بلاده تركيا، فالرجل استطاع وضع بلاده على خريطة الدول التي تُعتبر اقتصاداتها من أسرع اقتصادات العالم نمواً، ناهيك عن أنها باتت قوة أقليمية لا يُستهان بها وطرفاً رئيسيا في العديد من الملفات الدولية. فالطفل الصغير الذي وُلد لأب من منطقة البحر الأسود، يعمل ربان زورق، هاجر طفلا إلى اسطنبول، حيث كان يبيع لفافات الخبز وعصير الليمون ليتمكن من دفع تكاليف مدرسته الدينية، ليحول بعد سنوات تركيا من الدولة، التي كانت محاصرة بسلسلة من انقلابات الجيش حينها، إلى بلد مختلف تمام الاختلاف. أردوغان في عيون مؤيديه رُبان تركيا الحديثة، استطاع تغيير صورة البلاد، منذ أن وصل حزبه "العدالة والتنمية" إلى سدة الحكم عام 2002، وعلى نطاق لم تشهده منذ أسس كمال أتاتورك الجمهورية التركية عام 1923 على أنقاض الامبراطورية العثمانية المهزومة. وحسب خبير الشؤون التركية في (معهد كارنيغي للسلام الدولي) بواشنطن، هنري باركي، فإن "أردوغان يريد أن يذكره الناس بوصفه الرجل الذي صنع من تركيا قوة عالمية، ويريد أن يثبت للعالم أنك تستطيع أن تكون لاعبا عالميا ومسلما في نفس الوقت". كما أن الرجل يملك من الكاريزما السياسية، ما جعله يتحدى الجيش والقضاء العلمانيين في وقت شهد انتقال السلطة من أيدي النخب الحضرية التي تميل للغرب الى طبقة جديدة من المسلمين المتدينين، في حين أدت سياسات السوق التي شجعها حزبه إلى زيادة نصيب الفرد من الدخل القومي. فأردوغان بدل مكانة تركيا في العالم وفتح أسواقا جديدة في آسيا وإفريقيا، وعلى الرغم من شخصيته المثيرة للجدل فان حتى ألد أعداء أردوغان لا ينكرون أنه قوة يعتد بها، وأنه سياسي محنك لكن "المشكلة أنه أصبح صانع القرار الأوحد في البلاد". الكثير من الأتراك يحترمون أردوغان لإعادته الاستقرار إلى البلاد التي عانت من عقود من الائتلافات الفوضوية والانقلابات وخطط الإنقاذ المالي الدولية الفاشلة، وجعل الندية والمصالح المشتركة أساس السياسة الخارجية لتركيا. وبلغة الأرقام نجد أن حجم التجارة في تركيا عام 2002 كان 250 مليارًا، وفي عهد أردوغان بلغ حجمها أكثر من 840 مليارًا، والدخل القومي للفرد في تركيا تضاعف أربع مرات ففي 2002 وصل إلى 3000 دولار، أما الآن فالدخل القومي للفرد تجاوز 11 ألف دولار. كما استطاعت تركيا في عهده تعزيز، وبشكل كبير، استقلاليتها في إنتاج الأسلحة، حيث حققت قفزة صناعية وتكنولوجية كبيرة جعلتها أحد أكبر مصدري الأسلحة في العالم، لا سيما بالنسبة للطائرات بدون طيار. وإن كانت صناعتها العسكرية لا تزال تعتمد في عدة أبعاد على الممونين الأجانب. انتخابات 2023 الحاسمة لكن الرئيس التركي يدخل الانتخابات المُقبلة وبلاده تعاني من أزمة اقتصادية جرَّاء الديون الضخمة وانخفاض قيمة العملة وارتفاع معدل التضخم، أمور دفعت "العثماني المُتعطش" إلى إعادة حساباته وتبني سياسة "الانفتاح" على الدول التي في خصومة سياسية معها، وخصوصاً دول الخليج، حماية لمصالحه وضمانا لـ"ضخ الأموال"، التي قد تساعده على تجاوز أزمة ضعف الثقة في قيادته لدى الأتراك، خصوصا وأن نسبة التأييد الشعبي له تراجعت منذ 2021، وهذا أكبر تحد لأردوغان في انتخابات 2023.