المساء اليوم - ح. اعديل: بيير كازالتا، على الرغم من أنه عسكري سابق. فقد جاء إلى المغرب أوائل عقد الثمانينات في مهمة اعتبرها مقدسة. ففي الوقت الذي كان المغرب يعاني من الضربات القوية للدبلوماسية الجزائرية، خصوصا فيما يتعلق بقضية الصحراء التي كانت الدول تعترف بـ"جمهوريتها" الواحدة تلو الأخرى، فإن المغرب اختار أن يصنع لنفسه انتصارا آخر، وهكذا جاء خلق إذاعة (ميدي1) لكي تصبح الوجه الآخر للدبلوماسية المغربية، في مواجهة حركية كبيرة الدبلوماسية الجزائرية المسنودة بقوة من المعسكر الشرقي والشيوعي. جاء كازالتا إلى المغرب بتوصية من جهات فرنسية نافذة باعتبار أنه رجل البندقية الإعلامية. ولأن هذا الفرنسي ذي الملامح الصارمة الشبيهة بملامح جنود نابليون بونابرت، عسكري ويعرف معنى الاضطرابات الاجتماعية، فإنه قدم نصيحة من ذهب إلى المسؤولين المغاربة عندما ارتجى منهم أن ينقلوا إذاعة (ميدي1) من الدار البيضاء، حيث كان مرتقبا أن يكون مقرها في البداية، إلى مدينة طنجة، هذه المدينة المستلقية على مرمى حجر من أوروبا، أما السبب فهو تلك الاضطرابات الاجتماعية الخطيرة التي عرفتها الدار البيضاء بداية الثمانينات، والتي جعلت منها مدينة غير آمنة، وأيضا مدينة لا يتناسب موقعها الجغرافي على المحيط الأطلسي لكي تحمل اسم "إذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية"، وهو الإسم الشرفي لإذاعة (ميدي1). نجح كازالتا في فتح جبهة إعلامية حقيقية مع الجزائر انطلاقا من طنجة. إنها حرب إعلامية هادئة لا تملك معها الدبلوماسية الجزائرية أي شيء. ففي الوقت الذي كانت الإذاعة تفكر ألف مرة قبل إذاعة أي شيء متعلق بالمغرب، إلا فيما ندر، فإن الأخبار المتعلقة بالحرب الأهلية في الجزائر مطلع التسعينيات، التي اندلعت عقب توقيف الانتخابات بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية ساحقة في الدور الأول، كانت تعرف طريقها سريعا إلى الإذاعة، وهكذا تحولت (ميدي1) إلى الإذاعة رقم 1 في الجزائر، وأصبح الجزائريون يضعون آذانهم عليها كما لو أنهم ينصتون إلى نشرة سرية. بل إن الجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر أصبحت تخص مدي1 ببعض بياناتها، فتفتتح بها نشرات أخبارها بكثير من الفخر. لكن كازالتا مجرد جندي إعلامي، وليس إعلاميا بالمفهوم الحقيقي للكلمة. لقد وضع نفسه وخبرته في خدمة المغرب، وفي خدمة الملك الراحل الحسن الثاني على الخصوص، ولم يقدر يوما على اقتراح توسيع فكرة (ميدي1) لتشمل إذاعات جديدة، بل كان يمارس دكتاتورية الإذاعة الوحيدة، منتشيا بنجاحاته، كما ينتشي زعماء الأحزاب الوحيدة في العالم الثالث بالديمقراطية التي تمنحهم نسبة 99.99%. كان كازالتا قريبا جدا من الملك الراحل، والخط بينهما مفتوح كما لو أن الأمر يتعلق بصديقين حميمين. واستلهم كازالتا من الحسن الثاني بعض الصفات "الملكية"، من بينها أنه لم لكن يعطي أبدا تصريحات صحافية، وظل ذلك حتى وفاته. كان، وهو في أوج نجاحه، يشبه "حكومة ظل" إعلامية، لا أحد يستطيع أن يحاسبه أو يقول له أفّ. كما أنه لا يمكن أن تراه العين المجردة بسهولة. في طنجة اختار كازالتا لنفسه سكنا قصيا في منطقة الجبل الكبير، غير بعيد عن القصر الملكي، وكأنه يريد أن يكون قريبا من الملك.. قلبا وسكنا. كما أنه رجل لا يحب كثيرا الاختلاط بالناس العاديين. إنه يريد فقط أن يسمعوه، لكنه نادرا ما يستمع لأحد. كازالتا إن نسي شيئا فهو لم يكن ينسى روحه العسكرية. كان يستيقظ في السادسة صباحا كل يوم ويشتغل، وهو تجاوز الستين، كما لو أنه في العشرين. يطارد كل كبيرة وصغيرة في الإذاعة فيحس صحافيو (ميدي1) كما لو أن الرجل يضع فوق رأسهم بندقية.. فرنسية الصنع طبعا. كازالتا جعل (ميدي1) تمارس حرفتها الإعلامية بصرامة، لكنها صرامة خارج كل إبداع. لا ألوان كثيرة في هذه الإذاعة، لكنها نجحت، والصحافي الناجح ليس من الضروري أن يكون مبدعا، لكنه عندما أراد أن ينقل نجاحه الإذاعي إلى النجاح التلفزيوني، فإن صدمة حياته كانت في انتظاره. أنشأ كازالتا النسخة التلفزيونية من إذاعة مدي1، وسماها "قناة (ميدي سات)، والتي خرجت من الخيمة مائلة، ولم تحقق النجاح المنشود، ومما كرس فشلها هو أن الرجل لم يكن يأبه لكل الانتقادات التي توجه إليه، ولا يهمه إن قيل إنه "مرتزق إعلامي" لأنه يعتقد أنه يقوم بمهمة مقدسة. وربما اعتقد نفسه قديسا. لكنه ليس كذلك بالتأكيد. إنه ببساطة "إعلامي من زمن العولمة". عانى كازالتا كثيرا لكي يضع القناة التلفزيونية (ميدي سات) أمام عيون بين المغاربة، لكنه فشل لأنه كان يراهن على النخبة الفرنكفونية في المغرب لكي تصنع نجاح قناته، لكن اللغة الفرنسية وحدها لا تكفي لإغراء هذه النخبة. كان شبيها بنملة دؤوبة ومجدة وهو في الإذاعة، ثم تحول إلى نملة بأجنحة بعد إنشاء القناة التلفزيونية، وربما غاب عن ذهنه أن النملة تقترب من نهايتها حين تكتسب أجنحة، فإما تلسعها النار، أو تلتقطها مناقير الطيور. بدأت أخطاء كازالتا عندما وضع القناة في إطار بث القمر الصناعي "هوتبورد"، فكانت (ميدي سات) ضحية اختيار ساذج، قبل أن تصبح بعد ذلك ضحية عوامل أخرى، من بينها أن الرجل اعتقد أن النجاح الذي رافقه في إذاعة "مدي1" يمكن أن يرافقه في قناة (ميدي سات) أيضا، لذلك اعتمد على صحافيين كثيرين لا يتجاوز عمرهم الخامسة والعشرين عاما، وبعض هؤلاء كانوا يسألون بعضهم البعض عمن يكون الجنرال بينوشيه، وأين توجد الشيلي، وهل نيكاراغوا توجد في أرخبيل أندونيسيا أم على الحدود مع رومانيا، وضاعوا بين زحمة أسئلة كثيرة فكانوا جزءا من الفشل، وكانوا بدورهم ضحية. في وقت حاسم، قرر كازالتا أن ينسحب بالتدريج، فترك القناة التلفزيونية الفاشلة عائدا إلى إذاعته الناجحة، وكان يشعر بمزيج من الغبن والمرارة لأن قناته التلفزيونية كانت على حافة الإفلاس، كما أن فرنسا "خانته" لأنها أنشأت قناة فرنسية عربية (فرانس 24) تبث من باريس فسحبت البساط من قناته. لقد أدرك كازالتا مبكرا أن زمنه انتهى، فانسحب بالتدريج.. ثم ترك الإذاعة لخلفه حسن خيار، وبقي يداعب الزمن ويستمتع بالصمت في أواخر عمره، إلى أن غادر هذه الدنيا أخيرا عن 85 عاما، حاملا معه كل أسراه إلى قبره، بينما لا تزال إذاعته تراوح النجاح.. وقناته تراوح الفشل.