حمزة الوكولي لما كنا أطفالا، كانت الفرق النحاسية تجوب الأحياء والساحات مطربة الجميع بأغنية المبدع رشيد برياح: "هيهو مبروك علينا هاذي البداية ومازال مازال". أغنية لم تكن مجرد كلمات أو لحن عابر، بل كانت جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة، خصوصا أبناء أواسط الثمانينيات الذين ما زالوا يحفظونها عن ظهر قلب ويرددونها كلما حضرت الكرة الوطنية في المواعيد الكبرى. وها أنا اليوم أعيش المونديال الثامن في حياتي، بعدما تابعت خمس مشاركات مغربية منذ مونديال الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1994 وكان عمري آنذاك ست سنوات، إلى نسخة 2026 التي تعود من جديد إلى بلاد العم سام، ولكن هذه المرة بشراكة مع كندا والمكسيك. ولعلها من جميل الصدف أن أول مونديال وعيت تفاصيله كان على الأراضي الأمريكية، وها أنا أعيش بعد اثنين وثلاثين عاما نسخة جديدة على الأرض نفسها، لكن بأحلام مغربية أكبر وطموحات أعلى. وبعد الملحمة الخالدة التي سطرها أسود الأطلس في قطر سنة 2022، يواصل المنتخب المغربي رحلته بين الكبار ليبلغ الأدوار الإقصائية ويضرب موعدا مع منتخب هولندا، أحد أعمدة كرة القدم العالمية وأصحاب فلسفة "الكرة الشاملة" التي وضع أسسها المدرب الكبير رينوس ميخلز. تلك الفلسفة التي غيرت وجه كرة القدم الحديثة، وجعلت من أجاكس أمستردام سيدا لأوروبا بإحرازه كأس الأندية الأوروبية البطلة سنوات 1971 و1972 و1973، قبل أن تبلغ أوجها مع المنتخب الهولندي بقيادة الأسطورة يوهان كرويف لاعبا في مونديال 1974، عندما أذهل العالم بأسلوب لعب ثوري قاد الطواحين إلى المباراة النهائية. وبعد اعتزاله، واصل كرويف نشر أفكاره مدربا في أياكس ثم برشلونة، لتصبح مبادئه الكروية لاحقا أساسا لمدرسة استحواذية ألهمت ظهور ما عرف فيما بعد بالتيكي تاكا. لكن كرة القدم لا تعترف بالتاريخ وحده، ولا تنتصر فيها المدارس العريقة دائما. فهناك عنصر آخر لا يمكن قياسه بالأرقام ولا بالألقاب، اسمه الروح. والروح المغربية تحديدا أثبتت للعالم في أكثر من مناسبة أنها قادرة على تجاوز كل الحسابات والتوقعات. ولهذا نتفاءل اليوم بالداهية محمد وهبي، الرجل الذي لا يؤمن بالنمطية، ويعشق تغيير الخطط التكتيكية أثناء المباريات، ويجيد قراءة الخصوم وإرباك حساباتهم. مدرب يدرك أن مباريات خروج المغلوب لا تترك مجالا للأخطاء، وأن التفاصيل الصغيرة قد تصنع تاريخا كبيرا. صباح يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026، وعلى أرضية ملعب مونتيري، سيكون الموعد مع فصل جديد من الحلم المغربي. تسعون دقيقة تفصل جيلا كاملا من اللاعبين والجماهير عن إنجاز جديد، وعن فرصة أخرى لتأكيد أن ما تحقق في قطر لم يكن استثناء، بل محطة ضمن مسار منتخب تعلم كيف ينافس الكبار ويجبر العالم على احترامه. وفي مونتيري، لن يكون أحد عشر لاعبا فقط من سيدافعون عن الألوان الوطنية، بل سيكون وراءهم ملايين المغاربة من طنجة إلى الكويرة، ومن مونتريال إلى بروكسيل، ومن أمستردام إلى باريس ومن مدريد ستكون روما وباريس ولندن ونيويورك وكل بقاع العالم التي حتما لن تخلو من مغربي او مغربية، يحملون الدعاء نفسه والحلم نفسه. كل التوفيق لأسود الأطلس في هذه المواجهة الكبيرة. وكل الأمل أن نستيقظ على فرحة جديدة تضاف إلى سجل الكرة المغربية، وأن تعود الجماهير لتردد كما كانت تفعل منذ سنوات الطفولة: هيهو... مبروك علينا هاذي البداية... ومازال مازال... لأن الحلم لم ينته بعد، ولأن المستحيل ليس مغربيا، ولأن حمرة وفيها نجمة خضرة... عليها نموت ونحيا.