المساء اليوم - تطوان: توفي صباح أمس الاثنين، بمدينة تطوان، الفنان التشكيلي البارز العلمي البرتولي، بعد صراع طويل مع المرض، وفي ظل نسيان وتجاهل الجهات الرسمية والفنية. وظل الراحل يصارع المرض لوقت طويل وفي ظروف مادية مزرية، علما أنه يعتبر واحدا من أبرز الفنانين التشكيليين المغاربة خلال العقود الأخيرة، وتخرّج على يديه الكثير من الفنانين التشكيليين المشاهير. الفنان البرتولي العلمي، الذي عُرف عنه كونه صاحب مدرسة متفردة في الفن التشكيلي، حيث كان يرسم بالتنقيط وبيد واحدة، يعد أحد أعمدة الفن التشكيلي المغربي، ويوصف بـ”فنان الصمت والإبداع الخالص”، حيث اختار العمل بعيدًا عن الأضواء، متفرغًا لتكوين أجيال من الفنانين الشباب بثانوية القاضي عياض، وترك بصمته في مسار كل من تتلمذ على يده، ممن يشغلون اليوم مناصب ومسؤوليات في مجالات متعددة. ورغم كل هذا العطاء، لم يتم الاعتراف لهذا الهرم في فن التشكيل ببعض ما أسداه لهذا الفن، ومات وحيدا ومريضا ومعوزا. وطوال عقود خمسة، فضّل العلمي البرتولي العمل في صمت بعيداً عن الأضواء وعدسات الكاميرات، حيث كان همُّه الأكبر العمل من أجل خلق جيل ذواق يتمتع بمهنية عالية وإحساس مفعم بالجمالية والتعبير الصادق، إضافة إلى التّفاني في أداء مسؤولية جسيمة يتحمّلها الفنان من أجل تقدم الشعوب والأمم. وطيلة عقود من العمل في صمت، قدّم العلمي البرتولي إبداعات تشكيلية رائعة، وهي إبداعات نادرة جدا، لأنه وظّف فيها وسيلة لا يجرؤ عليها أغلب الفنانين التشكيليين، وهي تقنية «التنقيط». كما أن الموضوعات التي حملتها إبداعاته التشكيلية كانت وما تزال مواضيع حساسة ومثيرة وذات جرأة. وقدّم البرتولي أعمالا وصفها النقاد بأنها ذات نكهة عالمية، وأثرت المشروع التشكيلي النهضوي بإبداعات مؤثرة مستوحاة من واقع مُعاش وحياة مرة. كما انبرى البرتولي إلى تجسيد حياة البسطاء ومعاناتهم من خلال لوحاته الفائقة الدقة. وهكذا التقط تفاصيلَ الإنسان القروي، بحمولته الواقعية والتاريخية، وغاصت لوحاته في أعماق مجتمع نادرا ما يحظى بالتفاتة من أغلب الفنانين المغاربة أو الأجانب. ويعتبر البرتولي فنانا بعيد الرؤية، واسع التصور، يستلهم الأحداث والمواقف الاجتماعية القريبة منه والبعيدة، حيث يعتبر أن أجمل وأعظم الصور يُترجمها الواقع الصادق، سواء كان مرا أو حلوا. فالفن، عند البرتولي هو معنى لتبليغ رسالة أساسية ومهمة في حياة الإنسان، وهو طريق للمعرفة، معرفة ذات قيمة عالية للإنسان، تماما مثل الفلسفة والعلوم. والفن أيضا يوازي المعرفة التي بواسطتها يتوصل الإنسان إلى فهم بيئته وتقدير أهميته من خلال وجوده في مجتمع يكتشف من خلاله ذاته. كما جعل الفنان العلمي البرتولي من أعماله وسيلة لاكتشاف الذات والمجتمع، وبعبارة أبسط، تمكّن الفنان البرتولي من تحويل التجربة الفلسفية والشمولية الكيانية إلى نبضة دم في القلب والجسد وتحويل هذه النبضة إلى صورة أو لوحة التشكيلية رائعة، لذلك وصفه النقاد بأنه فنان مُبدع ومميز ويتمتع بعبقرية وإحساس عميقين بالأشياء.