المساء اليوم -ح. اعْديّل:
مائة عام مرت على معركة أنوال، بشمال المغرب، التي فقد فيها الجيش الإسباني أزيد من عشرة آلاف من جنوده وضباطه وجنرالاته. هذه المعركة يخلدها الإسبان كل عام بطريقتهم الخاصة، عبر الكثير من النقاش حول الهزيمة وأسبابها وطرق الاستفادة منها.
وفي المغرب عادة ما تمر ذكرى معركة أنوال في صمت، باستثناء إشارات خجولة في بعض قنوات الإعلام العمومي والخاص، غير أن الذكرى المائوية لهذه السنة تحالفت مع الأزمة الدبلوماسية المستعرة بين الرباط ومدريد، فأنتجت احتفاء مغربيا خاصا بهذه المناسبة، وهو احتفاء لم يلق بولا مناسبا في الجارة الشمالية، التي اعتبرت احتفاء المغرب بمائوية إسبانيا بهذه الطريقة إهانة لإسبانيا وجنودها ورموزها التاريخية.
غير أن هذا الشعور في إسبانيا لم تترجمه قنوات رسمية، بل فقط وسائل إعلام، لكنها مقربة جدا من دوائر القرار في البلاد، مثل صحيفة “إيل كونفدينثيال” المقربة من دوائر اليمين المتطرف، وجريدة “لاراثون”، الناطقة بلسان الجيش الإسباني والمعبرة عن توجهاته الكبرى، عسكريا وإيديولوجيا.
سبب الامتعاض الإسباني هو أن بريد المغرب أصدر، بشراكة مع المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، طابعا بريديا تخليدا لمئوية معركة أنوال، وهذا الطابع البريدي الخاص يبرز ساحة معركة أنوال، اعتمادا على عمل فني يوجد في ملكية المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.
ووفق بلاغ لبريد المغرب، فإن هذا الإصدار الخاص “يأتي لإثراء مجموعة الطوابع البريدية التي تم تخصيصها لمواضيع المقاومة، وثورة الملك والشعب، والاستقلال، إبرازا لسعي بلادنا الحثيث نحو الحرية والاستقلال والوحدة الترابية”، يقول البلاغ.
غير أن صحفا ووسائل إعلام إسبانية مقربة جدا من دوائر القرار، عبرت عن موقف شبه رسمي من هذا الطابع، حيث وصفته صحيفة “إيل كونفيدينثيال” بأنه مستوحى من “البطل” التاريخي الإسباني، سانتياغو ماطاموروس، وهدفه رد الصاع صاعيْن لإسبانيا، بينما قالت صحيفة “لاراثون”، إن الطابع البريدي إهانة لأرواح عشرة آلاف جندي وجنرال إسباني “تم ذبحهم” في شمال المغرب في يوليوز 1921.
وقالت صحيفة “إيل كونفدينثيال” إن الاحتفاء المغربي بالذكرى المائوية لمعركة أنوال لم يكن متوقعا، حيث تم إصدار طابع بريدي يخلد هذه الذكرى، وهو طابع، اعتبرته الصحيفة، مثيرا للجدل، على اعتباره يمجد معركة ضد الإسبان في عز الأزمة الحالية مع إسبانيا، كما أنه طابع يحمل صورة تتشابه في الكثير من تفاصيلها مع الشخصية التاريخية الإسبانية، سانتياغو ماطاموروس، الذي تخلده الأدبيات الإسبانية بصورة خاصة وهو يمتطي فرسا أبيض، بينما من حوله الأندلسيون المسلمون صرعى أو جرحى.
ويعتبر ماطاموروس، واسمه يعني حرفيا “قاتل المسلمين”، أحد الشخصيات الدينية والعسكرية الأكثر دموية وتعصبا في تاريخ إسبانيا، والذي خاض مع مسيحيين متطرفين آخرين، حربا شعواء ضد الأندلسيين المسلمين في القرن التاسع الميلادي، وتخلده الصور التاريخية دائما وهو يركب حصانا أبيض ويحمل سيفه، بينما الأندلسيون على الأرض جرحى أو صرعى.
ويبدو أن شبه صورة ماطاموروس، وهو على حصانه الأبيض، بصورة بن عبد الكريم الخطاب في الطابع البريدي وهو على حصان أبيض، استفزت المشاعر التاريخية، وربما الدينية، للإسبان، الذين رأوا أن المغرب يرد لهم ديْنا تاريخيا، على الأقل في الصور، حين قلب صورة ماطاموروس وهو على أرض المعركة ويمتطي بخيلاء حصانه الأبيض ويدوس على جثث الأندلسيين، إلى صورة مشابهة لابن عبد الكريم وهو يمتطي حصانه الأبيض في أرض المعركة، بينما تحت حوافر حصانه جنود إسبان، إما صرعى أو يتوسلون بالإبقاء عليهم أحياء.
والت الصحيفة الإسبانية إن المغرب اختار أن يحتفي بشكل خاص بمائوية أنوال، وهو احتفاء جاء في وقت مناسب جدا بالنسبة للمغرب، حيث كانت الأزمة في أوجها بين مدريد والرباط عند حلول ذكرى مائوية أنوال، وهو ما جعل المغرب يختار بعناية شكل الاحتفاء، عبر إصدار هذا الطابع البريدي، الذي يبدو “أنه لم يكن بريئا”، تقول الصحيفة. الصحيفة أضافت أن الطابع البريدي أصدرته مؤسسة بريد المغرب، وهي مؤسسة عمومية مرتبطة بالدولة، وهو ما يعني أن قرار إصدار هذا الطابع تم بمباركة رسمية من الدولة المغربية. ولم تخف الصحيفة أن عسكريين كبار في إسبانيا لم يخفوا امتعاضهم من هذا، واعتبروا أن الصورة التي يحملها الطابع مدروسة بعناية، وهي رسالة واضحة إلى إسبانيا، رسالة تحمل أكثر من معنى. من جانبها انتقدت صحيفة “لاراثون”، المقربة من الجنرالات الإسبان، إصدار بريد المغرب لطابع يحمل ذكرى مقتل أزيد من عشرة آلاف عسكري إسباني من مختلف الرتب، واعتبرت الصحيفة أن إصدار هذا الطابع لا يحمل أي احترام لأولئك الضحايا. ويبدو أن “لاراثون”، التي تعبر عن اتجاه تقليدي راسخ في المؤسسة العسكرية الإسبانية، لا تقيم أي وزن للضحايا من المغاربة، ولا تفرق بين من دخل محتلا غازيا وبين من قاوم دفاعا عن بلاده وشرفه، وهذه العقلية لا تزال مترسخة بشكل كبير في المؤسسة العسكرية الإسبانية رغم تغير الأجيال.

