حمزة الوكولي
وأنا أتابع فيلما سينمائيا جسدت فيه مادونا شخصية إيفا بيرون، كنت أظن أنني أمام حكاية امرأة فقيرة صعدت من الهامش الاجتماعي إلى جوار رئيس الأرجنتين، وأن الجدل الذي رافق الفيلم، ومنه موقف الرئيس الأرجنتيني الأسبق كارلوس منعم من تصويره في بوينس ايريس، لم يكن سوى امتداد للصراع حول صورة امرأة اقتربت كثيرا من السلطة.
لكنني اكتشفت لاحقا أن قصة إيفا بيرون أكبر من ذلك بكثير.
كنت أظن أن الأرجنتين تختصر ذاكرتها العالمية في غيفارا، ثم مارادونا، واليوم ميسي. غير أن إيفا بيرون كانت، في جانب آخر من الذاكرة الأرجنتينية، أسطورة من نوع مختلف. لم تحمل بندقية، ولم ترفع كأسا، ولم تركض خلف كرة. حملت معها قصة امرأة خرجت من الفقر، ثم وجدت نفسها في قلب الحياة السياسية والاجتماعية، قبل أن تجعل من حضورها أداة للدفاع عن الفئات التي شعرت بمعاناتها.
كانت إيفا، أو إيفيتا كما عرفها الأرجنتينيون، أكثر من زوجة للرئيس خوان دومينغو بيرون. ارتبط اسمها بالعمال والفقراء، وبالمساعدات الاجتماعية، وبالصحة والتعليم والسكن والرعاية، كما كان لها دور مهم في النضال من أجل حق النساء في التصويت، الذي تحقق في الارجنتين سنة 1947.
وفي سنة 1951، بلغ حضورها السياسي مستوى غير مسبوق عندما طرح اسمها لتكون مرشحة لمنصب نائب الرئيس إلى جانب زوجها، قبل ان تتراجع عن ذلك في ظل ضغوط سياسية وصراعات داخلية، بينما كان المرض ينهش جسدها.
رحلت سنة 1952 وهي في الثالثة والثلاثين من عمرها، لكنها تركت وراءها ما هو اكبر من عمرها القصير: صورة امرأة استطاعت ان تتحول من شخصية هامشية الى فاعل اجتماعي وسياسي يصعب تجاهله.
ومن هنا بدأت أفهم أن قصة إيفا بيرون ليست فقط قصة صعود امرأة إلى السلطة، بل قصة انتقال المرأة من موقع السند إلى موقع التأثير.
وهنا يبدأ السؤال المغربي.
المرأة التي كانت سندا للجميع
في المغرب، لا تحتاج المرأة الى أن تبحث عن شرعية حضورها في المجتمع.
هي موجودة في صميمه منذ قرون.
في الأسرة، كانت الام والاخت والزوجة والبنت شريكة في تحمل المسؤولية، وفي التربية، وفي مواجهة الاوقات الصعبة، وفي الحفاظ على التماسك الاسري.
ومع التحولات التي عرفها المغرب، خرج هذا الحضور تدريجيا الى المجال العام. دخلت المرأة الجامعة، ومواقع العمل، والادارة، والقضاء، والطب، والهندسة، والاعلام، والاقتصاد، والسياسة، ومختلف مجالات الحياة العامة.
ولم تعد القضية اليوم هي: هل تستطيع المرأة ان تشارك؟
بل أصبحت: الى أي مدى يمكن أن تساهم في صناعة المستقبل؟
وهذا السؤال لا يمكن فصله عن المسار المغربي العام، ولا عن المرجعية التي احتضنت مختلف اوراش الإصلاح.
المغرب ورؤية ملكية جعلت الإنسان في قلب التنمية
حين نتحدث عن مكانة المرأة في المغرب، فان المرجعية الاولى لا يمكن ان تكون بعيدة عن الرؤية الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس.
فمنذ اعتلائه العرش، ارتبطت عدة اوراش اصلاحية بالنهوض بوضعية المرأة والأسرة، وتعزيز الحقوق، وتوسيع المشاركة في التنمية. وفي خطاب العرش سنة 2022، شدد جلالة الملك على ضرورة أن تساهم المرأة المغربية بكامل طاقتها في مختلف المجالات، وربط ذلك بتعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحسين وضعية المرأة والاسرة وتقوية قدرات الاقتصاد الوطني. كما اشار جلالته الى الاصلاحات الكبرى، ومنها مدونة الاسرة ودستور 2011 الذي كرس المساواة في الحقوق والواجبات وجعل المناصفة هدفا تسعى الدولة الى تحقيقه.
هذه ليست تفاصيل منفصلة.
إنها جزء من تصور اوسع للمغرب الذي يريد ان يجعل التنمية شاملة، ويعتبر الانسان اساسها وغايتها.
ومن هنا نفهم أيضا موقع المرأة داخل مشروع الدولة الاجتماعية.
الدولة الاجتماعية ليست أرقاما فقط
الدولة الاجتماعية لا تختزل في الدعم والحماية والتعويضات، مهما كانت اهميتها.
هي قبل ذلك تصور للمجتمع الذي نريد ان نبنيه: مجتمع يحمي افراده، ويمنحهم فرصا اكثر عدلا، ويواجه الهشاشة، ويقوي الاسرة، ويقلص الفوارق، ويجعل المواطن يشعر بان التنمية ليست بعيدة عنه.
وفي هذا البناء، تصبح المرأة عنصرا مركزيا.
ليس لأنها امرأة، ولكن لأنها فاعل اجتماعي واقتصادي واسري لا يمكن تجاهله.
فالسياسات المتعلقة بالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاسرة والتشغيل ومواجهة الهشاشة تمر، بشكل مباشر او غير مباشر، عبر واقع المرأة.
ولهذا فإن تمكينها لا يعني فقط تحسين وضعها الشخصي، بل رفع قدرة المجتمع كله على الصمود والتقدم.
ومن هنا تبرز أهمية التماسك الاجتماعي.
فالمجتمع المتماسك لا يبنى فقط بالمؤسسات والقوانين، بل ايضا بالاسرة، وبالثقة، وبالقدرة على تحويل جميع الطاقات الى قوة منتجة.
والمرأة واحدة من اهم هذه الطاقات.
حين تتحول المساواة من فكرة إلى سياسة عمومية
في هذا السياق جاءت الخطة الحكومية الثالثة للمساواة 2023-2026، تفعيلا لمختلف التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بالنهوض بوضعية المرأة، وانخراطا في الأوراش الاجتماعية الكبرى، ومن بينها تعميم الحماية الاجتماعية.
واللافت في هذه الخطة إنها لا تنظر إلى المرأة من زاوية واحدة.
فهي تقوم على ثلاثة محاور استراتيجية: التمكين والريادة، الحماية والرفاه، والحقوق والقيم، مع منظومة للحكامة والقيادة والتتبع.
وهذا يعني أن الصورة المنشودة ليست صورة امرأة محمية فقط، وإنما امرأة قادرة على المبادرة والعمل والانتاج والمشاركة والتأثير.
فالتمكين الاقتصادي والريادة يفتحان امامها طريق الاستقلال والمبادرة.
والحماية توفر لها شروط العيش الكريم والأمان.
والحقوق والقيم تواجه التمييز والصور النمطية التي يمكن ان تعيق مشاركتها الكاملة.
وبذلك تنتقل المرأة من كونها موضوعا للسياسات العمومية الى كونها ايضا شريكا في صناعتها وفي نتائجها.
وهنا بالضبط يصبح السؤال السياسي مشروعا.
وماذا عن القيادة؟
اذا كان من الطبيعي ان تكون المرأة شريكا في الاقتصاد، وفي المجتمع، وفي العمل العام، فلماذا يبدو الحديث عن وصولها الى أعلى المسؤوليات السياسية أكثر حساسية؟
ربما لأننا ما زلنا، في كثير من المجتمعات، نربط صورة القيادة السياسية بالرجل اكثر مما نربطها بالكفاءة.
لكن المغرب الذي تغيرت فيه صورة المرأة خلال العقود الاخيرة يستطيع ان يواصل طرح اسئلة أكثر جرأة.
ليس السؤال: هل يجب أن تصل امرأة إلى رئاسة الحكومة؟
فهذا قد يحول المسألة الى مطلب رمزي.
السؤال الأدق هو:
هل يمكن ان تصل امرأة مغربية الى رئاسة الحكومة اذا كانت هي الاقدر والاكفأ والاكثر قدرة على تحمل هذه المسؤولية؟
الجواب، من حيث المبدأ، نعم.
وليس لأن المرأة أفضل من الرجل، وإنما لأن الرجل ليس أفضل من المرأة بحكم جنسه.
رئاسة الحكومة ليست امتيازا.
انها تكليف ومسؤولية.
ومن يصل اليها يجب ان يمتلك الرؤية السياسية، والقدرة على اتخاذ القرار، والخبرة، والقدرة على تدبير الازمات، وفهم الاقتصاد والمجتمع، والقدرة على جمع الاختلافات حول مشروع وطني.
اذا امتلكت امرأة مغربية كل ذلك، فما الذي يجعل جنسها سببا لاغلاق الباب امامها؟
صورة المرأة التي نريدها
لكن هناك ما هو اهم من الوصول إلى المنصب نفسه.
ما الصورة التي نريدها للمرأة المغربية؟
ربما لا نريد مجرد امرأة تصل الى موقع كبير لكي يقال ان امرأة وصلت.
نريد امرأة تعكس شخصية المغرب نفسه: حديثة من دون قطيعة مع اصالتها، قوية من دون ان تفقد بعدها الإنساني، ناجحة من دون ان ترى في نجاحها خصومة مع الرجل، حاضرة في المجال العام من دون ان تنفصل عن المجتمع الذي تنتمي إليه.
نريدها شريكة في التنمية، وفي خدمة الاسرة، وفي العمل الاجتماعي، وفي الاقتصاد، وفي السياسة، وفي بناء المستقبل.
وهذه الصورة لا تتناقض مع خصوصية المغرب، بل يمكن ان تكون امتدادا لمساره الاصلاحي داخل ثوابته الوطنية والمؤسساتية.
فالمرأة المغربية لا تحتاج إلى ان تصبح نسخة من امرأة اخرى لكي تنجح.
لا تحتاج إلى ان تكون إيفا بيرون.
تحتاج فقط الى ان تكون نفسها، وان تتاح لها فرصة عادلة لاثبات ما تستطيع.
بين ايفا بيرون والمغرب
إيفا بيرون تنتمي الى زمن ومجتمع وتجربة سياسية مختلفة تماما.
ولذلك ليس المطلوب ان نستورد تجربتها.
لكن يمكن أن نستفيد من سؤالها.
لقد اثبتت ايفا ان المرأة حين تتحول من مجرد حضور اجتماعي الى قوة فاعلة، يمكن ان تترك اثرا يتجاوز حدود موقعها الرسمي.
أما المغرب، فله مساره الخاص.
مسار تقوده مرجعية ملكية سامية، وتحتضنه مؤسسات الدولة، وتعمل الحكومات المتعاقبة على تنزيله من خلال السياسات العمومية، وتشارك فيه الاسرة والمجتمع والنساء والرجال.
وهنا تحديدا يجب ان نفهم معنى الحلم.
حلمنا ليس أن نصنع “ايفا مغربية”.
حلمنا أن تصبح المرأة المغربية قادرة على تحقيق صورة حقيقية ومتكاملة للمرأة التي يطمح اليها المغرب: مواطنة فاعلة، متمكنة، مسؤولة، قادرة على المبادرة، وعلى تحمل المسؤولية، وعلى خدمة المجتمع، وعلى الوصول الى مواقع القرار عندما تتوفر فيها شروط الاستحقاق.
وهل يمكن ان تكون لنا رئيسة حكومة؟
ربما يكون هذا السؤال هو الجزء الاكثر اثارة في الحكاية كلها.
هل يمكن ذات يوم ان تكون لنا في المغرب رئيسة حكومة؟
لماذا لا؟
لكن الوصول الى ذلك اليوم يجب الا يكون نتيجة رغبة في تسجيل سابقة، ولا في صناعة صورة اعلامية، ولا في اثبات ان المرأة انتصرت على الرجل.
اذا حدث، فيجب ان يحدث لان امرأة مغربية امتلكت ما يكفي من الكفاءة والخبرة والرؤية والثقة السياسية حتى تصبح جديرة بهذه المسؤولية.
عندها لن يكون وصولها انتصارا لجنس على جنس.
سيكون انتصارا للكفاءة.
وسيكون دليلا على ان المجتمع الذي منح المرأة فرصا اكبر في التعليم والعمل والمشاركة، استطاع ان يذهب بهذه المشاركة الى مداها الطبيعي.
وقد تكون تلك المرأة بيننا اليوم.
قد تكون في الجامعة.
في الادارة.
في البرلمان.
في الجماعات الترابية.
في القطاع الخاص.
في العمل الجمعوي.
او في مكان لا تلتقط فيه الكاميرات صورها.
قد لا يعرفها احد بعد.
لكن التاريخ السياسي لا يبدأ دائما من الاضواء.
من ايفا بيرون الى حلمنا
حين بدأت قصة إيفا بيرون، لم يكن احد يعرف ان فتاة خرجت من بيئة متواضعة ستتحول الى اسطورة.
وحين ننظر الى المغرب اليوم، لا احد يستطيع ان يعرف من ستكون المرأة التي قد تحمل، يوما، مسؤولية حكومية بهذا الحجم.
لكن بين القصتين فرق جوهري.
ايفا كانت ابنة سياقها الارجنتيني.
اما المرأة المغربية التي نحلم بها فهي ابنة المغرب، بتاريخها وثوابته ومؤسساتها ورؤيتها الملكية السامية.
امرأة لا تقود في مواجهة وطنها، بل من داخل مشروعه.
امرأة لا ترى في الملكية مجرد عنصر من عناصر المشهد، بل تدرك انها في المغرب الاطار الدستوري والوطني الجامع، وان كل طموح سياسي مشروع ينبغي ان يظل وفيا للثوابت الوطنية وخدمة المصلحة العليا للمملكة.
وهنا تصبح المسألة اكثر من حلم بمنصب.
انها حلم بصورة جديدة للمرأة المغربية: امرأة لا يختصر دورها في ان تكون سندا للاسرة والمجتمع، وانما تستطيع، عندما تتوفر شروط الاستحقاق، ان تكون فاعلا في التنمية وصناعة القرار.
فمن ايفا بيرون، المرأة التي خرجت من الهامش الى قلب التاريخ، الى المرأة المغربية التي يمكن ان تخرج من قلب المجتمع الى مواقع المسؤولية العليا، يبقى السؤال مفتوحا:
هل يمكن ذات يوم ان تكون لنا في المغرب رئيسة حكومة؟
ربما يكون الجواب في المستقبل.
وربما يكون الطريق طويلا.
لكن الحلم ليس مستحيلا.
واذا جاء ذلك اليوم، فليكن وصولها ثمرة كفاءة واستحقاق وثقة، وامتدادا لمسار مغربي جعل الانسان في صلب التنمية، والمرأة شريكا فيها، والدولة الاجتماعية مشروعا وطنيا، في ظل الرؤية الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس.
عندها لن تكون القصة قصة امرأة وصلت الى القمة.
ستكون قصة مجتمع اصبح يرى في نجاح المرأة جزءا من نجاحه هو.
وربما يكون ذلك هو المعنى الحقيقي لعبارة: حينما تكون المرأة سندا للجميع، يمكن ان تصبح ذات يوم فاعلة في تحقيق صورة حقيقية للمرأة المغربية التي نريدها، وفي صناعة مستقبل المغرب الذي نحلم به.

