المساء اليوم – تطوان:
قال الصحفي والحقوقي المغربي البشير اللدهي، في تصريح لجريدة «المساء اليوم»، إن جزءا من الصحافة الإسبانية يتعامل مع أحداث العبور نحو الثغر المغربي المحتل بمنطق إعلامي موجه، معتبرا أن بعض التغطيات الإسبانية تبتعد عن الموضوعية والمهنية، وتنخرط في صناعة رواية أحادية تحاول تحميل المغرب مسؤولية أحداث معقدة تتداخل فيها أبعاد إنسانية وأمنية وسياسية.
وأوضح اللدهي أن بعض المنابر الإعلامية الإسبانية “تصطاد في الماء العكر”، مستغلة عدم إلمام بعض الأشخاص باللغة الإسبانية، بحيث يتم إجراء مقابلات معهم ثم تقديم تصريحاتهم أو ترجمتها بطريقة قد لا تعكس بالضرورة ما أرادوا قوله، وهو ما اعتبره مساسا بأخلاقيات المهنة واستغلالا لحاجز اللغة من أجل صناعة رواية إعلامية جاهزة.
وأكد الصحفي والحقوقي المغربي أن المهنية الصحفية تقتضي احترام كلام الأشخاص كما صدر عنهم، وعدم تحميل تصريحاتهم معاني لم يقصدوها، خصوصا عندما يكون الشخص غير قادر على فهم اللغة التي تطرح بها عليه الأسئلة أو التي تنشر بها تصريحاته.
وشدد على أن الشخص الموجود في وضعية إنسانية أو قانونية هشة لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للاستغلال الإعلامي، وأن هشاشته لا تسقط عنه حقه في الكرامة وفي أن تنقل شهادته بأمانة ودقة.
وفي السياق ذاته، انتقد اللدهي ما وصفه بالتجويع والضغط النفسي والجسدي الذي قد يتعرض له بعض من تمكنوا من الوصول إلى الثغر المغربي المحتل، معتبرا أن الظروف الإنسانية القاسية، متى ثبت وقوعها، لا يمكن تبريرها باعتبارات أمنية أو سياسية، وأن احترام الكرامة الإنسانية يظل واجبا مهما كانت جنسية الشخص أو وضعيته القانونية.
كما توقف عند ما أثير من ادعاءات بشأن وقوع اعتداءات جنسية جماعية، مشددا على أن خطورة هذه الادعاءات تفرض التعامل معها بمنتهى الجدية والمسؤولية، بعيدا عن التوظيف السياسي أو الإعلامي.
وأوضح أن بعض الروايات نسبت هذه الأفعال إلى أشخاص متسللين، فيما تحدثت روايات أخرى عن أشخاص من المستوطنين الإسبان، ولذلك فإن السبيل المهني والقانوني الوحيد هو التحقيق الجدي والشفاف، والاستماع إلى الضحايا والشهود، وفحص الأدلة، وتحديد المسؤوليات على أساس الوقائع، دون توجيه اتهامات جماعية إلى أي فئة.
وأضاف أن حماية الضحايا ومحاسبة كل من يثبت تورطه يجب أن تكونا فوق كل اعتبار، لأن حقوق الإنسان لا تتجزأ، ولا ينبغي أن تتحول الجرائم أو الادعاءات المتعلقة بها إلى أدوات في الصراع السياسي أو إلى وسيلة لتبرئة طرف وإدانة طرف آخر قبل انتهاء التحقيقات.
وفي الجانب الأمني، انتقد اللدهي ما اعتبره غيابا واضحا لسلطات إدارة الاحتلال الإسباني عن منع محاولات التسلل نحو الثغر المغربي المحتل، متسائلا عن كيفية تمكنت أعداد كبيرة من الوصول إلى سبتة، رغم الحديث عن وجود تحذيرات مسبقة بشأن محاولات العبور. واعتبر أن السلطات التي تفرض سيطرتها الفعلية على المجال الموجود تحت إدارتها تتحمل، من الناحية العملية والقانونية، مسؤولية تدبيره وضمان سلامة الأشخاص الموجودين فيه، بما في ذلك منع الفوضى وحماية الأشخاص من المخاطر التي قد تهدد حياتهم أو سلامتهم الجسدية.
وشدد في هذا السياق على ضرورة عدم اختزال النقاش في سؤال تحميل المسؤولية للمغرب، لأن ذلك، بحسب رأيه، يحجب أسئلة أكثر جوهرية تتعلق بكيفية تدبير سلطات الاحتلال للمجال الذي تسيطر عليه، ومدى استعدادها للتعامل مع التحذيرات السابقة، وما إذا كانت التدابير الوقائية اللازمة قد اتخذت فعلا في الوقت المناسب.
وفي المقابل، أكد اللدهي أن المغرب لا يمكن أن يتحمل مسؤولية ما يجري داخل مجال ترابي مغربي يخضع للاحتلال الإسباني، معتبرا أن حماية السيادة الوطنية للمملكة وحماية حدودها ومصالحها لا تتعارض بأي شكل مع احترام حقوق الإنسان والتعامل المسؤول مع قضايا الهجرة والعبور غير النظامي.
وأشار إلى أن المقاربة المغربية في التعامل مع هذه الملفات، لا ينبغي اختزالها في الجانب الأمني فقط، مبرزا أن السلطات المغربية تلجأ في مناسبات مختلفة إلى التواصل مع الأشخاص الموجودين في المناطق الحدودية ومحاورتهم وإقناعهم بالعدول عن محاولات العبور، قبل اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.
وأضاف أن السلطات المغربية، يوم 15 غشت، دخلت في حوار مباشر مع عدد من المهاجرين غير النظاميين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، الموجودين في المناطق القريبة من محاولات العبور، وتمكنت من إقناعهم بالعدول عن محاولاتهم وتسليم أنفسهم للسلطات المختصة. واعتبر أن هذه الواقعة تقدم مثالا على إمكانية الجمع بين مقتضيات حفظ الأمن وضبط الحدود وبين اعتماد الحوار والإقناع واحترام الكرامة الإنسانية، بدل التعامل مع المهاجر باعتباره مجرد رقم أو مصدر تهديد.
ويرى اللدهي أن حماية الحدود لا تعني التخلي عن حقوق الإنسان، كما أن احترام حقوق الإنسان لا يعني إلغاء حق الدولة في حماية أمنها وحدودها. فالمعادلة، بحسب تصوره الحقوقي، تقوم على تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن وسيادة القانون من جهة، والالتزام بالمعايير الإنسانية من جهة أخرى، مع ضرورة أن يخضع أي تدخل أمني للضوابط القانونية وألا يتحول إلى عقوبة جماعية أو إلى ممارسة مهينة للكرامة.
واعتبر أن تحويل القضايا الإنسانية المرتبطة بالهجرة إلى مادة للمزايدة السياسية والإعلامية لا يخدم الحقيقة، كما أن توظيف حاجز اللغة لتقديم تصريحات لا تعكس كلام أصحابها يسيء إلى صورة الصحافة نفسها. وقال إن الاختبار الحقيقي للمهنية لا يكون في البحث عن رواية تخدم موقفا سياسيا مسبقا، وإنما في نقل الوقائع كما هي، والاستماع إلى جميع الأطراف، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين الخبر والشهادة والتعليق، والتحقيق في أي انتهاكات مزعومة، ومساءلة كل جهة تتحمل مسؤولية ما يقع في المجال الذي تديره.
وأكد الصحفي والحقوقي المغربي أن الصحافة، عندما تتعامل مع أشخاص في وضعية هشاشة، مطالبة بدرجة أكبر من الحذر والمسؤولية، لأن الكلمة الصحفية قد تكون لها آثار مباشرة على حياة الإنسان وسمعته وسلامته. ولذلك فإن الترجمة الدقيقة، وإعطاء الشخص فرصة لفهم الأسئلة، وتوضيح سياق التصريحات، وعدم اجتزاء الكلام، كلها ليست تفاصيل تقنية، وإنما جزء أساسي من أخلاقيات العمل الصحفي.
وجدد اللدهي التأكيد على أن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية أراض مغربية، وأن موقف المملكة من استكمال وحدتها الترابية ثابت، ولا يمكن ربطه بظرف عابر أو اختزاله في ملف العبور والهجرة. وشدد على أن البعد السيادي للقضية يظل قائما بمعزل عن مختلف التطورات والأحداث، وأن معالجة ملفات الهجرة أو الأمن لا ينبغي أن تؤدي إلى طمس أصل الخلاف التاريخي والسياسي المتعلق بالثغور والجزر المغربية الواقعة تحت الاحتلال الإسباني.
وختم اللدهي تصريحه بالتأكيد على أن الصحافة الإسبانية مطالبة بمراجعة طريقة تناولها لهذه الملفات، ليس دفاعا عن طرف أو مهاجمة طرف آخر، وإنما احتراما للمهنة وللإنسان ولحق الجمهور في معرفة الحقيقة. وأوضح أن المهنية الحقيقية لا تعني فقط نقل الرواية الرسمية الإسبانية، كما لا تعني تبني الرواية المغربية دون تمحيص، وإنما تعني مساءلة جميع الأطراف، بما فيها سلطات إدارة الاحتلال، واحترام شهادات الأشخاص، وعدم استغلال حاجز اللغة، والتحقيق في الادعاءات المتعلقة بأي انتهاكات جسدية أو نفسية أو جنسية أيا كان مرتكبوها.
وختم بالقول إن الإنسان وكرامته يجب ألا يتحولا إلى أدوات في معركة إعلامية أو سياسية، وإن الدفاع عن حقوق المهاجرين لا يتناقض مع الدفاع عن السيادة والأمن، كما أن حماية الحدود لا تمنح أي جهة حصانة من المساءلة. أما الحقيقة الصحفية، يضيف اللدهي، فلا تحتاج إلى «الصيد في الماء العكر» حتى تصل إلى الرأي العام، وإنما تحتاج إلى الشجاعة المهنية، والتحقق، والإنصاف، واحترام الإنسان قبل كل شيء.

