المساء اليوم – متابعات:
بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في المغرب التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة، يقفز إلى الواجهة سؤال الشخصية السياسية التي سيعينها الملك محمد السادس لرئاسة الحكومة بموجب دستور 2011، الذي أتى عقب ضغط من الشارع في إطار ما عرف بـ “مظاهرات 20 فبراير” في سياق إقليمي وعربي في غاية التوتر.
وبموجب الدستور المذكور، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي يفوز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان. ما يعني المرشح أو المرشحة الأقرب لهذا المنصب في الوقت الحالي هي زعيمة حزب “البام” (الأصالة والمعاصرة) فاطمة الزهراء المنصوري، وإن حصل ذلك، فستكون أول امرأة تحتل هذا المركز بالمغرب والثانية عربيا، بعد نجلاء بودن في تونس (2021-2023).
لكن الدستور يعطي الملك حق اختيار شخصية أخرى، وتتوجه الأنظار إلى رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع، الوزير المنتدب لدى وزارة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية في الحكومة المنتهية ولايتها، والملتحق حديثا بصفوف حزب الأصالة والمعاصرة، وهو يحظى بشعبية واسعة بالنظر لمسؤولياته في كرة القدم، وهو ما حر عليه انتقادات واسعة بسبب توظيف الإنجازات الكروية في البلاد في حملته الانتخابية.
وتطرح النتائج الصادرة عن الانتخابات التشريعية 2026 قراءة متعددة الأبعاد للمشهد السياسي المغربي، سواء على مستوى منطق الاقتراع، أو سيناريوهات تشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة، أو توازنات التحالفات الحزبية المستقبلية.
وتُظهر نتائج الاقتراع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ 97 مقعدا، متبوعا بشريكه في الحكومية السابقة حزب التجمع الوطني للأحرار بـ 66 مقعدا، وحزب الاستقلال بـ 65 مقعدا، فيما استعاد حزب العدالة والتنمية جزء من حضوره بـ 54 مقعدا.
ويعتمد جزء كبير من الكتلة الناخبة في الانتخابات التشريعية المغربية على قدرة المرشحين المحليين والأعيان على الحشد في دوائرهم، بصرف النظر عن التقييم العام للحكومة في العاصمة.
كما تم تحميل رئيس الحكومة السابق وحزبه (التجمع الوطني للأحرار) الخاسر الأكبر في هذه الاستحقاقات المسؤولية المباشرة عن الملفات الاجتماعية والاقتصادية الحساسة، بينما استفاد “الأصالة والمعاصرة” من موقعه كشريك لم يكن يترأس الحكومة، بالإضافة إلى تعزيز صفوفه باستقطابات بارزة قبل الانتخابات، وبالتالي فهو الرابح الأكبر.
وعلى الرغم من عودة حزب العدالة والتنمية كقوة رابعة، إلا أن التصويت العقابي لم يذهب بشكل موحد نحو المعارضة، بل توزعت الأصوات بين القوى المكونة للتحالف السابق والأحزاب التقليدية.
ووفق المادة 47 من الدستور، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر نتائج انتخابات مجلس النواب، وعلى أساسها، وبما أن حزب الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج، فإن الترشيحات المنطقية تنحصر في قياداته:
فاطمة الزهراء المنصوري كمنسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة وعمدة مدينة مراكش. بصفتها القائدة الفعلية للمرحلة الحالية داخل الحزب، يُعد حظها هو الأوفر دستوريا وسيناريو قيادتها للحكومة سيمثل سابقة تاريخية كأول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب.
كما يبقى فوزي لقجع الأوفر حظا، فهو وزير الميزانية السابق والشخصية القيادية التي التحقت مؤخرا بحزب الأصالة والمعاصرة، والذي كان له الفضل الكبير في الدفع في اتجاه فوز الحزب خلال الحملة الانتخابية، فقد أصبح عضوا للمكتب السياسي للحزب وهو ما قد يؤهله لقيادة الحكومة على اعتبار أن الدستور لا يفرض موقعا معينا داخل الحزب الفائز لمن توكل له مهمة رئاسة الحكومة.
من جهة أخرى، يتمتع لقجع بخبرة تدبيرية كبيرة في الملفات المالية والاقتصادية، بالإضافة إلى نجاحاته في الملفات الرياضية والتنظيمية (الاستعداد لمونديال 2030).
لكن هذا يتوقف أيضا على مدى رغبته وتوافق حزب الأصالة والمعاصرة على تقديم شخصية ذات طابع تقنوقراطي للرئاسة، بدلا من القيادة السياسية المباشرة.
ويبدو أن شعرة معاوية بين الأحرار والبام قطعت خلال الحملة الانتخابية. ولم يعد الحزبان قادران على تجاوز صراعهما الانتخابي وتشكيل تحالف مرة أخرى، وربما يتجه “الأصالة والمعاصرة” للدخول في تحالفات أخرى؟
شهدت الحملة الانتخابية تجاذبات حادة واتهامات متبادلة باستقطاب المرشحين والمزايدات في تدبير الملفات. ومع ذلك، فإن السلوك السياسي في مرحلة ما بعد النتائج يخضع للحسابات العددية والواقعية السياسية حيث في السياسة ليس هناك صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بقدر ما هنالك مصلحة دائمة، وبالتالي سيناريو التجاوز وتجديد التحالف ممكن من حيث الواقعية السياسية، بمبرر أن التحالف بين “البام” و”الأحرار” و”الاستقلال” يُوفر نصابا مريحا ومستقرا داخل مجلس النواب يتجاوز أغلبية الـ 198 مقعدا المطلوب لتشكيل الحكومة.
وتشير التجارب المغربية إلى أن الخطاب السائد في الحملات الانتخابية غالبا ما يتوارى أمام ضرورة بناء الأغلبية. ولكن يبقى سيناريو التحالفات الجديدة واردا (الخيار البديل) في حال إصرار أحد الطرفين على شروط تعجيزية.
وهنا تبقى البدائل المتاحة لـ “البام” هو بناء أغلبية رباعية تضم حزب الاستقلال، حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب الحركة الشعبية، من باب تجديد الدماء، وتغيير التحالف الثلاثي.
وما يؤكد هذا الاحتمال هو تصريحات بعض القياديين من “البام” السابقة التي ترفض التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار، وإن كان من الصعب على هذا الحزب الخوض في غمار تجربة المعارضة، وهو الذي دأب على التواجد منذ تأسيسه في الحكومات السابقة.
وفي الختام، فإن مصلحة الوطن والمصلحة السياسية تقتضيان الاستقرار والدفع ببرامج التنمية المستدامة، مما يرجح كفة التفاهم وتجاوز الخلافات الانتخابية لبناء ائتلاف حكومي متماسك، يدبر الشأن العام للمغاربة طيلة الخمس سنوات المقبلة.

