المساء اليوم – أ. مرادي:
من بين كل المناطق الصناعية في المغرب، تبدو المنطقة الصناعية في مرتيل، الأكثر غرابة، وأيضا الأكثر تعبيرا عن منطق اقتصاد الريع بحجة الاستثمار، بالإضافة إلى متناقضات كثيرة وخروقات بالجملة لم يتم فتح تحقيق رسمي بشأنها حتى الآن.
ومنذ سنوات طويلة، تعرض مستثمرون في المنطقة لصعوبات جمة دفعت بهم إلى الإفلاس، وآخرون لا يزالون مثقلين بالديون، فيما لا يجد الكثير من المستثمرين الآخرين، وعدد منهم شباب، مجالا للحصول على فضاءات لمقاولاتهم لأن الأغلبية الساحقة من فضاءات وأراضي المنطقة الصناعية بمرتيل استحوذ عليها لوبي الريع، وهم الأشخاص الذين تملكوا وحدات صناعية كبيرة ويعيدون كراءها بمبالغ خيالية، ولا يقومون بأي جهد استثماري.
وكانت الكثير من الشكايات توصلت بها الجماعة الحضرية لتطوان ومسؤولو ولاية تطوان للمطالبة بوضع حد لهذه الظاهرة الاستثنائية في المغرب ومحاسبة المتورطين، غير أن الوضع لا يزال على ما هو عليه، رغم الوعود الكثيرة التي قيلت بهذا الخصوص، ورغم اعتراف منتخبي ومسؤولي المدينة بأن ما يجري في المنطقة الصناعية لمرتيل أمر غير قانوني بالمرة.
إصلاح وغموض
وفي الآونة الأخيرة، بدأت الجماعة الحضرية وعمالة تطوان بإصلاح المنطقة الصناعية، وتم وضع لوحات إعلانية كبيرة تشير إلى ذلك، وتم تخصيص أزيد من 20 مليون درهم من أجل تعبيد الطريق وحماية المنطقة من الفيضانات وباقي المخاطر وغير ذلك، وهذا ما يشير بوضوح إلى أن الأوصياء القانونيين على هذه المنطقة هما الجماعة الحضرية والعمالة.
والمثير هو أن بعض اللوحات الإعلانية التي وضعتها الجماعة والعمالة داخل المنطقة الصناعية تشير إلى عدد من الشركات الموجودة بالمنطقة، وعدد من هذه الشركات لا تتوفر على رخصة الاستثمار، أي أن الجماعة الحضرية وعمالة تطوان تشجع العمل غير القانوني عبر إشهار شركات بلا رخصة، وأكثر من هذا تمنحها امتياز التواجد في المنطقة الصناعية، وهو شيء يعاقب عليه القانون.
وتقول مصادر مطلعة لـ”المساء اليوم” إنه عندما داهم الفيضان معملا “سريا” للنسيج في طنجة في قبو فيلا وسقط عشرات الضحايا، فإن القضاء عاقب صاحب المعمل بسنة سجنا نافذا لأنه لا يتوفر على رخصة، بينما العمالة والجماعة الحضرية بتطوان تُشهر أسماء شركات في المنطقة الصناعية بلا رخصة!!.
وتضيف المصادر “كيف يعقل أن أسماء شركات لا تتوفر على رخصة معلقة على لوحات بالمنطقة الصناعية، ومن وضع أسماءها هي السلطات والجماعة الحضرية.. ففي شارع واحد بالمنطقة توجد خمس شركات من دون رخصة، وهي تكتري مقراتها بـ 20 ألف درهم فما فوق.. فبأية طريقة ستكون المحاسبة في هذه الحالة.. ومن سيحاسب من.. ومن سيفتح تحقيقا..؟!
ويقول مصدر من الجماعة الحضرية لتطوان، فضل عدم الكشف عن اسمه، إن الجماعة تتخذ موقفا سلبيا جدا من هذا الموضوع، سواء تلك التي كان يرأسها محمد إدعمار عن حزب “العدالة والتنمية”، أو الحالية التي يرأسها مصطفى البكوري، عن حزب “التجمع الوطني للأحرار”، وتضيف هذه المصادر أن باشا المدينة هو من يتخذ القرارات وليس رئيس الجماعة.
اللوبي متنفذ جدا
ما يزيد الأمر إثارة في المنطقة الصناعية لمرتيل هي أن عددا من الشركات التي لا تتوفر على رخصة، تستأجر مقراتها من شركات أخرى، بمبالغ تتراوح ما بين 20 ألف و50 ألف درهم شهريا، وغالبا ما تكتري مقراتها من نفس الشخص.
ويزداد الأمر إثارة عند الاطلاع على أسماء المستفيدين من المنطقة الصناعية في مرتيل، بينهم أشخاص يوصفون بـ”المليارديرات”، وأحدهم شخص معروف جدا في تطوان بأنشطته المتعددة ويتوفر على ثلاثة “معامل” صورية، أي أنه لا يستثمر بالمرة، ويكتري كل وحدة صناعية بمبالغ تتراوح ما بين 70 ألف و80 ألف درهم.
ووفق مصادر مطلعة فإن اللوبي المتنفذ جدا في المنطقة الصناعية بمرتيل يتشكل أساسا من خمسة أشخاص، وكل واحد فيهم يتوفر على أربعة “مصانع” ويكتريها للآخرين، أي أن هؤلاء الخمسة فقط يتملكون 25 معملا “وهميا” يؤجرونها بمبالغ كبيرة جدا.
الجماعة تعترف.. لكنها عاجزة!
ووفق مصادر “المساء اليوم” فإن مسؤولا كبيرا بالجماعة الحضرية سبق أن اعترف للمشتكين من هذه الوضعية بأن الأشخاص الذين يمارسون اقتصاد الريع في المنطقة الصناعية بمرتيل يجب أن تُسحب منهم الرخص، وتُسحب منهم أيضا الوحدات الصناعية التي يتملكونها بشكل غير قانوني، خصوصا أن بعضهم تملكوا هذه الوحدات منذ ما يزيد عن 20 عاما ولم يشغّلوها لمرة واحدة، بل إن كل “استثماراتهم” تتمثل في كرائها لمستثمرين آخرين، بمبالغ كبيرة.
وأضاف هذا المسؤول “الذين يستفيدون من اقتصاد الريع في المنطقة الصناعية بمرتيل يعرفون أنهم خارج القانون، وأنه من الممكن متابعتهم قانونيا أمام المحاكم”.
غير أن المشكلة هو أنه توجد فعلا شكايات لدى محاكم تطوان ضد المستفيدين من اقتصاد الريع، بما فيها دعوى قضائية بالنصب والاحتيال، لكن تم حفظها.
مركز الاستثمار بتطوان.. ما دوره؟
المستثمرون المتضررون من هذه الوضعية الكارثية للمنطقة الصناعية بمرتيل، وبعد أن يئسوا من تجاوب عمالة تطوان والجماعة الحضرية، توجهوا نحو مركز الاستثمار بتطوان، غير أنهم فوجئوا بمسؤول من المركز يعترف لهم بأن لا قيمة للمركز بين باقي المؤسسات، ويقصد العمالة والجماعة، وأضاف أيضا أن عددا من المستثمرين من خارج المغرب حاولوا الاستثمار بالمنطقة وخصصوا لذلك مئات الملايين من الدراهم، ثم أفلسوا وغادروا البلاد.
في ظل هذه المتاهة، وفي ظل عجز الجماعة الحضرية وغموض موقف السلطات، تبقى المنطقة الصناعية لمرتيل وسط نفق لا يبدو أن في آخره ضوء، وقد يبقى الحل الوحيد هو قرار حكومي عاجل بفتح تحقيق معمق وجدي حول ما يجري بهذه المنطقة ومحاسبة كل المسؤولين عن هذه الوضعية الغريبة.. فآخر الدواء الكي.

