د. الحبيب ناصري
تقديم
سؤال التنمية والبحث عن مكانة تحت سماء هذا العالم، سؤال من الصعب التفكير فيه دون جعل التربية و/أو التعليم، البوابة الحقيقية المفضية إلى هذه المكانة. كل المجتمعات الإنسانية، من الممكن تحليلها، سيميولوجيا وسيكولوجيا وسوسيولوجيا وبنيويا وتاريخيا وإستيتيقيا، (وقل ماشئت على مستوى النظريات ومناهجها )، من خلال صورة مدرستها في مجتمعها.شكل المدرسة ومحتواهاورمزيتها وسلطتها التربوية وجاذبيتها، الخ، “معايير” بها نقيس قيمة التربية و/أو التعليم، في كل المجتمعات وعبر التاريخ.
المدرسة ثم المدرسة ولاشيء آخر غير المدرسة
كلما تقدم بي العمر، وانقضت سنة منه ومن المهنة التي أمارسها، ازددت قناعة واقتناعا، أن المدرسة هي المجتمع برمته. صحيح، فعيون الناس تختلف حسب ما راكمته في هذه الحياة. لكن، خلاصة ما راكمته في حياتي هاته، لاسيما ونظاراتي “متلبسة” بهموم المدرسة وحدها، يتحدد في كون المجتمع/الإنسان، يبنى في المدرسة.
لا مستقبل لنا جميعا، فوق هذه التربة المغربية والعربية والإفريقية وفي كل الدول الباحثة عن خطوات حقيقية نحو التقدم، إن نحن لم نضع رهن المدرسة كل الحاجيات المادية والمالية والتقنية والقانونية والإدارية والبشرية، الخ، ووجهنا إليها جميعا وبكل أطيافنا وحساسياتنا ومكوناتنا، الخ، عيوننا مخبرين إياها بأنها هي الأمل والمأمول والحلم، وغيرها، وكما يقول المثل الشعبي المغربي (نخيض لما) أو( حديث المعطي لمعطي).
جرب ما شئت من انتخابات وممارسات حزبية وجمعوية وإصلاحات إدارية وقانونية وبرامج اجتماعية وإعلامية، الخ، دون أن تجعل من المدرسة الأرض الصلبة التي عليها تبنى كل محاولة إصلاحية، معناه، أنك أنت وأنا والآخر، لازلنا لم نستوعب الدرس في كون مستقبلنا يوجد تحديدا في المدرسة.
من يرغب في التطور، فما عليه إلا أن ينحني احتراما واجلالا للمدرسة. ما عليه إلا أن يداعب المدرسة كما تداعب الأم مولودها وقد خرج إلى الوجود بهيا جميلا راغبا في الحياة مؤكدا حضوره بصيحته الأولى والتي ينزع بها شهادة ميلاده وحقه في الحياة.
ماذا أعطينا للمدرسة؟ هل فعلا هي الانشغال الجوهري عند الناس جمعاء؟. هل فعلا حمينا المدرسة وجعلنا منها المكان الوحيد الذي لن نختلف حول قيمته وأهميته وصناه ودافعنا عنه، لأنه لا حياة دونه، بل هو الحياة برمتها؟.
المدرسة من المهد إلى اللحد
منذ سنوات وأنا “مهووس” بتفكيك المدرسة / المكان، وجزء من هذا “الهوس” التربوي والثقافي، ضمه كتابي الأخير”الصورة والتربية”. وجود مدرسة في قرية أو حي أو شارع أو زنقة أو جبل، الخ، معناه، وجود مكان للتعلم. خلف هذا التعلم، مدرس ومتعلم وإدارة تربوية ومكونات أخرى تدبر أمورهم. وجود مدرسة في أي مكان في العالم، أصبح هو الأمان بعينيه، في ظل عالم تجره العديد من الكيانات المالية والمادية والسياسية، الخ، إلى صراعات دائمة لتحويلها إلى ربح ولاشيء آخر غير الربح. بينما المدرسة، تنتشل الإنسان من هذه “الوحشية” العالمية وتذكره بالغاية من الحياة وتعلمه كيف عليه أن يكون في خدمة الإنسان، وأن سر السعادة، هو العطاء، وكل الناس في العالم لهم الحق في الحياة والطمأنينة وتقاسم لحظات الفرح والتعاون والتعايش والتآزر أثناء الألم وبحثا عن الأمل…
المدرسة من المهد إلى اللحد، عنوان يلخص لنا وظيفة المدرسة الجوهرية وذات الطبيعة الإنسانية والجميلة فوق هذه الأرض. لا أدري هل أهل التاريخ من الممكن، لا حقا، أن يؤرخوا للعالم بحقبتين كبيرتين. عالم ما قبل “كوفيد 19” وعالم ما بعد “كوفيد 19”. لست مؤرخا، لكن، هكذا أتخيل كيفية التأريخ لعالمنا هذا اليوم في ظل تاريخ جديد تستدرج إليه الإنسانية جمعاء، مما يقوي دور المدرسة ويجعل من هذا الدور دورا مركبا (تعلم التعلم وتعلم الحياة)
شاهدت ذات مساء، ندوة تلفزيونية في قناة أجنبية، وبأم عيوني، كيف أن أحدالمختصين في علم الأوبئة، قد صرح أن العالم سيودع الحروب بالطريقة القتالية المعروفة، وسيدخل مربع حروب الأوبئة ومختبرات صناعتها. أحسست هنا، كيف أننا فعلا لن نبقى كما كنا، وأدركت أن ما يخطط للإنسانية، وحدها المدرسة المتبقية في “رأسمال” هذا العالم، القادرة على تنبيه من يجر الناس جمعاء إلى وحل الأوبئة. كل منعرجات الحياة، تتطلب، إذن، مدرسة قادرة على تغيير جلدها التربوي كلما دعت الضرورة، منحازة دوما للإنسان وكيفية بنائه واسعاده وابعاد الضرر عنه.
مستقبلك … مدرستك
فلنجعل من المدرسة، المكان الحالم بمستقبل جميل. فلنتصارع حول كل شيء، إلا حول المدرسة التي كلما ذكرت، علينا أن نقف اجلالا واحتراما لها. لأنها هي ثلاثية الزمن برمته. هي ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. بل هي الزمن والمكان والإنسان. لنفكر في تقوية وظيفتها في المجتمع، بل لنجعل منها المكان الذي لن يختلف حوله اثنان في كونه المكان الآمن والمولد للحق في الطمأنينة والأمان لاسيما في زحمة حياة هذه العولمة.
لنقو المبادرات المجتمعية المدنية، لاسيما تلك التشكيلية والفنية ككل، لجعلها أكثر جمالا وجاذبية. لنجعل من الأقسام فضاء لقضاء المتعلم أجمل أوقاته. لنجعل من حصة التعلم، حصة فرح وبهجة. لينشغل الإعلام بتبيان واظهار العديد من أوجه الجمال فيها، عوض “تلصص” البعض، على بعض الحالات التربوية أمام أبواب المؤسسات وأثناء فترة الامتحانات، بحثا عن “البوز” وبيع صورة مضرة بالجميع.
من منا اليوم، ومهما كان عمره ومستواه التعليمي والاجتماعي والثقافي، من سينكر أن أجمل فترات العمر هي التي قضاها بين جدران المدرسة وهو يتعلم ويتعرف على أصدقاء جدد، بل إن العديد من صفحات التواصل الاجتماعي والجمعيات، الخ، تحمل أسماء مؤسسات تعليمية ابتدائية أو اعدادية أو ثانوية أو جامعية.من منا اليوم من لا تنتعش ذاكرته حينما يلتقي برفيق موسم دراسي ما؟. من منا اليوم من لم يستحضر ذكريات مدرسية جميلة دون أن تقوي زاده النفسي ورصيد تجديد الرغبة في الحياة؟. منمن الكتاب والسينمائيين وغيرهما، من أبدع ولم يستحضر فعلا مدرسيا ما؟…
متى ندرك جميعا، أن مستقبلنا جميعا في مدرستنا؟. متى ندرك جميعا، أن أقوى استثمار عليه أن يكون في المدرسة؟. متى نعي أن المدرسة صمام أمان ضد كل مظهر من مظاهر العنف والقبح والتطرف؟.
كلما تقدم بي العمر، أدركت أن مستقبلنا في مدرستنا…غير هذا وبلغة الفيلسوف الأمريكي تشومسكي هو نوع من الالهاء. فلنحب مدرستنا ومعلمها ومديرها ومن يعمل خلفهما. فلنجعل منها صورة حقيقية تعكس رغبتنا في بناء مستقبل حقيقي.
المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين
الدار البيضاء

