المساء اليوم – متابعة:
لماذا استبدل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مديرية المخابرات الخارجية؟، سؤال تردد كثيراً في الآونة الأخيرة خصوصاً وأن هذا ثالث تغيير على رأس نفس الجهاز، منذ اعتلاء تبون سدة الحكم نهاية 2019.
فمنذ الإعلان عن قرار إقالة الجنرال نور الدين مكري المُلقب بـ”محفوظ البوليساريو” ونائبه حميد حسين المُلقب حسين بولحية من مهامهما على رأس المديرية العامة للتوثيق والأمن الخارجي (DGDSE) في الجزائر، كثرت التأويلات والأسباب الحقيقة وراء هذا القرار المفاجيء، ففي الوقت الذي ربطتها تقارير بفشل الرئيس السابق في استشراف تحول الموقف الإسباني تجاه قضية الصحراء المغربية، يرى متابعون آخرون أن السبب هو السعي لإنجاح مبادرة لم الشمل التي أطلقها تبون، خصوصاً وأن حميد حسين الملقب بولحية، هو المسؤول عن تعقب المعارضين في الخارج.
كما أن الرجلين، (محفوظ البوليساريو وحسين بولحية)، حسب (JEUNE Afrique) الفرنسية، يدفعان ثمن غضب كندا بعد اكتشاف شبكة تجسس تستهدف المعارضين الجزائريين على أراضيها، وإن كانت “الضربة القاضية للمسؤوليين، هي التقارب بين الرباط ومدريد في شهر مارس الماضي، في وقت لم تتوقع فيه أجهزة المخابرات الجزائرية أن تدُعم إسبانيا خطة الحكم الذاتي للصحراء التي اقترحها المغرب”.
قرار الإعفاء أثار ضجة كبيرة، “فالإعلان عن طرد المسؤولين، اتخذه تبّون بنفسه، وهو من عيّن الجنرال جمال كحال، المعروف باسم مجدوب، خلفا لـ(محفوظ البوليساريو)، على رأس هذا الجهار الحساس للغاية”. البعض يرى في تعيين الجنرال كحال، مديرا جديدا لجهاز المخابرات (الاستعلامات والأمن الخارجي) في الجزائر، بمثابة “قرار من أعلى سلطة في البلاد من أجل إعادة ترتيب أوراق الدائرة الاستخباراتية في ظل التغيرات المتسارعة على الصعيد الخارجي وعلاقتها بالقرار الداخلي، وأيضاً في ظل بروز توازنات جديدة في هرم المؤسسة، على اعتبار أن المدير الجديد هو أحد جنرالات الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة”.
فالعسكريون المُقالون، نورالدين مكري وحسين بولحية وناصر حداد، ينتمون إلى ما يُعرف بـ”صقور الجيش”، قياسا بدورهم في الحرب على الإرهاب خلال حقبة العشرية الدموية (1990 – 2000). وتبقى كلمة قائد أركان الجيش الجزائري سعيد شنقريحة بأن “التطورات الإقليمية والدولية التي تتطلب المزيد من اليقظة والحذر، فالقرار السياسي والدبلوماسي الداخلي يستند إلى المعطيات والبيانات التي توفرها الاستعلامات الخارجية”، مكمن سر قرار “الإقالة”، وعنوانها العريض التطورات الإقليمية الأخيرة وما صاحبها من اعتراف إسباني لملف الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، والتقارب المغربي الإسرائيلي.
ففشل الاستخبارات الجزائرية في استشراف التحول في الموقف الإسباني تجاه نزاع الصحراء، عجل بقرار الإقالة، خصوصاً بعد أن فجر الإعتراف الإسباني “أزمة غير مسبوقة بين مدريد والجزائر”، فحسب مصادر جزائرية “إذا كان التطبيع بين المملكة المغربية وإسرائيل قد أطاح برئيس الجهاز السابق واستخلافه بالجنرال المُقال مقري، فإن تحول الموقف الإسباني تجاه قضية الصحراء قد جاء برئيس جديد”.
ففي أبريل 2020، أقال تبون مدير الأمن الخارجي كمال الدين رميلي، في سياق إعادة هيكلة جديدة للجهاز الأمني والجيش، وعيّن اللواء محمد بوزيت في منصبه، الذي سيُقال في 20 يناير 2021، بعد سبعة أشهر فقط من تعيينه، بسبب وجود خرق أمني نتج عنه سوء تعامل قيادة الجهاز مع برقية أمنية بعثها مكتب الجهاز من باريس، حول سفينة إنقاذ تم توريدها لصالح قوات خفر السواحل الجزائرية من مدينة لوهافر الفرنسية، يعتقد أنها كانت تحمل بعض الأسلحة الخفيفة للصيد والموجهة للاستعمال الشخصي، وعين نور الدين مقري خلفا له.
المتابعون للوضع في الجزائر يتخوفون من أن تؤدي هذه التغييرات المُتسارعة لقيادة الجهاز الأمني، إلى تأثيرات على سيره ونشاطه وأداء أفرعه وملحقاته، خصوصًا في ظل ظروف حساسة تمرّ بها الجزائر في علاقة بتوترات سياسية إقليمية، لكن الظروف المُحيطة بالتغيير الجديد لا تُبعد فرضيات أخرى، لاسيما ما يتعلق بتهيئة المناخ السياسي والأمني لمبادرة لم الشمل، كونها تتصل بشكل كبير باستقطاب نشطاء ومعارضي الخارج، وسعي حكومة تبون لإنجاحها، وكسب المُعارضين وتأييد الشارع الجزائري.

