المساء اليوم – حكيم اعديّل:
في اليوم الثالث من التدابير الجديدة المتعلقة بمقاومة تفشي فيروس “كورنا” غير المسبوق في البلاد، يمكن بسهولة معاينة حافلات للنقل العمومي وهي مكتظة عن آخرها منذ الصباح الباكر حتى التاسعة مساء، وهناك مختلف وسائل النقل العمومي المشابهة التي تكتظ بعدد قياسي من الركاب، بدءا بالقطارات والترامواي وانتهاء بوسائل النقل السري وسيارات نقل العمال، والكثيرون منهم لا يقيمون وزنا لمسألة ارتداء الكمامات.
هذه المشاهد أثارت غضبا متزايدا بين المغاربة الذين أعادوا طرح أسئلتهم القديمة، منها هل فيروس كورونا يظهر مباشرة في الثامنة أو التاسعة ليلا، ثم يختفي في الرابعة أو الخامسة مساء.
الناس ينظرون إلى الإجراءات الجديدة بمزيج من الغضب والسخرية، فهذه الإجراءات، في نظرهم، تعمل فقط على زيادة الازدحام، مثلما يحدث في الأسواق والشواطئ وباقي المرافق التي لم يتم إغلاقها بالكامل.
أما الشواطئ، التي كانت غالبا ما تمتلئ بعد الظهر، فهي تمتلئ اليوم منذ ساعات الصباح الأولى، ويمكن بسهولة معاينة المخاطر الكبيرة في شواطئ مزدحمة جدا ويسبح الناس فيها شبه متلاصقين، ولا توجد بها مراحيض، وأغلب المصطافين يقضون حاجاتهم البيولوجية داخل البحر.
لكن الاستغراب الكبير السائد بين الناس هو كيف سمح المغرب باستقبال مغاربة الخارج من كل البلدان والقارات، بشروط استقبال مخففة جدا، سواء من الناحية الصحية أو المادية، وبعدها يأتي الإغلاق وكأن تفشي الفيروس كان مفاجأة للمسؤولين.
لكن وسط كل هذه الانتقادات، فإن المغاربة لا يرومون التمرد على الإجراءات الاحترازية، بل يتساءلون فقط لماذا تلجأ السلطات إلى الإغلاق في كل مرة تشتد فيها وطأة الفيروس، بينما كان من الممكن تطبيق إجراءات أكثر نجاعة، وهي الصرامة اللازمة في مسألة ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي وتطبيق القوانين بحذافيرها وعدم تركها عرضة للغواية والمزاجية.
أما قضية التنقل بين المدن فهي ما يثير الحيرة أكثر بين الناس. والمثير أن حظر التنقل، أو على الأقل إلزام التوفر على رخصة التنقل، تم في غفلة من الجميع، حين كان الناس عائدين من مدن إلى أخرى قبيل انتهاء عطلة العيد، وفجأة صدر قانون رخص التنقل، فوجد الكثيرون أنفسهم ملزمين بدفع غرامات ثقيلة لأنهم لا يتوفرون على رخص، وكثيرون فاجأهم الإجراء وهم وسط الطريق، وآخرون لم يسمعوا بذلك حتى تم إيقافهم في “الباراجات” الأمنية.
الأسئلة الكثيرة التي يطرحها المغاربة تبدو فعلا محيرة، فهي تشي بأن محاربة فيروس كورونا خرجت من جلباب الجدية وارتدت ثياب العبث، لأن المقهى المكتظ بالزبناء قبل التاسعة، والفارغ تماما من الزبناء بعد التاسعة، يعطي الانطباع بأن الجميع هربوا من الفيروس الذي خرج مباشرة قبيل التاسعة مساء.
هناك أيضا مسألة الأعراس، التي صدر أمر صارم بمنعها قبل أسابيع، غير أن الذي حدث هو أن الأعراس لم تعد تقام في القاعات الكبرى، لكن عدد الأعراس السرية تزايد بشكل مهول، والتزاحم في الدور الضيقة بلغ ذروته، وعيون السلطات التي ترى الأعراس في القاعات الكبرى هي نفس العيون التي يمكنها أن ترى بسهولة الأعراس في المنازل الخاصة.
نفس الشيء بالنسبة لعيد الأضحى، الذي صار مثل مدفع عملاق تنطلق منه كل سنة فورة الفيروس، بينما لم تجرؤ السلطات على منع العيد، سواء في هذا العام أو العام الذي قبله، وتُرك الناس لأمرهم يفعلون ما يشاؤون في أيام العيد، واختلط الحابل بالنابل، وبعدها جاءت الإجراءات الاحترازية.
أسئلة كثيرة محيرة يتداولها الناس، بقدر ما يتداولون التعازي الكثيرة بينهم كل يوم.

