المساء اليوم:
الدار البيضاء، أكبر مدن المغرب، تبدو وكأنها تعيش في جلباب مختلف هذه الأيام، مع فرض حظر التجوال الليلي اتساقا مع الإجراءات الاحترازية، حيث يسود هدوء غير عاد خلال الليل، وهو هدوء قصير فقط.. يسبق عاصفة النهار.
خلال اللحظات التي تسبق الساعة التاسعة مساء، موعد بدء الإغلاق الليلي، ترتفع وتيرة الحركة في مختلف شرايين الحياة والفضاءات العامة، وتمتلئ وسائل النقل العام بخلق كثير، ولا أحد يمكنه أن يجزم بأن الناس يلتزمون فعلا بالتدابير الصحية وإجراءات البعد في وسائل النقل بمختلف أنواعها. المهم أن الناس، أو أغلب الناس، يلتزمون بالعودة إلى منازلهم تقيدا بالإجراءات الخاصة بمنع التنقل الليلي.
بعد الساعة التاسعة يصبح الوجود الأمني بارزا في عدد كبير من نقاط التنقل، ويصبح أصحاب السيارات مجبرين على الإدلاء بما يسمح بتنقلهم، ويكون من السهل جدا سماع دوي سيارات الإسعاف التي تمر هنا وهناك بسرعة البرق، والتي تمر كثيرا خلال النهار، لكن الضجيج النهاري لا يجعل دويها مخيفا مثلما يحدث بالليل.
الدار البيضاء ليلا تمارس فقط “استراحة محارب”، فهذه المدينة لم توجد لكي ترتاح، إنها مدينة الشركات الكبرى، ومدينة لقمة العيش البسيطة، فكل واحد من سكانها يعمل على اقتصاد قوته.
الدار البيضاء اعتادت في السابق أن تكون صاخبة في فترات الليل، خاصة في فصل الصيف .صخب وتجمعات وحركة دائبة بهذه المدينة العملاقة، تغذيها المهرجانات والحفلات والأعراس والتجمعات هنا وهناك، لكن الفيروس بدل الكثير من ملامح ليل البيضاء، وجاء المنع العام للحفلات والأعراس لكي يكرس هذا التغيير، صحيح أن الشيطان يوجد في الكثير من التفاصيل، والكثير من الأعراس تقام “سرا”، لكن ذلك لا يغير الكثير.
يقول حارس ليلي في عمارة، إن “الحياة بالدار البيضاء ليلا مختلفة تماما، خاصة خلال فصل الصيف الحالي”، موضحا أن “الناس يضعون كل الترتيبات لدخول منازلهم قبل التاسعة مساء، مشيرا إلى أنه لا داعي للبقاء خارج المنازل والمقاهي والمحلات التجارية مغلقة، علاوة على عدم وجود حفلات أو أعراس أو مهرجانات أو أمسيات غنائية”.
ويضيف الحارس أن “حظر التنقل الليلي ساهم بشكل كبير في تيسير مهمته، حيث لا وجود لأشخاص غرباء يمكن تتبع تحركاتهم وسلوكاتهم في محيط العمارة”، مشيرا إلى أن “الأهم في هذه العملية برمتها هو السلامة الصحية للناس، لأنه لا يمكن التعاطي باستخفاف ولامبالاة مع خطر كورونا” .
ويبدو أن الأهم في هدوء الدار البيضاء ليلا ليس فقط محاولة التزام الناس بالقواعد الصحية التي تفرضها السلطات، بل لأن البقاء في الشارع وسط المقاهي والمتاجر والأسواق المغلقة يعتبر ضربا من العبث، لكن هذا لا يمنع البعض من خلق مناطق سرية يصلون فيها الرحم مع الفيروس.
هذا هو حال هذه المدينة، التي يبدو ألا مفر لها من التحلي بالصبر الجميل في انتظار الفرج القريب، في وقت تسجل المدينة أرقاما كبيرة من الإصابات.. وعدد أكبر من الوفيات يوميا.
يمر ليل الدار البيضاء الهادئ سريعا جدا.. كأنه خلسة المختلس، ثم فجأة ينقشع الصباح، وتتحرك العاصفة.. عاصفة في كل مكان.. حتى يكاد الناس ينسون وجود فيروس.. قبل أن تأتي مرة أخرى.. الساعة التاسعة.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

