محمد المرابط
يعرف واقع “العالم” و”المثقف” المغربي مشاكل ومعاناة عديدة، منها: جهل بني جلدته به، من حيث الوجود، وتجاهله من حيث الفاعلية، وهذا ناتج عن الإنهزام النفسي الذي استقر في قلوب العديد من شبابنا ومثقفينا، فأصبح “الآخر”(الغرب) هو الكل في الكل، وهو النور والقدوة، حتى ولو كان منافقا ظالما لا يهمه إلا مصلحته، هذا من حيث التقدم المادي، أما “الآخر” الذي هو بلباسنا وبروح غيرنا، المتمثل في “التفاهة” و”الثقافة” فقد تغلغل في الأوساط الشبابية، نتيجة التقدم التكنولوجي، فأصبح هو القدوة الواجب الاقتداء به.
إننا اليوم وطننا الغالي(المغرب) في حاجة ماسة للعقول “الكبير” المخلصة للقيم والمبادئ الخاصة (الوطن) والعامة(الاسلام) للتخلص من المشاكل التي تهدد مجتمعنا، و ليس هناك حل سوى الرجوع إلى أولي النهى منا قبل غيرنا، والمغرب بلد العلماء الأمجاد والعقول العالمية في السياسة والفكر والفلسفة والطب وغير ذلك، ما علينا إلا معرفة هذه النوابغ المغربية والعمل على إحياء تراثها والاحتفاء بها وتعريف الجيل الصاعد بها، ومن بين هذه العقول الجبارة، المفكر الكبير وعالم المستقبيات، المهدي المنجرة رحمه الله، فهو من العقول المغربية الإسلامية الفاعلية في الفعل الحضاري الإسلامي والعالمي.
أولا: نظرة في حياة المهدي المنجرة وأعماله:
فالمغرب كما سلف، بلد العلماء والمفكرين الذين تركوا بصمات عديدة في كل حقول المعرفة، ومنهم المفكر وعالم المستقبليات المهدي المنجرة رحمه الله تعالى.
1- مولده ونشأته: ولد المهدي المنجرة 13 مارس، 1933م/ 16 ذو القعدة، 1351هـ.
2- مهامه: شغل المهدي المنجرة مناصب عديدة في الوطن وخارجه، وذلك نظرا لتكوينه الأكاديمي ونباهته وحرقته على الوطن. ومن أهم المناصب التي شغلها رحمه الله تعالى، ما يلي:
– عمل مستشارا أولا في الوفد الدائم للمغرب بهيئة الأمم المتحدة
– أستاذا محاضرا وباحثا بمركز الدراسات التابع لجامعة لندن
– من المؤسسين لأول أكاديمية لعلم المستقبليات.
– ترأس الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية.
– كان عضوا في أكاديمية المملكة المغربية، والأكاديمية الإفريقية للعلوم
هذا، وقد قدم استقالته من العديد من المناصب والمهام لأسباب مختلفة ومتعددة.
3- أعماله:
للمفكر وعالم المستقبليات أعمال كثيرة متعددة ومتكاملة من جهة الموضوع، ومن جهة النتائج، ومن جهة روح هذه الأعمال، ومن أهم هذه أعماله رحمه الله، ما يلي:
– “نظام الأمم المتحدة”.
– “من المهد إلى اللحد”.
– “الحرب الحضارية الأولى”.
– “حوار التواصل”.
– “عولمة العولمة”.
– “في زمن الذلقراطية”.
– “الإهانة في عهد الميغاإمبريالية”.
– “قيمة القيم”.
ثانيا : فكره (التفاعل الحضاري)
إن الفعل الإسلامي الحضاري يجب ألا يقف وينحسر في المجال الجغرافي أو الثقافي الخاص، بل يجب أن يتعدى ذلك إلى المعرفة الكونية، حتى تتشكل الرؤية المستقبلية، لكن هذا الفعل يجب أن يراعي الأرضية التي يقف عليها والمجال الذي ينطلق منه، ومعالم السنن الكونية، وهذا ما نجده في العديد من أعمال علماء ومفكري المغرب الذين يجهلهم أبناء وطنهم.
وأقصد بـ”الفعل الإسلامي الحضاري” الفعل الذي يكون منطلقه الإسلام قرآنا وسنة وتراث العلماء، مع الإحساس بالمسؤولية والاعتزاز بالهوية الإسلامية الحضارية الكونية، والعمل على تجديد ما يجب أن يجدد مراعاة للتقلبات الحياتية الخاصة والعامة، الحالي منها والاعتباري، حتى تتشكل الرؤى المستقبلية للفعل الحضاري الإسلامي.
وقد ظهرت في التسعينات بعض “الأقلام” الغربية والأمريكية بالتحديد، تنادي بالصراع مع الحضارة الإسلامية والهجوم عليها بطرق مباشرة وغير مباشرة، طبعا لهذا الطرح أصول في الثقافة الغربية انبنى عليها، وغايات يعمل على تحقيقها، ومن ابرز من تبنى هذا الطرح، “صمويل هنتغتون”، الذي يعتبر الإسلام عدو حقيقي لأنه يمثل قوة لا تضاهى من حيث الفاعلية وتحدي للكونية بأطروحاته المتضمنة في أصوله.
وفي 15 فبراير 1991 نشرت المجلة الالمانية Der Spiegel حوار مع المفكر المغربي وعالم المستقبليات تحت عنوان: “الحرب الحضارية الاولى”.. وهذا هو العنوان الذي أخرج به كتابه في نفس السنة، وقد تحدث في هذا الكتاب عن الحرب التي اشتعلت في الخليج، وعن مصدر الصراع والصدام، فيقول رحمه الله تعالى، “هذه هي الحرب الحضارية الأولى … ومن خلال وظائفي الدولية خلال 20 سنة كنت خلالها مكلفا بالثقافة عبر العالم، أدركت أن المصدر الأساس للنزاعات يوجد على مستوى أنظمة القيم الثقافية”.
ويعد المهدي المنجرة هو أول من استعمل مصلحي: “الحرب الحضارية الأولى” و”الحرب ما بعد الاستعمارية”، لكن استعماله لهذين المفهومين لا يعني بالضرورة انه مع أطروحة الصراع الحضاري لا انه متشبع بالفعل الحضاري الإسلامي الذي لا يؤمن بالصدام ابتداء، اللهم إن حصل اعتداء لا سيبل لرفعه إلا الصراع، فمن هذا الباب دون غيره، كما أن هذا لا يعني أنه لا يؤمن بالتواصل والحوار والتعددية، فالقارئ لكتبه سيعرف طبيعة أطروحته، وإيمانه بثمار التواصل والحوار الجاد، ولإنجاح الفعل الحضاري الإسلامي الحواري مع الأخر يجب معرفة ما يلي:
– طبيعة انبناء الحضارة الإسلامية وأبعادها العالمية والإنسانية( ) ومعرفة تاريخ علاقاتها بالحضارات الأخرى.
– أن الإسلام يحترم الأخر في ديته وثقافته ، لأن الاحترام هو أصل التعايش والسلم العالمي.
– أن الإسلام جاء بقيم كونية لا تتصادم مع القيم الثقافية للأخر.
وللمنجرة مقاربة تختلف عن غيره في الرؤية الحوارية، يقول رحمه الله: ويكمن تلخيص مقاربتي على الشكل التالي: “إذا أنت لن تنتبه للقيم الثقافية، فسيقودك ذلك نحو النزاع”، فالمنجرة دائما يؤكد على التعدد والحوار، وهذا واضح من كتابه “حوار التواصل”، وهنا يتبادر إلى الدهن سؤال مباشر وهو كيف يمكن لشخص أن يقول الحرب الحضارية الصدامية والتعدد والحوار؟ إن الصراع بالنسبة له، ما هو إلا حالة مفروضة من القوي على الضعيف، وهذا ما يؤكده في كتابه “الإهانة في عهد الميغا إمبريالية” عندما تحدث عن الاهانة التي تمارسها القوى الكبرى -أمريكا وفرنسا نموذجين- على الدول والشعب المستضعفة بالوكالة، فينتج عن ذلك القمع الداخلي بطرق متعددة ومختلفة.
ومن الأسباب التي جعلت الفعل الحضاري الإسلامي يفقد توازنه ويدخل في متاهات مختلفة، دينية وسياسية واقتصادية وثقافية:
– السياسية: بحكم الهيمنة التي شرحها رحمه الله الواقعة على الشعوب المغلوبة ودولها، فلا يمكن البتة أن يسمح لأي دولة أن تتقدم، فالتدخل الأمريكي في العراق خير دليل وتقسيم السودان وتجويع الصومال.. وهنا نجد المفكر الكبير نعوم تشومسكي يقول: “الدول التي تحاول التنمية المستقلة على أسس وطنية، تجابه بالعداء والعنف من طرق القوى العالمية الظاهرة والحفية”.
– الاقتصاد: حيث “لم يعد الاحتلال العسكري السافر ضروريا، فقد برزت وسائل حديثة، مثل:
– صندوق النقد الدولي
– والبنك الدولي.
يقرض البنك الدولي مقابل فرض سياسة “تحرير الاقتصاد” أي تهيئة الاقتصاد الوطني لاختراق المال الأجنبي، وتحكمه فيه، مع تخفيضات حادة في خدمة المجتمع ، يكرس هذا تقسيم المجتمع إلى أقلية ثرية وأكثرية تعاني الحرمان والفقر المدقع”، وهذا ما أكده المنجرة عدة مرات قبل تشومسكي.
– الدين: حيث أصبح الغرب ينظر إلى الإسلام على أنه دين إرهاب، وهذا التصور ناتج عن التلاعب الاستشراقي (الثقافي) والإعلامي بالعقول الغربية الأكاديمية والمواطن العادي.
– الثقافة: تلاعب المستشرقين في النصوص التراثية الإسلامية وتوجيهها نحو ما يخدم مصلحتهم، كما شوشوا على بعض المفكرين وعلماء الإسلام و”شوهوا” صمعتهم.
قد تم تصوير المسلم على أنه شخص لا يعرب معنى الجمال والحياة، إنسان لا يفكر إلا في العنف، ولا يرتاح إلا بالصراع، في حين أن الفعل الصراعي غالبيته أتي من الغرب، فالإسلام دين قيم وأخلاق اجتماعية وسياسية واقتصادية… ولهذا هو محارب إما بطرق ظاهرة أو خفية(ناعمة).
يقول المهدي المنجرة، “إن أغلب –إن لم أقل كل- النزاعات في عالم اليوم، تعود إلى اصطدام القيم الثقافية”، والدينية والسياسية والاقتصادية. فمن خلال الاطلاع على تاريخ مقال هنتغتون وحوار المنجرة نرى أن المنجرة كان سباقا لأطروحة “الصراع الحضاري” حيث أن حوار المنجرة نشر 1991 في حين نشر مقال هنتغتون 1993.هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن أطروحتهما مختلفة.
فــ”الحرب الحضارية” (اطروحة المنجرة) ليس هي “صدام الحضارات” (أطروحة هانتغتون)
فالأولى ناتجة عن اطلاع واسع ودقيق للاحصائيات والدراسات، ومن ثم استشراف المستقبل، أي هناك هجوم منظم من طرف القوي على الضعيف، وصاحب هذه الأطروحة يعارض فكرة الصراع.
أما الثانية فهي مغلفة بـ”الفكرانية” والعداء الديني “المغلف” بالفعل السياسي، والبحث عن عدو وان كان مصنوعا أو موهوما. يقول المهدي المنجرة في هذا السياق: أطروحتنا ليس متماثلة، فأطروحتي “استشرافية” أما أطروحته (هانتغتون) فــ”توجيهية”.
فالمهدي المنجرة “وقائي، بينما هنتغتون “هجومي، دفاعي” حيث يقول أن الخطر سيأتي من العالم غير اليهودي-المسيحي، وهذا الخطاب يستند إلى الدفاع عن النفس، ويمكن فهمه على الأمد الطويل ضمن الدراسات المستقبلية”.
وفاته:
توفي المهدي المنجرة رحمه الله تعالى، 13 يونيو، 2014م/ 14شعبان، 1435هـ.

