سميرة مغداد
الحنان عنوان التقارب والتواصل الإنساني الذي يسهل المرور نحو القلوب ..الحنان رجل وامرأة وصبي وصبية، ولعله أيضا حيوان أليف يرنو إليك. لا معنى لأي تواصل بلا ود بلا ودفء، ويبقى الحنان من أرقى مراتب المودة والاهتمام .
حظيت برحلة سفر في عز الشتاء خارج المغرب. كانت لي فيها لحظات سعادة بفضل حفاوة الأقارب والأحباب. الغربة مرة في غياب دفء الأهل والعائلة. صقيع البرد وغباب نور الشمس يرسخ الاحساس بالاغتراب.. تشعر بوحدة حقيقية أحيانا وتغيب عنك رائحة البلد الاليفة وهي خليط من نكهات زكمت الذاكرة رغما عن أنفك، مخضبة بالحناء ونكهات القزبر والبقدونس والقديد ورائحة سفوف رمضان والحريرة ممزوجة بعرق الأمهات.. لارائحة في الغربة تثير فيك الحنين وتشعرك بذاك الامان المشتهى الذي يصنعه الانتماء الى قلب الدارحين.. تزكمك رائحة الشاي والخبز البلدي..
الروائح تصنع المشاعر وتذكيها.. أحسست بقيمة البلد حينما استقبلتني قريبة عزيزة في بلجيكا، وما أزكى نار الحنين والفرح، تلك المحبة التي أستشعرها من القلب، خاصة وأنها كانت مرفقة وأنا اهم للدخول إلى البيت برائحة الرغايف تقلب على نار هادئة تنتظر قدومي ومن معي. لأول مرة، ربما، أشعر كم هي مهمة جدا ورائعة تلك الرائحة المألوفة في الشعور الجماعي المغربي التي تسكن الاغوار ، كان يوما سعيدا جدا وانا ألقى استقبالا حميميا على الطريقة المغربية الأصيلة، حين تدخل البيت فتلتقط رائحة الشاي بالنعناع وترى بأم عينيك رغايف تأخذ نضجها النهائي على مقلة حديدية كبيرة. لايمكن وصف ذاك الإحساس بوهج الحفاوة وسط الغربة والبرد القارس. لامثيل لذاك الإحساس في تلك اللحظة بالذات.
كانت رغايف قريبتي الطيبة حنان كفيلة بأن تشعرني بالأمان والدفء والمحبة. وكانت حنان بدورها تستعيد معي ذكريات عائلية مشتركة لننسج حكاية المودة العائلية وروابط الدم القوية التي تجمعنا. الغربة غول لايرحم أحيانا، الكل يجري ويلاحق زمن السرعة والاستهلاك اللامنتهي. الكل يريد أن يضمن حياة كريمة ويساير موجة التطور المستمر.. لا وقت تقريبا للاستمتاع بأجواء عائلية حميمة.. كم أهملنا تفاصيل يومية بسيطة، كم تركنا الحياة تضغط علينا لننسى أن اللحظات البسيطة هي التي تصنع الحياة. كانت رغائف حنان كفيلة بأن تبعث في الأمل وتبدد الملل في حياة باردة رمادية اللون طيلة اليوم.
كرم الضيافة المغربية يشعرنا أننا مازلنا بخير وأن قيم العائلة الأصيلة توقظ القلوب وتحميها من التلف. استمتعوا بنكهات البيت والعائلة وبمطبخ الجدات وجلسات السمر التي هي الزاد الضروري الذي وجب الحفاظ عليه واستثماره في فن العيش المغربي الجميل الذي يحفزنا على الحياة.
شكرا لحنان وللمة الحنان التي غذت مشاعري، وحتى معدتي التي كانت تحتاج مذاقات البلد بطيبها ومعناها الرمزي العميق الذي يعزز المحبة ويجعلك تعيش لحظات السعادة التي تحيي الأمان النفسي لتخبرك أنك لن تكون وحدك أبدا وأن لمسة حنان نحتاجها باستمرار لنحيا ونصمد ونكون بخير.

