المساء اليوم – ع. الدامون:
مررت مؤخرا قرب فيلا وقفت على أبوابها الكثير من السيارات، وبينها سيارة كبيرة عليها عبارة “أفراح الأنوار”.. اعتقدت أن الأمر يتعلق بحفل أو زفاف أو ما شابه، خصوصا بعدما رأيت نساء في كامل زينتهن يدخلن المكان، حتى علمت أن صاحب الفيلا ذهب إلى رحمة الله، وأن الممون جاء لكي يقيم قواعد الجنازة من ألفها إلى يائها، لكنه ليس مطالبا بأن يغير اسم شركته من “أفراح” إلى مآتم. إنه يقوم بعمله في كل الظروف، وعلى أصحاب المناسبات أن يدفعوا له سواء كانوا يبكون أو يضحكون!
والمثير أنه في كثير من الأحيان يكون أهل الميت أكثر سعادة من أهل العريس، لأنهم سيتقاسمون ثروة فيما بينهم بعدما انتظروا طويلا رحيل “المأسوف عليه”، ولذلك يشترطون على الممون إقامة جنازة على قدر كبير من السعادة.
استئساد الممونين على الحياة الاجتماعية بالمغرب صار مدهشا، وحتى الطبقات الفقيرة تلجأ إلى ممونين صغار يملكون حانوتا في ركن من الحي، فالمهم أن يكون الزفاف بالممون والجنازة بالممون.
جاء الممونون في البداية كخدمة خاصة بالأغنياء، ثم تحولوا إلى خدمة الجميع، ودخلوا الأحياء الشعبية والفقيرة كما دخلوا من قبل المناطق الغنية، واليوم يصعب أن تجد مناسبة اجتماعية من دون ممون، فتحولت هذه الحرفة من مهنة طفيلية إلى مهنة قائمة الذات يصعب الاستغناء عنها.
شيئا فشيئا قضى الممونون على ما تبقى من الروابط الاجتماعية والأسرية التي كانت تقضي بتعاون الأسرة أو أهل الحي في مناسبة واحدة، يزوجون العرسان جميعا او يدفنون الأموات جميعا، فصار كل شيء من مهام الممون، والباقون كلهم ضيوف عنده، إلى درجة أنه حين يبقى فضل من الطعام والحلوى فإن الممون يأخذها ولا حق لأهل الدار فيها!
ظاهرة أخرى أدخلها الممونون إلى تقاليدنا الاجتماعية المترنحة، وهي تحويل الجنائز إلى ما يشبه الأفراح، وصارت النساء تتنافسن في ارتداء أجمل اللباس وأحلى الحلي، وصار التباهي على أشده بين النساء في الأفراح والأتراح على حد سواء.
يجب أن نعترف أننا نسير إلى مرحلة سنفقد فيها كل شيء، أعرافنا وتقاليدنا وتماسكنا وهويتنا، ليس بسبب الممونين فقط، بل بسبب أشياء كثيرة، ولن نعود نفرق بين حزننا وسعادتنا، ولا فرحنا أو جنازتنا، لأننا دخلنا عهدا من التباهي الاجتماعي الذي سيقودنا، عاجلا أم آجلا، إلى انفصام خطير يدفعنا حتما نحو الهاوية.

