المساء اليوم – أ. خمليشي:
بعد قرابة شهر على إجراء الانتخابات العامة في المغرب، اكتملت صور المشاهد السياسية وتشكيلة المجالس في كل مدن المغرب، باستثناء مدينة طنجة، ثاني قطب اقتصادي في البلاد، والتي دخلت فوضى غير خلاقة بسبب التحالفات الهجينة وتسيّد المشبوهين لعضوية المجالس ووقوف السلطة موقف المتفرج المستمتع بما يجري.
ومنذ الوهلة الأولى ظهر وكأن تشكيل المجالس المنتخبة في طنجة سيكون سلسا، خصوصا مع التعيين السريع لرئيس جهة طنجة تطوان الحسيمة، عمر مورو، عن التجمع الوطني للأحرار، وتعيين منير الليموري، عن الأصالة والمعاصرة، عمدة للمدينة.
ومما ساهم في رسم التحالفات الثابتة هو التحالف الثلاثي بين الأحزاب الثلاثة الفائزة، الأحرار والبام والاستقلال، غير أن الصورة سرعان ما تشوشت ووصلت مرحلة قاتمة من الضبابية أثناء عملية تشكيل مجالس المقاطعات، حيث دخلت المدينة مرحلة غير مسبوقة من الفوضى، والتي لا تزال مستمرة حتى الآن، بعد تعذر تشكيل مجالس ثلاث مقاطعات من بين أربعة.
ومع انتهاء انتخابات الجهة ومجلس المدينة، تبين أن المفاجآت تحضر في أية لحظة، حيث تم انتخاب عمدة مغمور لم يسمع به أغلب سكان طنجة من قبل، عوض الرجل الذي كان متوقعا في هذا المنصب، عبد الواحد عزيبو المقراعي. غير أن المفاجأة الأكبر كانت انتخاب محمد لحميدي، عن الأصالة والمعاصرة، رئيسا لمجلس عمالة طنجة أصيلة، وهو الذي كان محط تحقيقات أمنية ومحاكمة بسبب تهمة اختلاس وتبديد أموال عمومية عندما كان رئيسا لغرفة الصناعة التقليدية بالجهة.
غير أن عنصر المفاجأة ظل مستمرا، وتبين أن القطب الثلاثي الحزبي “الحاكم” على المستوى المركزي، لم يستطع أن يحكم طنجة، التي دخلت نفقا مظلما من التحالفات المشبوهة، أبرزها في مقاطعة طنجة المدينة، التي تأجلت فيها عملية انتخاب المجلس، بسبب ما يقول السكان إنها فضيحة غير مسبوقة، تتمثل في محاولة لوبي الفساد العقاري والمشبوهين في تجارة المحرمات السطو على هذه المقاطعة بشتى الوسائل.
ومباشرة بعد تعذر تشكيل مجلس مقاطعة طنجة المدينة، تم تأجيل تشكيل مجلسي مقاطعتي مغوغة والشرف السواني، بسبب عدم توفر النصاب القانوني، فيما تقول مصادر “المساء اليوم” إن مستشاري المقاطعتين المذكورتين غابوا تضامنا مع رفاقهم في مقاطعة طنجة المدينة بسبب محاولة لوبي الفساد الهيمنة عليها بتحالفات يسودها المال والترهيب.
وبالنظر لنتائج الانتخابات الجماعية في طنجة، التي أعطت الريادة لحزب التجمع الوطني للأحرار والبام والاستقلال، كان متوقعا أن تتشكل المجالس بسرعة وسلاسة، غير أن محترفي اللعبة الانتخابية سرعان ما عقدوا الوضع بدرجة كبيرة، وجرى خلط الأوراق، بينما الولاية تراقب عن بعد وكأن ما يجري لا يعنيها في شيء.
ولعب المنسق الإقليمي لحزب الاتحاد الدستوري، محمد الزموري، دورا كبيرا في تمييع العملية الانتخابية، حيث كان يتحالف مع أحزاب هنا ويعارضها هناك، مثلما كان يفعل باستمرار، حسب مصالحه الشخصية.
ويرى سكان طنجة أنه لو كانت ولاية طنجة حازمة بما يكفي، لاستطاعت حل الوضع المعقد في أقل من ساعة، خصوصا وأن بعض المنتخبين المتلاعبين بالعملية الانتخابية يشار إليهم بالبنان بالفساد في عدة مجالات، وهناك من تم التحقيق معهم بوليسيا وقضائيا، ومع ذلك لا يزالون يتسيدون المشهد الانتخابي ويعطون صورة سيئة جدا عن المغرب داخليا وخارجيا.
ويرى المتتبعون للشأن العام بطنجة أن هناك افتقارا كبيرا للحزم لدى ولاية طنجة، وأن هذا ما ساهم في تعقيد كبير للوضع الانتخابي غير المسبوق، والذي تسوده التحالفات الهجينة والرغبة في الانتقام وتقديم المصالح على المنفعة العامة وتصفية الحسابات، وهذا ما ستكون تبعاته خطيرة على مدينة تعتبر القاطرة الحالية والمستقبلية لاقتصاد المغرب.

