المساء اليوم – ح. اعديّل:
منذ الوهلة الأولى لنشوب الأزمة بين المغرب وإسبانيا، على خلفية استقبال مدريد لزعيم البوليساريو بهوية مزورة شهر أبريل الماضي، بدا وضاحا أن العلاقات بين البلدين ستجتاز مرحلة صعبة جدا، لكنها ستعود إلى طبيعتها بشكل أقوى مستقبلا، لكن مع حكومة مغربي مختلفة.
ومنذ بضعة أسابيع بدأت العلاقات بين مدريد والرباط تسترجع عافيتها، لكن كان من الصعب رسم نقطة البداية في العهد الجديد لهذه العلاقات مع حكومة سعد الدين العثماني، ليس فقط لأنه غير متمرس في العمل الدبلوماسي وسبق أن أعفي من منصبه كوزير للخارجية، بل، أيضا، لأن الدبلوماسية المغربية يتم تدبيرها في سياق مختلف، أي أنها قضية دولة وليست قضية حكومة.
وكان ممكنا، للمسؤولين المغاربة والإسبان أن يستعيدوا دفء العلاقات بين البلدين قبل أسابيع، خصوصا مع تصريحات الملك محمد السادس في يوليوز الماضي المبشرة بعهد جديد في العلاقات بين البلدين، لكن كان ضروريا أن يبدأ ذلك مع حكومة في بدايتها وليس مع حكومة في أشواطها الإضافية.
اليوم، وبعد تشكيل الحكومة الجديدة، بناء على ما أسفرت عنه انتخابات 8 شتنبر، يتبادل المسؤولون المغاربة والإسبان باستمرار رسائل الود، ويترقبون بدء تبادل الزيارات في أقرب وقت، بعد تشكيل الحكومة وافتتاح البرلمان.
وكان رئيس الحكومة الإسباني، بيدرو سانشيز، صرح، عشية تشكيل الحكومة المغربية الجديدة، عن رغبة مدريد في بناء علاقات متميزة مع المغرب يطبعها الاحترام والثقة والمصالح المتبادلة. ولم ينس سانشيز توجيه تهنئة “قلبية” خاصة للحكومة الجديدة، ونادرا ما يستعمل السياسيون الإسبان عبارات رومانسية في دبلوماسيتهم مثل “التهانئ القلبية”.
ومن الآن فصاعدا، يتوقع أن تربط بين الجانبين في الأيام والسنوات المقبلة مصالح وأهداف مختلفة، بناء على الأسس التي سيضعها البلدان حاليا من أجل إعادة جذور الثقة بينهما، لتجاوز المرحلة الحرجة من تدهور علاقتهما.
ويتوقع أن يترجم البلدان مرحلتهما المستقبلية قريبا بزيارة سيقوم بها إلى الرباط قريبا، وزير الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، وهي الزيارة التي يتوقع أن ترسم خارطة طريق للعلاقات بين ضفتي مضيق جبل طارق، ليس للسنوات المقبلة، بل لعقود قادمة.
لكن إسبانيا، التي ترى أنها اتخذت أكثر من مبادرة لاستعادة قوة العلاقات مع المغرب، بما فيها إعفاء وزيرة خارجيتها أرانتشا لايا واستنطاقها قضائيا حول دخول زعيم البوليساريو للبلاد بهوية مزيفة، إسبانيا تنتظر أن يرد المغرب بشكل سريع على الزيارة التي سيقوم بها ألباريس إلى الرباط، ورد المغرب الفوري لن يكون أقل من عودة السفيرة المغربية في مدريد، كريمة بنيعيش، التي غادرت إسبانيا منتصف مايو الماضي، في عز الأزمة بين البلدين.
كما أن المغرب وجه إشارات قوية إلى مدريد، والاتحاد الأوربي أيضا، حول حزمه في التعامل مع كل ما ينغص العلاقات بين الطرفين، أهمها الهجرة السرية وتهدئة الجبهة الحدودية مع سبتة ومليلية، حيث منعت السلطات المغربية خلال الأسابيع الماضية المئات من المهاجرين الأفارقة من اقتحام المدينتين.
وخلال الأشهر القليلة المقبلة، ستدخل علاقات الرباط ومدريد دينامية غير مسبوقة، وقد تتوج بزيارات على مستوى عال بين البلدين، لتأكيد أن الأزمة التي مرت كانت سحابة صيف، لكنها كانت درسا كبيرا بضرورة وضع أسس جديدة ومتينة للعلاقات بين بلدين يفصلهما مضيق بسعة 14 كيلومترا.

