النخب المحلية بطنجة: من الأزمة إلى الفضيحة.. خمس سنوات من أعطاب السياسة أم أعطاب المدينة؟  

النخب المحلية بطنجة: من الأزمة إلى الفضيحة،
خمس سنوات من أعطاب السياسة ام أعطاب المدينة؟

د. مصطفى الغاشي

حين نتحدث عن طنجة، فإننا لا نتحدث عن مدينة عادية. نحن أمام العاصمة الاقتصادية الثانية للمغرب، وبوابة إفريقيا نحو أوروبا، وواجهة المملكة على البحر الأبيض المتوسط، ومدينة استقطبت خلال العقدين الأخيرين استثمارات ضخمة غيرت ملامحها العمرانية والاقتصادية بشكل جذري.

لكن خلف صورة الأبراج الجديدة والمناطق الصناعية والميناء العملاق والطرق الحديثة، يبرز سؤال آخر أكثر إلحاحاً: هل نجحت النخب المحلية في مواكبة التحول الذي عرفته المدينة؟

بعد خمس سنوات من التدبير المحلي، يبدو أن السؤال لم يعد يتعلق فقط بحصيلة الإنجازات، بل بطبيعة النخب نفسها، وبقدرتها على إدارة مدينة تتطور بوتيرة أسرع من تطور مؤسساتها السياسية.

لقد كشفت التجربة أن أزمة طنجة ليست أزمة موارد ولا أزمة مشاريع كبرى. فالأموال المرصودة للتجهيزات والبنية التحتية استمرت في الارتفاع، كما واصلت المدينة استقطاب الاستثمارات العمومية والخاصة، وتم تخصيص اعتمادات مهمة لمشاريع التأهيل الحضري والبنيات التحتية.

غير أن المفارقة تكمن في أن تزايد الاستثمارات لم يواكبه بالضرورة ارتفاع مماثل في منسوب الرضا لدى المواطنين. ففي الوقت الذي كانت فيه المؤسسات تتحدث عن برامج التنمية والتأهيل الحضري، كانت شكاوى السكان تتكرر بشأن جودة بعض الخدمات الأساسية، واختلالات البنية التحتية في عدد من الأحياء، وصعوبة مواكبة التوسع العمراني السريع للمدينة. كما ظل موضوع النظافة والنقل الحضري والتجهيزات المحلية حاضراً بقوة في النقاش العمومي.

اولا، أزمة رؤية قبل أن تكون أزمة تدبير
المشكلة الأساسية التي كشفتها السنوات الأخيرة هي أن جزءاً من النخب المحلية تعامل مع المدينة بمنطق التدبير الإداري اليومي، بينما كانت طنجة تحتاج إلى قيادة سياسية تمتلك رؤية استراتيجية طويلة المدى.

فالمدن الكبرى لا تُدار فقط بالميزانيات والقرارات الإدارية، بل بالقدرة على استشراف المستقبل وصناعة التوافقات وخلق دينامية جماعية حول مشروع حضري واضح. وخلال الولاية الحالية، بدا في أحيان كثيرة أن النقاش السياسي داخل المؤسسات المنتخبة انشغل بالتوازنات والصراعات أكثر مما انشغل بصياغة أجوبة حقيقية عن الأسئلة الكبرى التي تطرحها المدينة. كيف سيتم تدبير التوسع العمراني؟ كيف ستواكب البنية التحتية النمو السكاني؟ كيف ستتحول طنجة من مدينة جاذبة للاستثمار إلى مدينة جاذبة للعيش أيضاً؟
أسئلة بقيت مطروحة أكثر مما وجدت إجابات عملية.
ثاتيا، حين تتحول الأزمة إلى فضيحة سياسية،
في العلوم السياسية، لا تبدأ الفضيحة عندما يقع الخطأ، بل عندما يتكرر الخطأ دون محاسبة أو تفسير مقنع.

ومن هذا المنظور، فإن أخطر ما أفرزته السنوات الخمس الماضية ليس بعض الاختلالات القطاعية في حد ذاتها، وإنما تراجع الثقة في قدرة المؤسسات المنتخبة على إنتاج الحلول.

لقد أصبح المواطن الطنجاوي يتابع أخبار الخلافات السياسية والنقاشات المالية والجدل المرتبط بتوزيع الموارد أكثر مما يتابع أخبار الإنجازات الملموسة. وحتى عندما يتم الإعلان عن مشاريع كبرى أو برامج استثمارية جديدة، فإن السؤال الذي يتكرر داخل الشارع يبقى هو نفسه: متى سينعكس ذلك على الحياة اليومية للمواطن؟
إن هذه الفجوة بين الخطاب الرسمي والإحساس الشعبي هي أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة منتخبة.
لأن أزمة الثقة حين تستقر تصبح أكثر صعوبة من أزمة التمويل أو ضعف الإمكانيات.

ثالثا، الأحزاب التي فشلت في صناعة النخب،
كشفت تجربة طنجة، كما كشفت تجارب أخرى في المغرب، أن الأحزاب السياسية لم تعد تقوم بالدور الذي أنشئت من أجله. فبدل أن تكون مدارس لإنتاج الكفاءات المحلية، تحولت في كثير من الأحيان إلى آلات انتخابية موسمية. وأصبح الوصول إلى مواقع القرار يتم أحياناً بمنطق التوازنات والولاءات أكثر مما يتم بمنطق الكفاءة والخبرة. والنتيجة هي ظهور فجوة واضحة بين تعقيد الملفات المطروحة على المدينة وبين مستوى التأهيل الذي يتطلبه تدبيرها.

فمدينة بحجم طنجة تحتاج إلى منتخبين يفهمون الاقتصاد الحضري والتخطيط العمراني والحكامة الترابية وتدبير المرافق العمومية، لا إلى مجرد فاعلين انتخابيين يجيدون خوض الحملات السياسية.

رابعا، طنجة تتقدم… لكن هل تتقدم السياسة معها؟
الواقع أن المدينة استمرت في التوسع والنمو بغض النظر عن مستوى أداء النخب المحلية. فمشاريع كبرى مرتبطة بالبنيات التحتية والنقل والتأهيل الحضري تواصل التقدم، كما تستعد المدينة لرهانات وطنية ودولية جديدة. لكن هذا التقدم العمراني والاقتصادي يطرح سؤالاً مقلقاً: هل أصبحت الدولة المركزية والمؤسسات التقنية هي المحرك الفعلي للتحول الذي تعرفه طنجة، بينما يظل الدور السياسي المحلي محدوداً؟

إذا كان الجواب نعم، فإن ذلك يعني أن أزمة النخب المحلية أعمق مما تبدو عليه. لأن السياسة المحلية تصبح بلا معنى حين تفقد قدرتها على التأثير في مسار المدينة.
في الخلاصة: بعد خمس سنوات من الممارسة، يصعب الحديث عن فشل شامل كما يصعب الحديث عن نجاح كامل.

لقد شهدت طنجة استثمارات وأوراشاً مهمة، لكنها شهدت أيضاً جدلاً متواصلاً حول الحكامة والتواصل وترتيب الأولويات وجودة الخدمات. غير أن الحصيلة الأبرز ربما لا تتعلق بالمشاريع ولا بالميزانيات. الحصيلة الحقيقية هي أن هذه السنوات كشفت حدود النموذج الحالي لإنتاج النخب المحلية. فطنجة التي أصبحت مدينة عالمية في اقتصادها وبنيتها التحتية، ما تزال تبحث عن نخب سياسية ترتقي إلى مستوى التحول الذي تعرفه.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لم تعد أزمة طنجة أزمة مدينة تبحث عن التنمية، بل أزمة نخب لم تستوعب بعد حجم المدينة التي تدّعي تمثيلها.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )