المساء اليوم – تطوان:
في الأمتار الأخيرة من الحملة الانتخابية بدائرة المضيق–الفنيدق ومرتيل، بدأت تظهر ملامح جديدة للمنافسة، بعدما انتقل الصراع من مجرد تنظيم المسيرات والخرجات إلى معركة حول حقيقة التعبئة نفسها، والفارق بين الأرقام التي تظهر في اللوائح وما يوجد فعليا في الشارع.
وفي قلب هذا النقاش، عاد إلى الواجهة ما يعرف محليا بـ«فراقشية الانتخابات»، وهم وسطاء انتخابيون يرتبط نشاطهم بتجميع المشاركين وتقديم لوائح تضم أعدادا كبيرة من المتطوعين والمستخدمين لفائدة الحملات.
وتداولت خلال الأيام الأخيرة صفحات وحسابات محلية على فيسبوك روايات تتحدث عن لوائح تضم عشرات بل مئات الأسماء، فيما تذهب روايات أخرى إلى أن بعض الأسماء قد تكون وهمية، أو أن الأسماء نفسها يتم توزيعها ضمن لوائح مرتبطة بأكثر من حملة حزبية في الوقت نفسه.
هذه المعطيات المتداولة تفتح ملفا انتخابيا حساسا، لأن حجم اللائحة لا تكون له قيمة فعلية إلا إذا كان يعكس أشخاصا حقيقيين شاركوا فعلا في الحملة وأدوا المهام المنسوبة إليهم.
لكن المسألة لا تقف عند الوسطاء الانتخابيين. فكلما تعلق الأمر بلوائح ضخمة وتعبئة واسعة، يبرز أيضا دور الأشخاص الذين أنيطت بهم داخل التنظيم الحزبي مهمة تدبير المشاركين وإعداد اللوائح وتتبع عمليات التعبئة والمصاريف المرتبطة بها.
وهنا تصبح المسؤولية التنظيمية جزءا أساسيا من الصورة، لأن من يتولى هذه الملفات يفترض أن تكون لديه القدرة على معرفة من شارك فعلا، وما هي المهمة التي أداها، وما هي المصاريف التي ترتبت عنها.
كما تداولت صفحات محلية روايات تتحدث عن استفادة وسطاء انتخابيين من مبالغ خصصت لحملة مرشح الأصالة والمعاصرة محمد العربي المرابط، من خلال لوائح ضخمة للمشاركين، بما دفع إلى تداول تعبير «استنزاف جيوب البام» في كواليس الحملة.
وتبقى هذه الروايات في حاجة إلى مطابقة الحسابات والعقود والوثائق، غير أن أهميتها تكمن في أنها تضع ملف تدبير التعبئة والنفقات تحت المجهر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بلوائح تضم أعدادا كبيرة من الأسماء.
فاللائحة التي تضم مئات الأسماء يمكن مطابقتها مع الحضور الفعلي، والمصاريف يمكن مقارنتها بالعقود والفواتير، والخدمات يمكن التحقق من طبيعتها ومدتها والمستفيدين منها. وبذلك يمكن الانتقال من الكلام المتداول في الكواليس إلى معطيات قابلة للتدقيق.
ومن هنا يظهر الفرق بين التعبئة على الورق والتعبئة في الشارع.
وفي هذا السياق، برز خلال الأيام الأخيرة تحول واضح في حضور حملة حسن الشاعر، وكيل لائحة التجمع الوطني للأحرار، خصوصا في المضيق ومرتيل، حيث اتسعت التحركات الميدانية وارتفع حجم المشاركة في المسيرات والخرجات.
وتشير المعطيات الميدانية المتداولة إلى أن أكثر من 30 في المائة من الأشخاص الذين سبق أن ظهروا في مسيرات مرتبطة بحملة الأصالة والمعاصرة التحقوا خلال الأيام الأخيرة بتعبئة الشاعر.
وضع هذا المعطى ضمن تسلسل التحركات يكشف عن إعادة توزيع لجزء من الحضور البشري بين الحملات في مرحلة متقدمة من السباق، وليس مجرد ارتفاع عابر في أعداد المشاركين.
وهنا بدأ يتردد ميدانيا تعبير «قطار الشاعر»، في إشارة إلى اتساع التعبئة حول حملته خلال الأيام الأخيرة.
وتزداد دلالة هذا المشهد عند مقارنته بالجانب اللوجستي. فبحسب المعطيات التي أوردتها «كاميرا المساء اليوم»، لم يتجاوز عدد السيارات المكتراة في إحدى خرجات الأحرار نحو 15 سيارة، بينما كانت غالبية السيارات المشاركة سيارات خاصة بمناصرين وأعضاء ومتطوعين، في مقابل رصد أكثر من مائة سيارة مكتراة ضمن إحدى خرجات حملة الأصالة والمعاصرة.
وهذا الفارق يجعل صورة القافلة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه في الصور. فعدد السيارات وحده لا يكشف طبيعة التمويل، كما أن كثافة الحضور لا تعني تلقائيا حجم الإنفاق.
المعيار الأكثر دلالة يبقى في طبيعة المشاركة نفسها، وفي مدى تطابق اللوائح مع الأشخاص الموجودين فعليا في الميدان.
ومن هنا تحديدا يصبح ملف «فراقشية الانتخابات» أكثر من مجرد ظاهرة انتخابية عابرة. فهو يضع أمام الحملات مسألة حساسة تتعلق بكيفية تجميع الأنصار والمستخدمين، وكيفية احتساب الخدمات والمصاريف المرتبطة بهم، ومن يتحمل داخل كل تنظيم مسؤولية مراقبة هذه العملية.
كما أن الحديث عن توزيع الأسماء نفسها على أكثر من حملة، إن ثبت بالوثائق والمطابقة الميدانية، سيكشف عن طريقة مختلفة تماما في صناعة الأرقام الانتخابية، حيث يمكن أن يبدو عدد المشاركين أكبر بكثير من حجم التعبئة الحقيقية.
وفي المقابل، فإن ما ظهر خلال الأيام الأخيرة في المضيق ومرتيل يفرض قراءة مختلفة لحجم التعبئة، بعدما أصبحت حملة الشاعر حاضرة بشكل متكرر في المشهد الميداني، بالتزامن مع انتقال جزء من المشاركين الذين ظهروا سابقا في أنشطة منافسة، بحسب المعطيات المتداولة.
وهكذا، فإن المعركة لم تعد فقط بين مرشحين ولوائح، بل أصبحت أيضا بين نماذج مختلفة لصناعة الحضور الانتخابي.
نموذج يقوم على لوائح بشرية ضخمة وأرقام تحتاج إلى التدقيق، ونموذج آخر يحاول بناء حضور ظاهر في الشارع من خلال الأنصار والمتطوعين والسيارات الخاصة والتحركات المباشرة.
ومن هنا تأتي أهمية الأمتار الأخيرة. فكل حملة تستطيع إنتاج صورة جماهيرية، لكن قراءة هذه الصورة تحتاج إلى وضعها في سياقها: حجم الحضور، مصدره، استمراريته، ومدى قدرته على الظهور في أكثر من منطقة.
وفي هذه النقطة تحديدا، أصبح تحرك الشاعر أحد أبرز مظاهر تغير إيقاع الحملة خلال مرحلتها النهائية، بعدما اتسع حضوره الميداني في المضيق ومرتيل.
أما ملف اللوائح، فالمعالجة الجدية له لا تحتاج إلى مزيد من الروايات، وإنما إلى مطابقة الأسماء والوثائق والحضور الفعلي. فإذا ثبت وجود أسماء وهمية أو تكرار للأسماء نفسها بين أكثر من حملة، فإن ذلك سيكون معطى انتخابيا يستحق التدقيق والمساءلة.
وفي النهاية، تقدم المضيق–الفنيدق ومرتيل خلال الأيام الأخيرة مشهدا انتخابيا متحركا، تتقاطع فيه التعبئة الشعبية مع الحسابات اللوجستية، وتتواجه فيه الأرقام الموجودة على الورق مع ما يظهر فعليا في الميدان.
أما الحسم، فسيأتي من صناديق الاقتراع ومحاضر النتائج، لا من حجم اللوائح ولا من عدد السيارات ولا من كتلة «فراقشية» الانتخابات.
لكن ما أصبح واضحا في الأمتار الأخيرة هو أن إيقاع المنافسة تغير، وأن حملة حسن الشاعر رفعت من مستوى حضورها الميداني بشكل جعلها من أبرز مكونات المشهد الانتخابي في المرحلة النهائية.

