لطالما تصدّر الدين مسارح التاريخ كواحد من أقوى القوى المحركة للسلوك البشري. وفي مراحل متعددة من التاريخ، تمثل كمصدر للتوجيه الأخلاقي، الراحة الروحية، وملتقى للمشتركات الثقافية. مع مرور الوقت وتطور الحضارات، لم يعد هذا المنار مصدر إلهام، بل تحول إلى أداة قوية ومحورية في ألعاب السلطة.
في العصور التي مرت، كان العمران الضخم والأبنية الهائلة تُرسم على شكل أساطير تُحكى من جيل لجيل. مصر الفراعنة، بأهراماتها الخالدة، تُظهر براعة هندسية وفخامة لا مثيل لها، مصورةً قوة الفرعون ومكانته الرفيعة. بينما في حقبة لاحقة، ظهر هيرودس، الذي لم يكن أقل حضورًا. مشروعاته الهندسية، من تجديد هيكل القدس إلى بناء مدن، أضفت لمسة من العظمة والأبدية إلى إرثه.
هيرودس وفرعون هما مثالان لهذا النوع من الحكام. على الرغم من الفجوة الزمنية والثقافية التي تفصل بينهما والمكان المختلفين اللذين نشئا وحكما فيهما، يُظهران تقاطعات مذهلة وأنماطًا متشابهة في أساليب الحكم، خصوصًا فيما يتعلق بقتل الأطفال وبناء المعالم الهائلة.
في قصة قوم النبي موسى، حيث أظهرت الأغلبية تذمرًا دائمًا، يشكون من الأحوال بغض النظر عن ما يأتيهم، سواء قبل مجيء النبي موسى أو بعده. ولكن القلة منهم، هم الذين يمثلون الروح الصامدة التي تقبل الأقدار برضا، مؤمنين بأن خلف كل تحدي هناك حكمة إلهية.
قول أغلبية من قوم موسى: “أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا”، يكشف عن تلك القطرات التي تسقط دونما هدف، تضيع بين جفاف المعاناة وحرارة الشكوى. وفي المقابل، هنالك تلك القطرات الصامتة منهم، التي تحتضن التحديات وترتوي من بحيرات الأمل، راضية ومقتنعة بأن كل قطرة ماء لها دور في رسم بحار الحياة.
هذا الصراع الداخلي يظهر بوضوح في حياة الطلاب. فبينما البعض يبحث عن النجاح السريع دون مجهود، يشعر آخرون بأن النجاح الحقيقي يأتي فقط عبر الصبر والتحدي. هناك من يستسلم لأدنى عقبة ويجعل من الشكوى والتذمر دربًا يسلكه. ولكن، كما أظهرت قصة قوم موسى، الحياة لا تقاس بالنتائج فقط، بل بالجهود المبذولة والتحديات التي واجهناها وكيف تعاملنا معها.
عندما يقول النبي موسى “عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ”، يستشعر قومه بأن هناك إمكانية للتخلص من العدو، لكن هذا الأمل لا يأتي بدون شروط. إذ يأتي بعدها جزء الآية الذي يقول: “وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ”. هنا تبرز النقطة المحورية في الحوار، ليس الألم نفسه هو الذي يحدد مصير الإنسان، ولكن ردة فعله تجاه هذا الألم، وتُظهر أن النضال من أجل الحرية هو فقط البداية، حقيقتنا هو ما نفعله بعد الحصول على تلك الحرية، وكيف نعكس قيمنا ومعتقداتنا في أعمالنا.
النبي موسى بحكمته ورؤيته البعيدة، كان يدرك أن مشكلات قومه ليست مجرد نتيجة لظروف مؤقتة، بل هي جزء من تحديات أكبر وأعمق تتعلق بوجودهم وهويتهم ومصيرهم. كان يعلم أن التركيز على الألم والظروف المحيطة فقط يحجب الرؤية عن فهم الأسباب الجذرية والتحديات الأساسية التي يجب مواجهتها. كلماته تشير إلى تأملات حول الطبيعة المتغيرة للإيمان، وكيف يمكن لتصرفات الأشخاص في الوقت الحاضر أن تؤثر في مصائر الأجيال القادمة.
عند النظر إلى هيرودس، نجد أنه يُمثل تمامًا العكس من ما كان يأمله موسى. بدلاً من أن يكون رمزًا للحرية والعدالة، أصبح رمزًا للاضطهاد والاستبداد هو واحد من أحفاد بني إسرائيل الذين شكوا من معاناتهم. بدلاً من أن يتعلم من تاريخ شعبه ومعاناته، اختار هيرودس المضي قدمًا في طريق الاضطهاد والظلم، خصوصًا عندما أمر بقتل الأطفال.
وصف هذا السلوك يُظهر التحول الكبير الذي يمكن أن يحدث لشعب أو مجتمع عندما يتحول من ضحية إلى ظالم. هيرودس، على الرغم من أصوله التي قد ترتبط ببني إسرائيل ، اختار السير على خطى فرعون. هذا يُظهر أن التاريخ والهوية الثقافية لا يحددان بالضرورة مسار فرد أو قائد، بل الاختيارات الشخصية والقيم التي يعتنقها هي التي تحدد مصيره.
هيرودس، وكغيره من الحكام في التاريخ، رأى في الدين فرصة لا تقدر بثمن لتعزيز سياسته والسيطرة على شعبه.
حوّل المعتقدات الدينية السامية إلى أدوات تحقيق أغراض سياسية ذاتية. الإيمان الذي يُفترض أن يكون مصدرًا للتواصل مع الله وفهم الحقيقة، يُستغل بهذا الشكل المشوه عندما يُصف المعارضون بأنهم “مرتدين” أو “كفار”، ألقاب مُحملة بالتهديد والرعب، تُسخر للحفاظ على هيمنة السلطة وتكميم الأفواه.
الدين في عهده تعدى الأبعاد الروحية ليشمل الساحة الاقتصادية والسياسية، مما أدى إلى ما يُعرف بـ”الصناعة الدينية”. هذه الصناعة، التي تعبر عن التداخل العميق بين الروحانية والمادية، أفرزت طبقة من “رجال الدين” الذين لعبوا أدوارًا محورية في تقوية نفوذه وسلطته.
هيرودس، بفضل استراتيجيته الذكية، استطاع استخدام “الصناعة الدينية” كأداة فعالة لتقوية موقعه وترسيخ سلطته. المؤسسات الدينية في عهده أصبحت تتبنى مجموعة من الاستراتيجيات والأساليب لتحقيق هذه الأهداف، والتي قد تشمل السيطرة، والرقابة، والتلاعب بالمشاعر،التقليد الأعمى، الترهيب الديني، التشدد في الطقوس و في اللباس، الحصار الثقافي، الرقابة، تحجيم دور المرأة، الاعتماد المطلق على القيادات الدينية، توجيه الشعور بالذنب، والتمييز ضد المختلفين. تلك الأساليب تُظهر التحديات التي قد يواجهها الأشخاص في سعيهم للوصول إلى فهم أعمق وأكثر صدقًا لقيمهم وإيمانهم الديني.
من خلال دعم المؤسسات الدينية وإعادة بناء الهيكل رجال الدين، بصفتهم حملة للمعرفة والتفسير الديني، أصبحت لهم قدرة فريدة على تأثير الرأي العام وصياغة السياسات التي منحت هيرودس الشرعية في أعين الكثير من اليهود. هذه الشرعية الدينية تحولت إلى دعم سياسي مما سمح له بتقديم نفسه كملك مخلص ومحافظ على التقاليد الدينية.
المشاريع الكبرى، مثل إعادة بناء الهيكل، لم تكن فقط لها أهمية دينية، ولكنها أيضًا أنعشت الاقتصاد المحلي من خلال توفير فرص عمل وجذب الزوار.
أتاحت الصناعة الدينية لهيرودس القدرة على التلاعب بالسياسة الداخلية والخارجية بطرق ذكية وفعالة، استطاع اللعب ببراعة مما سمح له بتكوين تحالفات وموازنات قوى مع كل من اليهود والرومان، مما جعله واحدًا من أكثر الحكام فعالية في تاريخ المنطقة.
المرأة، بذكائها الروحي وإدراكها العميق للحقائق، كانت دائمًا عائقًا أمام تلك المؤسسات التي تحاول تكريس هيمنتها. إذ يكمن في الأنوثة قوة خفية، قوة مبنية على الحب، العطاء والتضحية، والقدرة على الوصول إلى أعماق الروح البشرية. هذا الذكاء الروحي الحاد يمكنه أن يقوض أقوى الصناعات الدينية الظالمة ويكشف عن وجهتها الحقيقية.
عند النظر في قصة آل عمران العائلة البسيطة الصالحة من بني إسرائيل، نجد أن مقاومتهم للهيكلية الدينية المعقدة والمتقنة لم تكن من خلال التمرد المباشر أو الانخراط في نضال سياسي، بل كانت تأتي من خلال التزامهم العميق بقيمهم وإيمانهم.
زوجة عمران عندما نذرت لله ما في بطنها، فإنها في الواقع كانت تتحدى النظام القائم بطريقة غير مباشرة، من خلال التعبير عن ولائها الكامل لله وليس للسلطة الأرضية.
“إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا” ،نذرها كان يتعامل مع مفهوم “الزمان” و”المكان”. ففي الزمان، أرادت أن يكون لذريتها وجودٌ يساهم في التاريخ، لم يكن مجرد رغبة في إنجاب طفل، ولكنه كان رغبة في أن يكون هذا الطفل نقطة تحول في التاريخ. كانت ترى أن في إمكان هذا المولود أن يحمل في طياته إمكانية إعادة تعريف الوجود البشري، وأن يكون جسرًا بين السماء والأرض. اختارت أن تعطي وجودًا جديدًا له هدفٌ معين، هدف يتجاوز الذات الفردية ويهدف إلى الخدمة والتقديم، هو نوع من الوعي الذي يُظهر أعلى و أعظم مراتب التفكير.
“وليس الذكر كالأنثى” لم يكن مجرد تعليق عابر، بل كان صدىً لآلام كثيرة وتوقعات لم تتحقق. ربما كانت ترى في الذكر قوة وسندًا في عالم كان يحكمه الرجال، وفي الأنثى، خصوصًا في ذلك الزمان، تمثلت الضعف والهشاشة. السماء اختارت أن تجيب بطريقة معمقة ومعقدة تتجاوز فهم البشر.
أم مريم، رغم انكسارها المحتمل أمام “المفاجأة”، لم تكن تدرك أنها قد أضاءت شمعة قد تكون صغيرة في بدايتها ولكنها ستكون مصدر ضوء يضئ العالم للأجيال القادمة،وموتها قبل مجيء حفيدها عيسى يحمل في طياته معنىً أكبر، قد يكون قلبها قد شعر بالألم والأسى لعدم رؤية الوعد الإلهي يتحقق أمام عينيها، ولكن هذه هي الطريقة التي تعمل بها الحياة في كثير من الأحيان، نزرع البذور، وقد لا نكون حاضرين لرؤية الثمار.

