المساء اليوم – طنجة:
في فضيحة سياسية غير مسبوقة، انقلب التحالف المسير لجماعة طنجة على نفسه وصوت جزء من الأغلبية رفقة المعارضة على “المرشح المعارض” نائبا للعمدة وانسحب آخرون، في سابقة وصفها متابعون بأنها سيرك سياسي حقيقي أنتجته حالة المسخ الانتخابية لما بعد اقتراع 8 شتنبر 2021.
ومنذ أن صار المنصب الرابع للعمدة شاغرا قبل حوالي سنتين، لم تنجح التنافرات بين الأحزاب المشكلة لمجلس المدينة في اختيار بديل، قبل أن تحدث المعجزة ويتم تحديد تاريخ لذلك أمس الأربعاء.
وكان مرشح الأغلبية لهذا المنصب هو عبد الواحد بولعيش، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، ممثلا للأغلبية في المجلس التي تضم 60 عضوا، في مواجهة ممثل المعارضة، محمد الشرقاوي، عن حزب الحركة الشعبية، والذي يشغل في الوقت نفسه رئيسا لمقاطعة طنجة المدينة ورئيس اتحاد طنجة لكرة القدم.
وتم مسبقا التنسيق بين الأغلبية المشكلة من أحزاب الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال، والاتحاد الدستوري، من أجل اختيار نائب للعمدة من بينها، ممثلا في عبد الواحد بولعيش، وبدا وكأن الأمر حسم قبل الاقتراع.
غير أنه في صباح الاقتراع بدأت تتناسل “شائعات” حول ارتباك في صفوف الأغلبية، وتمكن مرشح المعارضة من استقطاب رؤوس من حظيرة الأغلبية، وهو ما تأكد بالفعل ساعة الاقتراع وفاز الشرقاوي بفارق بسيط من الأصوات.
وقد يبدو هذا المشهد معتادا في المجالس المنتخبة بالمغرب، غير أن وجه الكوميديا السوداء فيما جرى هو أن عمدة المدينة، منير ليموري، المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، ظل يرفض جملة وتفصيلا اختيار شخص من خارج أغلبية المجلس لشغل منصب نائب العمدة، رغم أن حزب الأحرار كان من أكبر الداعمين لتوسيع التحالف المسير للمجلس في شخص الشرقاوي.
والمثير أن العمدة ليموري خاض معركة عبر الكواليس لإبعاد الشرقاوي، المدعوم سابقا من الأحرار، بل ضغط من أجل إستصدار بيان شديد اللهجة يعارض فيه أي احتمال لاختيار نائب للعمدة من خارج أحزاب التحالف الرباعي، ثم أصدر بيانا ثانيا في نفس الاتجاه، و هذه المرة بتوافق مع الأحرار.
واستمر هذا السيرك لعدة أيام، قبل أن تأتي ساعة الاختيار، وتواجه بولعيش والشرقاوي في نزال كان يبدو محسوما لصالح مرشح الأغلبية، غير أن المفاجأة حدثت عبر انسحاب عدد مهم من أعضاء أحزاب الأغلبية، الذين كانت أصواتهم حاسمة في التصويت، بل إن أعضاء في الأغلبية صوتوا لمرشح “المعارضة”، من بينهم مستشارون من حزب الاستقلال وهما سمية العشيري ومحمد أقبيب، من حزب الاستقلال، حيث قرر الحزب إخضاعهما لمساءلة حول ما جرى، وحول ما إذا كانت هناك إغراءات معينة تعرضا لها من جهة ما، فيما يتحدث البعض عن أرقام معينة.
وبدا مشهد التصويت شبيها بأفلام الكوميديا السوداء، حيث لعب العمدة دور الأبله أو البهلوان الذي لا يستطيع التحكم في أغلبيته، بينما اختلط الحابل بالنابل في عملية التصويت ولم يعد للانتماء الحزبي أي معنى، فيما تحدث البعض عن أشياء خطيرة حدثت في الكواليس، قد يكون من بينها “نيران صديقة”.
ويراقب الرأي العام الطنجاوي بكثير من الذهول حالة مجلسهم الجماعي، الذي أصبح شبيها بمارستان، لا أثر فيه للمنطق ولا للأعراف السياسية، بينما العمدة لا يقدم ولا يؤخر، وكل همه أن يملأ رصيده بما يكفي.. من التجربة طبعا، وهو القادم من غرفة الصناعة التقليدية رأسا نحو تسيير ثاني قطب اقتصادي في البلاد..!
ولا يبدو في الأفق أي إحساس بإمكانية توفر مدينة طنجة على مجلس جماعي حقيقي ومحترم، حيث تسير الأوضاع من سيء إلى أسوأ، بينما تكتفي سلطات الوصاية بالتفرج على هذا الوضع الكارثي.

