المساء اليوم – ع. الدامون:
خلال الانتخابات الجماعية والتشريعية لسنة 2016، كان حزب “الأصالة والمعاصرة” وحزب “التجمع الوطني للأحرار” يبدوان وكأنهما “فولة وانقسمت نصّينْ”، كانا توأمين بكل ما في الكلمة من معنى، في الولادة والحياة والمأكل والمشرب، حتى أن لونهما الحزبي واحد، وهي حالة نادرة في المشهد السياسي المغربي.
نظرية الحلول الصوفي
في تلك الفترة، انطبقت على الحزبين نظرية “الحلول الصوفي”، كما رواها رائد التصوف ابن عربي، وهي نظرية لا تنطبق كثيرا على السياسة، لكنها انطبقت على التراكتور والحمامة.
كان المخطط في تلك الانتخابات أن يتبوأ حزب “الأصالة والمعاصرة”، المشهد السياسي بأي ثمن، بعد أن أتعب “حزب العدالة والتنمية” الحاكمين والمحكومين، فكان لا بد من تجربة أخرى، وكان الاختيار أن يقود “البام” العلماني جدا، هذه التجربة ويخوض المواجهة مع “الإسلاميين”، لكنها لم تكن مواجهة متكافئة بالمرة.
كان اللاعب الأساسي في اللعبة “ساحر كلام” يسمى عبد الإله بنكيران، الرجل المختص في إخراج الأرانب من القبعة في أي وقت، والقادر على الإبهار وخلق الدهشة.. والضحك أيضا. بينما في الجانب الآخر كان سياسي شبه مبتدئ يسمى إلياس العماري، الذي، غالبا، ما يريد قول شيء فيخرج من فمه كلام مختلف، أي أنه يريد وضع الكحل في العيون، فيعميها تماما.
التراكتور يدهس الحمامة
المواجهة إذا لم تكن متكافئة بين ساحر وصانع كحل فاشل، لذلك جاءت النتيجة في الانتخابات وفق ما تقتضيه هذه النظرية غير المتكافئة.
لكن الأهم هو أن الجميع يتذكرون أن حزب “الأصالة والمعاصرة” أفرغ حزب التجمع الوطني للأحرار من أعضائه الكبار، وحتى الصغار، وكان “الهروب” جماعيا نحو “التراكتور”، إلى درجة أن التجمعيين كانوا مهددين بالانقراض في فترة ما، وبقي صلاح الدين مزوار، رئيس الحزب وقتها، يمسك في يده بحمامة منتوفة الريش، لا ينقص إلا شيّها.
ما جرى في الشمال
يكفي أن نذكر مثالا بسيطا، لكنه مُفجع، حول ما جرى. فعندما تولى عزيز أخنوش قيادة الأحرار، ذهب إلى لقاء في الشمال، معقل التجمعيين التاريخي، وهناك، في طنجة، سمع ما لم يكن أحد يريد أن يسمعه. اثنان من أعضاء الحزب في المدينة، الراحل يونس الشرقاوي، وعبد العزيز بنعزوز، لم يلتو لسانهما وهما يتهمان محمد بوهريز، المنسق الجهوي للحزب وقتها، والذي كان يجلس على يمين أخنوش، بأنه هو من كان ينصح كبار المرشحين في حزب الحمامة بالترشح في صفوف “البام”.
هذا مثال فقط، يبدو أنه تكرر في جهات أخرى بطرق مختلفة، في وقت كان إلياس العماري سيد الزمان والمكان، في يمناه سوط وفي يسراه جزرة، وفي الجيوب الذهب والفضة.
حرب وسلام وهبي وأخنوش
بعد ذلك تغيرت الأشياء كثيرا.. فقد “اختفى” العماري وجاء من أقصى الحزب رجل يسعى.. اسمه عبد اللطيف وهبي.. بطموح سياسي قديم.. من زمن اليسار شبه الراديكالي، ويرى من حقه أن ينال نصيبه من الكعكة السياسية كما هي متعارف عليها مغربيا، أو يريد على الأقل، ألا ينقلب “التراكتور” بين يديه.
يعرف وهبي ما جرى سابقا حين أكل “البام” حقه وحق الأحرار، ويعرف أن اللعبة كانت ستتكرر في انتخابات 8 شتنبر بشكل مختلف، أي أن أخنوش كان يريد استرداد متاعه من “البام”، وهذا في حد ذاته إشكال عويص.
ربما لهذا السبب نشبت الحرب مبكرا بين وهبي وأخنوش، وهي حرب مفاجئة، والسبب هو أن وهبي لم يكن يريد دحر الأحرار، فهو أذكى من أن يحاول ذلك، لكنه كان يريد فقط أن يحمي متاعه من الأحرار، لأنه لو تكررت اللعبة فقد يجد “التراكتور” بكامله تحت جناح الحمامة.
هكذا كان وهبي شرسا مع أخنوش، فبدأ يتحدث عن المحروقات وعن التحكم وعن كل شيء، ليس لأنه عاد إلى زمن حزب “الطليعة”، بل فقط يريد أن يقول “نحن هنا”، وورقة المحروقات يمكن أن يحرق بها الكثير من أحلام أخنوش.
وأخيرا.. سلام “الشجعان”
كان وهبي يريد، فقط، أن يعقد سلام شجعان مع أخنوش، أي أن يحافظ “التراكتور” على موقع قوي في انتخابات 8 شتنبر وأن يكون رقما سياسيا فاعلا في المرحلة التي تليها، وألا يحدث له ما حدث لأحزاب سادت زمنا ثم ذابت في الانتخابات كما تذوب قطعة ثلج تحت شمس حارقة.
هكذا فهم حزب الأحرار بسرعة رسالة وهبي، وعوض أن تطول المعركة، عقد لقاء بين الرجلين على هامش اجتماع لجنة النموذج التنموي، وربما تبعت ذلك لقاءات “سرية”، أو على الأقل، تفاهمات عن بعد، بعودة كل طرف إلى حدوده، وأن يحتفظ “البام” بما أخذه من الأحرار سابقا، وأن يكف الأحرار يده عن البام.
بعدها، وعندما صارت الصحافة تتساءل عن سر هذا الصمت المفاجئ لوهبي ونسيانه لموضوع المحروقات و17 مليار، التي كان يرددها مع كل زفرة نفس، أجاب وهبي أن الصحافة تود استمرار العراك، والحقيقة أن الصحافة تريد فقط أن يكون وهبي سعيدا، وأن يشرح للناس، وليس للصحافة، لماذا لفّ ودار ألف مرة حول الموضوع، وأشعل النيران هنا وهناك، بينما كان من الممكن، منذ البداية، أن يجلس مع أخنوش ويعقد معه سلام شجعان يقضي بألا يقترب الأحرار من مواقع “البام”، وأن يعيش كلا منهما في سلام، ما دام أن التحالف بينهما مسألة حتمية.
اليوم.. عُقد الزفاف رسميا بين الأحرار والبام، ومعهما الاستقلال، وتحول وهبي إلى رجل آخر لا علاقة له بما كانه قبل بضعة أسابيع.. واختفى مصطلح “المحروقات” إلى الأبد، فالهدف تم تحقيقه، أي أن البام استمر رقما عصيا في المشهد السياسي، بكل الطرق الممكنة، القديمة منها والجديدة، .. وكفى الله وهبي وأخنوش شر القتال.

