بوريطة.. ابتسامة “الموريسكي” الخادعة..!

المساء اليوم: عبد الله الدامون

كانت المواجهة مفتوحة، ليس بين المغرب وإسبانيا فقط، بل أيضا بين أشخاص ذاتيين كان كل واحد منهم يريد أن يثبت ذاته ودهاءه في ظل مواجهة غير مسبوقة بين بلدين جارين.

كانت المواجهة الأبرز بين شخصين، أرانتشا غونزاليس لايا، وزيرة الخارجية الإسبانية، التي تعتبر المسؤولة الأولى عن السماح لزعيم جبهة البوليساريو بدخول إسبانيا بجواز سفر مزور، وبين ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربي الذي دخل “معركة حياته” في مواجهة هي الأقوى في حياته الدبلوماسية.

في النهاية انتصر بوريطة، ليس لأن غريمته الإسبانية لايا أعلنت الاستسلام واعتذرت، بل لأن رئيس الحكومة الإسبانية قرر أخيرا إقالتها لبتر الورم، ضمن تعديل حكومي محدود، لكن كل ذلك لم يخف أن التعديل كان من أجل هدف واحد، إبعاد لايا عن الحكومة ومحاولة استعادة دفء العلاقات بين مدريد والرباط.

فمن يكون بوريطة الذي انتصر أخيرا في هذه الحرب الشخصية، وأيضا المواجهة القوية بين المغرب وإسبانيا؟

في البداية بدا وكأنه تلميذ جديد وساذج يدخل قسما لا يوجد به سوى مزيج من المجرّبين، وهم خليط من الحكماء والكسالى، والذين لا يهمهم أن يكرروا السنة، ما دامت الحكمة تقتضي أن تكون وزارة الخارجية وزارة “حكمة وتوازنات”.. إلى درجة القرف.

هكذا كان ناصر بوريطة مفاجأة حقيقية عند تعيينه في حكومة العثماني، في وقت كان الجميع ينتظرون اسما من بين الأشخاص الذين اشتعلت رؤوسهم شيبا في هذا المجال، فجاءهم من أقصى تاونات ولد يسعى، برأس فاحم السواد ووجه بشوش على الدوام، وكأنه لا يدرك من أمر هذه الدنيا شيئا، فوجهه الطفولي يشي بشيء من قلة التجربة الحياتية، وابتسامته العفوية تعطي انطباعا خاطئا بالظرف واللطافة.

ناصر بوريطة من أطفال السبعينيات ومراهقي وشباب الثمانينيات وأطر التسعينيات وبداية الألفية الأولى، وهو اليوم وزير خارجية بلد محكوم بصراع دبلوماسي شرس مع جيرانه وخصومه.

ربما من سخرية الأقدار أن تكون الأصول الأندلسية لناصر بوريطة تضعه اليوم في مواجهة غير مسبوقة مع الجارة إسبانيا، التي لا تزال مؤسساتها تعتمد خطابا ممنهجا معاديا للمغرب منذ زمن الملكة إيزابيلا الكاثوليكية، شريرة زمن محاكم التفتيش والطرد الممنهج للأندلسيين، الذين حل معظمهم بالمغرب، واستوطنوا الكثير من مدنه في الشمال والجنوب، وصاروا اليوم جزءا لا يتجزأ من نسيجه الاجتماعي.

عندما تم تعيين بوريطة وزيرا للخارجية في حكومة سعد الدين العثماني سنة 2017، كان في الثامنة والأربعين من عمره، وهو بذلك واحد من أصغر وزراء الخارجية عمرا في تاريخ الدبلوماسية المغربية، التي تعودت على وضع أشخاص أفنوا عمرهم في دواليب وزارة الخارجية على رأس الوزارة.

كثيرون توقعوا، وقتها، ألا يطول مقام بوريطة في هذه الوزارة، وأن أول تعديل وزاري سيعصف به قبل غيره في وزارة لا ترحم، وبعدها بسنوات تأكد أن التعديلات يمكنها أن تعصف بعتاة الوزراء، إلا بوريطة.

بوريطة نتاج للتعليم العمومي المغربي. يتحدث العربية والإنجليزية والفرنسية، ويفهم الإسبانية.

يوصف بوريطة بأنه يشتغل إلى حد الإنهاك، ويتابع أدق ما يكتب عن المغرب في وسائل الإعلام الأجنبية على الخصوص، وهاتفه رهن إشارة الصحافيين في كل وقت، ورغم كل الانتقادات التي تطاله أحيانا في وسائل الإعلام المغربية والأجنبية، فإنه يظل مصرا على نهجه.

لكن بوريطة ليس “سوبرمان” في كل الأحوال، إنه وزير سيادة، ووزير السيادة مصطلح مغربي خاص يعني أن رئيس الحكومة لا شأن لها به، أو أن وزراء السيادة هم أقوى من رئيس الحكومة، وقد لا يبدو معقولا أن يكون العثماني، رئيس بوريطة في الحكومة، هو وزير الخارجية الأسبق الذي أعفي من مهامه كوزير للخارجية بعد فترة قصيرة من توليه إياها. إنها واحدة من أوجه سخرية الأقدار.

مسيرة بوريطة في الدبلوماسية المغربية ليست استثنائية، ففي سنة 2002، وفي الثالثة والثلاثين من العمر، عين في منصب رئيس مصلحة الهيآت الرئيسية بالأمم المتحدة، ثم ترأس البعثة المغربية في بروكسيل، وبعدها تقلد رئاسة ديوان وزارة الخارجية، وبعدها كاتبا أول للسفارة المغربية في فيينا، ثم وزيرا منتدبا لدى وزير الخارجية والتعاون.

قد يكون من حسن حظ بوريطة أن الدبلوماسية المغربية ليست قضية وزارة، بل قضية دولة، والنجاح يقتسمه الجميع، بينما الفشل يكون من نصيب الوزير، وبوريطة اليوم يقتسم النجاح ولا يحتكره، إنه جزء من منظومة قررت أن تغير جلدها.

اليوم، تبدو الدبلوماسية المغربية وقد خرجت من جلبابها القديم، جلباب رث كانت ترتديه بداعي الحكمة والتوازن. لم تعد “الحكمة المغشوشة” تطبع الدبلوماسية المغربية، وتحولت المواجهة إلى جزء أساسي من الدبلوماسية التي ارتدت ملابس مصارعة حرة، وبهذه الملابس الجديدة ستسير لسنوات وعقود مقبلة، ففي السياسة، من الأفضل أن تكون “سوبرمان” على أن تكون لقمان الحكيم، وما جرى من تطورات في قضية الصحراء وتحديد الحدود البحرية مع إسبانيا وإعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل أو المناوشات الدبلوماسية مع ألمانيا وإسبانيا خير دليل على ذلك.

ويبدو أن أفق الدبلوماسية المغربية سيظل مفتوحا على العديد من المواجهات التي قد تحمل مفاجآت كثيرة مستقبلا، وفي كل هذا، سيكون ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربية لسنوات طويلة أخرى مقبلة.

الصورة عن (العرب)

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )